العودة إلى سوريا 
الأخبار
22/10/2008
بشير الجميّل زار دمشق سرّاً عام 1981
■ السوريّون فضّلوا بيار على والده
■ حاول أمين إقناع سوريا بتولّيه الرئاسة عام 2007
مخطئ من يظن أن في السياسة أصدقاء دائمين أو أعداء دائمين. تجربة العلاقة بين حزب الكتائب والنظام السوري دليل على تحكّم المصالح في مصير العلاقات السياسيّة، في هذا العرض عودة إلى بعض أهم «المحطات السورية» لحزب الكتائب لمناسبة الاحتفال بذكرى تأسيسه
سوريا. الكلمة ـــ المفتاح التي تفرض نفسها على أي نقاش في صالونات السياسيين. يدور الكلام في صالونات المعارضة حول بعض سياسيي الأكثريّة الذين يذرعون طريق الشام ذهاباً وإياباً أو الذين يرغبون بزيارة عاصمة «الممانعة». أمّا في صالونات الأكثريّة، فإن النقاش يأخذ بُعداً آخر. يُناقش هؤلاء النيات السوريّة بالدخول مجدداً إلى لبنان، وكيفيّة مواجهة هذا الاحتمال
عندما يتحدّث المعارضون، يذكرون سياسيين أفراداً لا أحزاباً، ولكن الأحزاب ليست بعيدة عن هذا الجو. حُكي عن رسائل اشتراكيّة إلى سوريا عبر الوزير طلال أرسلان، ورسائل كتائبيّة عبر وسطاء
المبادرة الكتائبيّة في اتجاه السوريين في الأعوام الثلاثة الأخيرة (2005 ـــ 2006) بدأت مع الوزير الراحل بيار الجميّل، «الذي كان محطّ ثقة سوريّة، وقد انزعجوا كثيراً عند اغتياله، وحاولوا معرفة الجهة المسؤولة عن الاغتيال» يقول صديق قديم مشترك بين السوريين وآل الجميّل
ويُضيف أن بيار الجميّل كان يُمثّل الأمل بالنسبة إلى حزب الكتائب. وينقل كريم بقرادوني عن بيار الجميّل أنهما توافقا على ضرورة عودة العلاقة بين الكتائب وسوريا، لأنها مهمّة للطرفين وللبنان، واعتبرا أن الظروف التي كان البلد يمرّ فيها في تلك الفترة لم تكن لتسمح ببدء هذه العلاقة، وبالتالي يجب الانتظار حتى تهدأ الأمور قليلاً. وينفي بقرادوني أن يكون بيار الحفيد قد أخبره عن الرسائل مع النظام السوري، «لأننا لم نكن نتداول جميع المعلومات في ما بيننا»، رغم أن بقرادوني كان رئيس الحزب في تلك المرحلة
ويشير إلى أنه إذا كان الصديق المشترك بين آل الجميّل والسوريين يتحدّث عن رسائل، فهذا يعني أن الأمر مؤكّد، لأن الرجل عمل على هذا الخط منذ أيام بيار الجدّ والأسد الأب
ويُمكن تلخيص مضمون الرسائل بين الشاب بيار والنظام السوري، برغبة مشتركة عند الطرفين في بناء علاقة ثنائية جيّدة «لكون لبنان رئة سوريا، والعكس صحيح» يقول الوسيط، بسبب الترابط الجغرافي. وبالنسبة إلى السوريين، كانوا يعتبرون أن العلاقة مع بيار أفضل منها مع والده. ولكن لماذا هذا الموقف من رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الأسبق الذي حطم الرقم القياسي في عقد القمم مع نظيره السوري، إذ وصلت إلى 13 قمّة، والشيخ أمين هو الرئيس الوحيد الذي زار دمشق في اليوم الأخير من ولايته؟
■ الموقف السوري من الجميّل
