مناصرو جنبلاط واليساريون شاركوا وميزوا تحركهم عن المعارضة المسيحية
السلطة اللبنانية والمعارضة تتعادلان في «اختبار قوة» مظاهرات الاستقلال
بيروت: «الشرق الأوسط»
20/11/2004
مرت مظاهرات الاستقلال في بيروت بسلام على السلطات اللبنانية والمعارضة على السواء، بعدما حقق الطرفان مبتغاهما. اذ أثبتت قوى المعارضة وجودها فيما حافظت الدولة على الامن، خصوصا ان التلويح بـ «رقابة» العالم على تصرفها كان قاسما مشتركا في تصريحات المعارضين الذين اصروا على رفض طلب ترخيص لمظاهراتهم.
وقد كان لافتا تنوع القوى المعارضة التي شاركت في المظاهرات، كما كان لافتاً حرص الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي يرأسه النائب وليد جنبلاط، والقوى اليسارية الاخرى المعارضة على تمييز تحركها عن تحرك القوى المسيحية المعارضة التي وحدت تحركها في مناطق شرق بيروت وتميز بهجوم عنيف على الوجود السوري، وهو ما غاب عن مظاهرة اليساريين
وكانت القوى الامنية اللبنانية بكرت امس في مساعيها لتطويق التحرك الذي دعا اليه انصار العماد ميشال عون وشارك فيه انصار «القوات اللبنانية» المحظورة وحزب الوطنيين الاحرار و«القاعدة الكتائبية» المؤيدة للرئيس السابق امين الجميل. وأقام الجيش اللبناني حواجز ونقاط تفتيش عند مداخل بيروت من الجهات المختلفة عمدت الى التدقيق في هويات الركاب ما أحدث زحمة سير خانقة. كما انتشرت القوى الامنية وقوات مكافحة الشغب بكثافة في منطقة المتحف، حيث مقصد تظاهرة العونيين، وامام نقاط التجمع الطلابية لا سيما في الجامعات. لكن هذا لم يمنع وصول المئات من الطلاب الى منطقة المتحف حاملين الاعلام اللبنانية والاعلام الحزبية والشعارات التي تطالب بـ «السيادة والاستقلال والقرار الحر»، كما رفعوا صور الرئيس الراحل بشير الجميل، وقائد «القوات اللبنانية» المسجون سمير جعجع والعماد ميشال عون. وأطلق المتظاهرون هتافات تطالب بالخروج السوري من لبنان وتدعو الى العمل لاستعادة الاستقلال الحقيقي. وقد تقدم المتظاهرين مسؤولو التيار العوني والهيئات الطلابية، بالاضافة الى نديم بشير الجميل وسامي امين الجميل. وألقيت خلالها كلمات لممثلي التيارات المعارضة اكدت على «الاستمرار في النشاط حتى تحرير لبنان من المحتلين». واعتبرت الكلمات ان «الاحتفالات الحقيقية بعيد الاستقلال هي على المتحف»، ووصفت الاحتفالات الرسمية الاسبوع المقبل بأنها «فولكلورية». ورأت الكلمات ان «القرار 1559 يتوافق مع الدستور اللبناني الذي يطالب بحرية وسيادة واستقلال لبنان».
ووجه ممثلو التيارات المعارضة رسالة الى وزير الداخلية سليمان فرنجية تقول ان «لبنان هو دائما على حق وعندما لا تعترض القوى الامنية المتظاهرين لا تقع المواجهات». وقد سارت المظاهرة وسط حضور امني كثيف للجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي وفرق مكافحة الشغب وآليات الدفاع المدني.