في الجانب الشرقي من الحدود اللبنانيّة، هناك من يقول للبنانيين مقرّبين منه إن رسائل أمين الجميّل وصلت إلى دمشق، وإن الجواب كان واضحاً: أهلاً وسهلاً به في الشام عندما يُحب. وهو كلام يؤكد صحته رجل الأعمال الذي نقل الرسائل. الكلام السوري لا يقف عند هذه الحدود. يقول الذين تابعوا ملف آل الجميّل في دمشق إن أوراق الشيخ أمين محروقة بالكامل، «ومن ير ما يحوي الأرشيف السوري عنه، يعرف مدى جديّة هذا الكلام»، يقول أحد المقرّبين من دمشق، ويستعين بكلام استعمله الرئيس الراحل سليمان فرنجيّة عن الجميّل عندما قال: «صاحب الرأس المريض». سبب هذا الكلام حينها، كان أن الجميّل حاول أن يوقع الفتنة بين الراحلين فرنجيّة وحافظ الأسد بعدما توسّط الأول له عند الثاني في سبيل حلّ المشكلة المتعلّقة باتفاق 17 أيّار
يقول رجل الأعمال اللبناني الذي تربطه علاقة بآل الجميّل وبعدد من الشخصيّات الرفيعة في سوريا، إن «الرئيس الجميّل لا يرى أبعد من زاروب منزله». لذلك، لا يريد الرجل أن يُفصح عن تفاصيل الرسائل التي نقلها ـــ رغم أنه يسميها نقل أفكار لا رسائل ـــ لكنّ حديثه يوصلك إلى نتيجة واحدة: أمين الجميّل أراد تقديم أوراق اعتماده كرئيس جمهوريّة مرّة ثانية للنظام السوري؛ وعندما تطرح عليه السؤال مباشرةً ينفيه، ولا يلبث أن يقول: «أنتم معشر الصحافيين ترون أبعد من السطح، وأعتقد أنك فهمت قصدي
كذلك، بعث الرئيس الجميّل برسائله أيضاً عبر الرئيس نبيه برّي، بعدما طلب من كريم بقرادوني أن يستكشف إذا ما كانت طريق عين التينة مفتوحة له بعد عودته إلى الحزب. وكان ردّ برّي إيجابياً، فزاره الجميّل مع بقرادوني، ليكمل الجميّل العلاقة وحده مع برّي. ويشير بعض المعلومات المتوافرة إلى أن الجميّل سعى عند رئيس المجلس إلى التوسّط له عند السوريين
كذلك، استعان الجميّل ببعض أصدقائه من رجال أعمال لبنانيين يعيشون خارج لبنان، وهم على علاقة جيّدة بالسوريين، لإيصال رسائله «التي لا تزال تصل حتى الآن وخصوصاً إلى «أبو وائل» (اللواء محمّد ناصيف، المسؤول في الاستخبارات السوريّة سابقاً ونائب فاروق الشرع وأحد أقوى رجال النظام السوري، الذي تربطه علاقة شبه أبوية بالرئيس بشار الأسد)» كما يقول بعضهم. كذلك، أرسل الجميّل رسائله عبر أصدقاء له في الإمارات العربيّة المتّحدة، أمّنوا له عودته إلى لبنان من المنفى الفرنسي الذي أرسله إليه رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوات اللبنانيّة سمير جعجع بعد دخوله العسكري إلى المتن
فقد قام أحد رجال الأعمال الإماراتيين بالتوسّط عند وزير الدفاع الإماراتي من أجل تسهيل عودة الجميّل إلى لبنان، الذي طلب الأمر شخصياً من الرئيس بشّار الأسد. ويوم عودة الجميّل كان الاتصال الخارجي الأول الذي أجراه هو مع وزير الدفاع الإماراتي، وأول زيارة خارجيّة كانت إلى الإمارات، واصطحب معه فيها ابنه بيار الذي كان قد انتخب نائباً
وفي روايةٍ ثانية، يقول أحد الناشطين في حزب الكتائب إن عودة الجميّل كانت بتنسيق من اللواء جميل السيّد الذي اشترط عليه عدم التصويت للوزير نسيب لحّود، وقد استاء السيّد من الجميّل، بحسب الراوي، لأنه صوّت للحود، فحاربه داخل حزبه. لكن أرقام انتخابات عام 2000 تُشير إلى أن السوريين لم يُحاربوا الوزير لحود حينها، إذ حصل على أصوات الناخبين القوميين السوريين
لكن الردّ السوري على الرسائل المتكرّرة ذات المضمون الواحد، وهو الوصول إلى رئاسة الجمهوريّة، والاستعداد للتعاون مع السوريين إلى أقصى حدّ كثمن لهذه المساعدة، كان ضبابياً في جميع الأوقات. دائماً كان جواب سياسيي الشام ورجال استخباراتها، الترحيب بزيارة الجميّل إلى دمشق
■ الخوف من الشارع المسيحي
لماذا يستخدم الجميّل خطاباً سياسياً تحت الطاولة، وخطاباً تعبوياً فوق الطاولة؟ يجيب الوسيط بأن رئيس حزب الكتائب يُعاني مشكلة الشارع المسيحي، وإذا أعلن «الزعيم المسيحي الثالث» في لبنان اليوم حقيقة مواقفه الإيجابيّة تجاه سوريا، فإنه سيخسر في الشارع المسيحي. «فالجميّل عنده هاجس رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوات اللبنانيّة سمير جعجع، الذي بدوره عنده هاجس رئيس التيار الوطني الحرّ الجنرال ميشال عون
هذه هي الأسباب التي تدفع بـ«العنيد» إلى عدم إشهار حقيقة موقفه من السوريين، رغم أنه قال أول من أمس كلاماً آخر: «يهمنا تطبيع العلاقات اللبنانية ـــ السورية، مررنا بمرحلة مأسوية، فلا بد من خطوات لتحسين العلاقات بين لبنان وسوريا والتطبيع وصولاً إلى ما نطمح له من علاقات ممتازة بين البلدين
لماذا يتقبّل جمهور ميشال عون المسيحي تحسين العلاقات مع دمشق، ولا يقبلها جمهور أمين الجميّل؟
جمهور الجميّل مشترك مع جمهور جعجع، وهو جمهور يميل صوب الخطاب الأكثر تطرفاً، الذي يعتبر أن السوري عدو له. في المقابل، جمهور عون منفصل عنهما؛ وخسر عون من صفوف مناصريه أناساً يعتبرون أن العلاقة مع سوريا خطيئة، «لكنّه كان قادراً على تحمّل هذه الخسارة، بعكس أمين الجميّل الذي يسعى لإعادة لمّ شمل حزبه
■ زيارة بشير الجميّل السريّة
بينما كانت قوّات الحركة الوطنية والفلسطينيين في عام 1981 تصل إلى أمام «الغرفة الفرنسية» في مقابل جبل صنين بمنطقة الزعرور، سافر الرئيس بشير الجميّل إلى دمشق على متن طائرة هليكوبتر سوريّة، ورافقه في الزيارة اللواء محمد الخولي (رئيس القوى الجوية) والصحافي في راديو مونتي كارلو حينها الزميل جورج بشير. وقد حطّت الطائرة عند الخامسة فجراً في نادي اليخوت ثم انطلقت إلى مطار المزّة في دمشق. وكان في استقباله نائب الرئيس السوري حينها، والمسؤول عن الملف اللبناني في النظام السوري، عبد الحليم خدام، والأمين القطري لحزب البعث في سوريا ورئيس مجلس الشعب السوري عبد الله الأحمر
قام الخولي بتنسيق هذه الزيارة. وذهب بشير والوفد المرافق له إلى قصر الضيافة، حيث تناول الوفد اللبناني طعام الفطور بحسب ما يروي الزميل جورج بشير
عند انتهاء طعام الفطور، أبلغ مسؤول البروتوكول في الرئاسة السوريَّة أن اللقاء بين بشير والرئيس حافظ الأسد سيرجأ إلى ما بعد الظهر، لأن الأخير اضطر للذهاب إلى القرداحة لاستقبال مسؤول سوفياتي رفيع هناك. استاء بشير كثيراً لأنه «يعرف أن اللقاءات مع الأسد تطول، وهو لا يرغب في المبيت في دمشق» بحسب ما يقول الزميل بشير
وكردّة فعل سريعة، «قرفص» بشير، فانشقّ بنطاله، ما اضطرّه للذهاب إلى السوق حيث اشترى بذلة رسميّة وتنزّه في أسواق دمشق مع الوفد المرافق، وهكذا، «فوجئ الناس بوجود الجميّل
ليلاً، التقى الراحلان الأسد والجميّل خمس ساعات، على انفراد. وعند انتهاء اللقاء، ينقل من رافق الجميّل في الزيارة، أنه خرج مرتاحاً من اللقاء الذي تناول الوضع في لبنان والدور الفلسطيني والنقمة السورية على ياسر عرفات.