وفي المقابل، تجمع امام السراي الكبير في العاصمة المئات من المتظاهرين بدعوة من الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة اليسار الديمقراطي. وحمل المتظاهرون الاعلام الحزبية واللافتات المطالبة بالاستقلال التام. وقوبل المتظاهرون بانتشار كثيف للقوى الامنية التي طوقت مقر رئاسة الحكومة وقطعت الطريق المؤدية اليه. وحصرت المظاهرة امام تمثال رياض الصلح على مقربة من السراي. وقد انتقل المعتصمون فيما بعد الى ساحة الشهداء (وسط بيروت) حيث سيقام الاحتفال الرسمي بعيد الاستقلال الاثنين المقبل وتمركزوا امام المنصة الرسمية قبل ان ينتقلوا الى المتحف.
وقد وزع التيار العوني خلال المظاهرات العلم اللبناني الموقع من رجالات الاستقلال كتب عليه العبارة الآتية: «الوطن اليوم كله محتل ومحاصر وناطر وقفة رجال».
ووزعت الهيئات الطلابية في الجامعة اليسوعية بيانا أكدت فيه رفضها «للاستقلال المنقوص المرهون بالإرادة الخارجية». ودعت الى «التوحد من أجل مصلحة الوطن شرط ألا يترك مجال للاجئين او الغريب للتدخل بين اللبنانيين». ورفع الطلاب لافتات كتبت عليها شعارات منها «لكم لبنانكم ولنا لبناننا»، و«لا للاحتلال السوري»، و«وطني دائماً على حق».
وتظاهر طلاب جامعة الروح القدس ـ الكسليك (شمال بيروت)، وسيدة اللويزة في زوق مصبح بدعوة من «التيار العوني»، وألقيت كلمات لفتت الى معاني «لبنان التضحية والشهادة والحرية المضبوطة والديمقراطية الحقيقية والاستقلال القوي». ودعت الى «تحدي كل العراقيل والمسايرات من اجل العيش على ارض لبنان الحر، المستقل والديمقراطي».
وفي جامعة اللويزة ـ زوق مصبح (شمال بيروت)، توقفت الدروس وألقيت كلمات لممثلي التيارات المعارضة «تناولت قمع التظاهرات والحريات والوجود السوري في لبنان»، مطالبة «بتطبيق القرارات الدولية ومنها القرار 1559».
وكانت مجموعات من الطلاب بكرت في التجمع امام المتحف حيث افترش هؤلاء ادراجه ومحيطه، مرددين الهتافات وسط اجراءات امنية للجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي. ومن امام مدرسة الحكمة في الاشرفية انطلق ظهرآً مئات الطلاب نحو المتحف رافعين الاعلام اللبنانية والحزبية، وسط حراسة مشددة للقوى الامنية التي انتشرت على الطرق والساحات القريبة من المكان وعملت على تنظيم السير.
ورفع المتظاهرون شعارات دعت الى «عدم وجود اي جيش غير الجيش اللبناني على الاراضي اللبنانية». ورفع بعض المتظاهرين اعلاما تحمل شعار محطة تلفزيون الـ «ام. تي. في» الذي كان ابرز اصوات المعارضة، وقد اقفل منذ اعوام بقرار قضائي. وقد انضمت الى المظاهرة المنطلقة من الحكمة مجموعات اخرى من الجامعة اليسوعية. كما انضمت اليها مجموعات تابعة للحزب التقدمي الاشتراكي ومنظمة الشباب التقدمي وحركة «الشعب» و«اليسار الديمقراطي» انطلقت من ساحة الشهداء نحو المتحف. كما انطلق طلاب آخرون من كلية الحقوق في جل الديب، والجامعة اللبنانية ـ الاميركية في جبيل، جامعة سيدة اللويزة في زوق مصبح ومهنية الدكوانة، وثانويتي الاخطل الصغير والرسمية في الجديدة (جبل لبنان). وانطلق طلاب من مبنى كلية ادارة الاعمال في الجامعة اللبنانية في كرم الزيتون في بيروت، كما توجه طلاب فروع الجامعة اليسوعية كلية الحقوق فيها حيث تجمعوا قبل الانطلاق الى المتحف.
وذكر ان القوى الامنية المنتشرة في محيط فندق متروبوليتان في سن الفيل منعت اعداداً من الطلاب من التوجه الى المتحف فعملوا على الانتقال سيرا على الاقدام عبر الاراضي الزراعية.
ورأى مسؤول الاعلام في التيار الوطني الحر، الياس الزغبي، ان هذه المظاهرة السلمية التي دعا اليها التيار الوطني الحر والقوى المعارضة الاخرى «فرضت ايقاعها السلمي منذ ثماني واربعين ساعة وليس في لحظة تنفيذها ظهر اليوم (امس)، والدليل هو حال الارتباك التي ظهرت في صفوف المسؤولين الامنيين عن هذه المسألة، وتراجعهم عن تهديداتهم السابقة. وقوبل هذا التراجع بتفهم من قبل الادارات المتنوعة للمظاهرة والمكلفة من قبل الاحزاب والقوى المعارضة»، مشيرا الى «محاولات اخيرة اثناء التنفيذ قبل الظهر وبعده لمنع الوفود الغفيرة من الطلاب والاهالي المتدفقة من المناطق كافة (...)، لكن كل هذه التدابير لم تحل دون احتشاد عدد كبير جدا من الطلاب واهاليهم ومن الفاعليات الحزبية في قوى المعارضة. والأهم في كل ما جرى هو ان رقعة المعارضة ديموغرافيا وجغرافيا أكدت اتساعها».
وأصدرت وكالة داخلية الشوف (جبل لبنان) في الحزب التقدمي الاشتراكي بياناً قالت فيه: «فوجئ المواطنون في الشوف اليوم بحواجز امنية غير عادية اثناء ذهابهم الى اعمالهم وتسببت بتحويل الطرقات الرئيسية الى سجون لعابريها. واذ تبين في ما بعد ان هذا الاحتجاز كان لعدم تمكين الشباب من المشاركة في الاعتصام الذي جرت الدعوة اليه في بيروت، فإننا اذ ندين هذه الاجراءات والممارسات التي تستهدف الناس ومصالحهم والحؤول دون تمكنهم من التعبير عن آرائهم
ورفض الرئيس السابق للجمهورية اللبنانية امين الجميل ربط المظاهرات بالقرار 1559، مشيرا الى ان «الطلاب في كل سنة على عيد الاستقلال يتظاهرون ولم يكن القرار قد صدر». وقال: «هذا تقليد، الشباب يتظاهرون على عيد الاستقلال من اجل التعبير عن تمسكهم بهذا البلد وباستقلاله. اذا كان الاحتفال باستقلال الوطن وسيادته خطيئة فهذا شيء لا نقبله. هذا التعبير شرعي وطبيعي، ويجب ان تشجعه الدولة احتفالا بعيد الاستقلال اذا كان هذا العيد يعني لنا شيئا». داعيا الدولة الى «استيعاب هذه المظاهرة العفوية، السلمية الديمقراطية، بدلا من ان تقمعها».
ورد الجميل اصرار المعارضين على عدم طلب الترخيص الى ان هذا «تقليد في عيد الاستقلال»، وقال: «في كل سنة تحصل هذه المظاهرة. وانا اعتبرها شرعية ولا اعتقد ان من قاموا بمظاهرة في عنجر منذ اسابيع اخذوا رخصة ولا اعتقد ان الكثير من المظاهرات التي تحصل في بعض المناطق عندها رخصة».
اما النائب نجيب ميقاتي فقد سجل لـ (حليفه) وزير الداخلية سليمان فرنجية «تعاطيه مع مسألة التظاهر بالحكمة والموضوعية، والتزام القانون في موازاة مراعاة التوجهات الشبابية التي تحركها الشعارات».
ورأى ميقاتي في ذلك «تصرفا سليما مطلوبا حيث الحاجة ماسة الى الحزم بغير قسوة، بما يؤسس لنهج ديمقراطي غير مسبوق في لبنان، ويفتح باب الحوار بين الرأي والرأي الآخر