وعندما انتهى اللقاء، عاد الوفد إلى لبنان على متن طائرة هليكوبتر سوريّة، وتمنى الجميّل على الزميل بشير عدم نشر خبر اللقاء، كذلك كانت الرغبة السوريّة، لأسباب لم يُفصح عنها الطرفان
ويروي بشير أنه عندما قابل وبيار حلو ورشاد سلامة الرئيس بشار الأسد، سأله الأسد عن تفاصيل هذا اللقاء، «ثم التقيته في روما بعد جنازة البابا يوحنا بولس الثاني وتكلّمنا على اللقاء مرّةً ثانية، والأسد كان يعرف عن لقاء أبيه ببشير الجميّل، وقد استوضح بعض الأمور عن جوّه
■ حان دور بقرادوني
كان بشير قد أبلغ بقرادوني أن «دوره حان» عندما اصطدم مع الإسرائيليين بعد انتخابه رئيساً، لكن اغتياله لم يترك مجالاً لمعرفة أين كان يُمكن بقرادوني أن يصل بالعلاقة
في المقابل، يقول أحد الكتائبيين السابقين، الذي عاصر فترة منتصف السبعينيات، إن زيارة بشير الجميّل الأولى كانت في عام 1976، بعد وساطة الراحل طوني فرنجيّة بينه وبين السوريين، وانتهت علاقة بشير بالسوريين في أواخر العام ذاته، عندما نقل الفريق الكتائبي المكلّف التفاوض مع السوريين صور لقاءٍ له مع رئيس وزراء إسرائيل آرييل شارون، وحينها، أنهى السوريون اللقاء سريعاً، والزيارة. وقد أبلغ أحد أعضاء الوفد مسؤولاً سورياً عن هذا الموقف من بشير ـــ رغم أنه على خلاف شديد معه ـــ لأنه مقتنع بأن الزعيم الكتائبي الشاب هو المسيطر فعلياً، وأن الخلاف معه يعني صدام الشارع المسيحي مع الجيش السوري، والعودة الكتائبيّة إلى الحضن الإسرائيلي، وهو أمر يُناقض محاولة السوريين جذب المسيحيين إلى جانبهم
■ كيف بدأت العلاقة
ازدهرت العلاقة الكتائبيّة ـــ السوريّة، وتكرّرت زيارات الفريق الكتائبي الذي بنى العلاقة مع دمشق بتوجيه من بيار الجميّل المؤسس، بعدما بدأت عبر التواصل بين بقرادوني وعاصم قانصوه بإشراف الجميّل المؤسس وموافقته، وكان الشيخ بيار قد راح يزور الأسد زيارات سريّة، يذهب إليه بالسيارة ذاتها مع قانصوه، يرافقهما أحياناً بقرادوني
وكانت أول زيارة لبشير بطلب سوري، من أعضاء الفريق المكلّف الملف اللبناني وهم: ناجي جميل، حكمت الشهابي، عبد الحليم خدام، محمد الخولي وعلي المدني (قائد الشرطة العسكريّة)، وذلك قبل مجزرة تل الزعتر، «التي كان السوريون يعلمون بإمكان حصولها لأنهم يعرفون أن المخيّم ساقط، وقد نسقوا عمليّة اقتحام المخيّم مع بشير ودعموه عبر مدفعيّتهم
واعتبر الجميّل المؤسس سوريا «الشقيق الأقرب»، الذي استعانت به الكتائب بعدما «أسقطنا من حسابنا كل مساعدة غريبة، وكانت سوريا الشقيق الصادق والجار المخلص
وسأل في وقت آخر: «لماذا نرى في هذه القوات الشقيقة احتلالاً، ولا نجدها قوة انتدبت لإعادة الأمن والسلام إلى ربوع البلاد؟... نحن وطّدنا الصداقة بين اللبنانيين والسوريين، وكنّا أول من أثنى على سياسة الرئيس الأسد الذي نعتبره الصديق المخلص. وصديقك من صدقك لا من صدّقك كما يُقال. ويشرفني أنني صديق الرئيس الأسد. وعلى الصديق أن ينبه صديقه وينصحه. ومن الضروري أن يكون الجيش السوري جيشاً صديقاً، مع الحق والعدل، وغير مقبول بأي صورة من الصور أن يكون مع فئة لبنانية ضد فئة لبنانية ثانية». لكن، عندما التقى موفدون كتائبيون بإسرائيليين، بعد حرب السنتين في نهاية 1976، ساءت العلاقة جداً بين الكتائب والسوريين، ووصلت إلى حدّ الصدام العسكري أحياناً، وخصوصاً بعد تحسّن العلاقة بين «الحركة الوطنيّة» والنظام السوري بعد اتفاق كامب دايفيد بين إسرائيل ومصر. لتعود العلاقة إلى وضع جيّد في فترة حكم أمين الجميّل ثم تسوء حتى اتفاق الطائف
أرمني في رئاسة الكتائب
يُعتبر كريم بقرادوني، أحد أهم الذين عملوا على إنضاج العلاقة الكتائبيّة ـــ السوريّة، وهو الأرمني الوحيد الذي ترأس الحزب، وقد لامه السوريون في عام 2005 على المصالحة مع آل الجميّل التي اعتبرت عمليّة إعادة تسليم الحزب لهم، وقد سعى لمأسسة الحزب، لكن العائليّة غلبته على حدّ قوله
«سوريا هي منقذ العروبة»
في 11 تشرين الثاني 1976 قال المؤسّس بيار الجميّل: إن الشقيقة سوريا تخطّت الاعتبارات الطائفية إلى المفهوم القومي، فأنقذت العروبة مما أريد لها من بطْل وتضليل. والدليل على ذلك حينما تصدّى الرئيس الكبير حافظ الأسد لزعيم يساري من عندنا (يقصد المرحوم كمال جنبلاط) حاول إثارة النعرات الطائفية فاستوقفه الرئيس عن الكلام ليقول له: «أنت الذي يدّعي التقدمية والوطنية تنطلق في هذه الإثارات الطائفية؟