نصّ المحاضرة التي ألقاها العماد ميشال عون في المتحف المركزي للقوات المسلحة الروسية في موسكو بحضور رجال أعمال من الجاليات العربية ومستشرقين روس وإعلاميين. القضية الفلسطينية
أزمة الشرق الأوسط المستمرة
16/4/2009 أيها السيدات والسادة
ذكرياتي الأولى في الحياة تعود إلى اللحظات الأولى التي تبدأ فيها الذاكرة بتسجيل بعض الأسماء والصور الضبابية وكانت عن الحرب العالمية الثانية، أسماء يتناقلها أهلنا وجيراننا وصور جنود ينتقلون من بيروت باتجاه الجنوب على الطريق المحاذية لمنزلنا وطائرات تحلق فوقنا وتقصف اهدافاً وتشعل حرائق وأخبار المعارك وتطورها على جميع الجبهات تملأ أحاديث الناس ليلاً ونهاراً، خوفاً وقلقاً. هكذا بدأت ثقافتنا التاريخية بمشاهد الحرب وبحفظ اسماء ستالين وهتلر وتشرشل وروزفلت وديغول وبيتان واسماء كبار العسكريين، وكأولاد، ولو لم تكن الحرب في بيوتنا وعشنا مآسيها وبعض نتائجها، لاعتقدنا، بأنها مباراة رياضية.
نال لبنان استقلاله أبّان الحرب العالمية الثانية في العام 1943، وتم جلاء القوات الأجنبية عن أراضيه في العام 1945.
لم يهنأ اللبنانيون باستقلالهم طويلاً، فلم تمض ثلاث سنوات حتى اتخذت الأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين في العام 1948 واندلعت إثرها الصدامات المسلحة بين العرب واليهود، وكانت المنظمات اليهودية اكثر تنظيماً وتدريباً في ظل الدولة البريطانية المنتدبة فقامت بحرب تطهير عرقي، ارتكبت خلالها المجازر وأرهبت السكان. وتحت ضغط الإرهاب الإسرائيلي وتواطؤ بعض الدول بدأت مأساة الشعب الفلسطيني باللجوء إلى الدول المجاورة، فكان للبنان القسم الأوفر من اللاجئين.
كانت حرب التقسيم في العام 1948 الحرب الأولى بين العرب وإسرائيل، انتهت بهدنة 1949، على أمل الوصول إلى حل سلمي، ولكن هذه الهدنة لم تمهد للسلام، إنما تحولت إلى مرحلة تحضير لسلسلة من الحروب، وكانت حرب السويس في العام 1956 وحرب الأيام الستة في العام 1967 ثم حرب العبور في تشرين الأول من العام 1973 التي أعادت للجيوش العربية بعضاً من اعتبارها.
مع هزيمة الجيوش العربية أمام الجيش الإسرائيلي في العام 1967 تصاعد عمل المقاومة الفلسطينية في العالم وكانت إسرائيل ترد بعمليات ثأرية ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين والمؤسسات اللبنانية مما اشعل الحدود اللبنانية الإسرائيلية وقوّض الإستقرار في الداخل اللبناني وحصلت سلسلة من الصدامات بين المقاومة الفلسطينية والجيش اللبناني فتداخلت المشاكل الداخلية مع المشاكل الخارجية، وهذا ما استجّر دخول القوات السورية إلى لبنان في العام 1976.
هدأت الأوضاع نسبياً في لبنان بعد الدخول السوري، ولكن الجنوب بقي متوتراً بسبب وجود الفدائيين الفلسطينيين على الحدود مع إسرائيل وردود الفعل الإسرائيلية على هذا الوجود إلى أن اجتاحت إسرائيل الجنوب اللبناني واحتلت ما يسمّى بالشريط الحدودي في العام 1978، وصدر بشأنه عن مجلس الأمن القرار 425 الذي يلزم إسرائيل بالانسحاب من دون قيد أو شرط من الأراضي اللبنانية التي احتلتها.
ولم يحصّن هذا الاحتلال أمن إسرائيل، بل زاده خللاً وقلقاً، عندها قامت قوّاتها باجتياح لبنان في شهر حزيران من العام 1982 ووصلت فيه الى العاصمة بيروت، ووقعت خلاله مجزرة المخيمات الفلسطينية في الخامس عشر من شهر أيلول من العام نفسه. وصدر عن مجلس الأمن القرار 520 الذي ينص على وجوب انسحاب جميع القوى الغريبة من لبنان.
بعد هذا الاجتياح دخل لبنان في مرحلة جديدة إذ قامت فيه مقاومة لبنانية وكان حزب الله عصبها الأساسي، وبدأت عملها التحريري ضد القوى الإسرائيلية المحتلة لجنوب لبنان وأرغمتها على الانسحاب من الأراضي اللبنانية وفق القرار 425 في 25 أيار من العام 2000 وبقيت مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت الاحتلال حتى الآن. وتخلل هذه المرحلة عمليات حربية كبيرة منها عملية "تصفية الحسابات" في العام 1993، وعملية "عناقيد الغضب" في العام 1996، ومؤخراً حاولت إسرائيل حرباً جديدة على لبنان في شهر تموز من العام 2006، حيث منيت بهزيمة لا تزال تعاني من أثارها. أما آخر الحروب الإسرائيلية في الشرق الأوسط فكانت حرب غزة حيث لم تتمكن إسرائيل من الحسم.
بعد حرب الأيام الستة في العام 1967 حافظت إسرائيل على سيطرتها العسكرية ولم تستطع أي قوة عربية مواجهتها بالرغم من التعادل في حرب العام 1973 ولكن مع حرب المقاومة اللبنانية وإجبار القوى الإسرائيلية على الانسحاب من الجنوب اللبناني بدأت معنويات هذه القوات بالتآكل حتى بلغت درجة متدهورة من الانحدار بعد حرب تموز، وتبين ثبوت عجزها في محاولتها اجتياح غزة.
لقد بلغت هذه الأزمة واحداً وستين عاماً ماتت خلالها أجيال وولدت أجيال أخرى وصارت الحال أصعب مما كانت، فبعد أن كانت المواجهة عربية إسرائيلية أصبحت إسرائيلية إسلامية وتصاعدت قوى المقاومة بوجه القوة المتصاعدة الإسرائيلية ولم تستطع تقنيات الأسلحة الجديدة ومواصفاتها تقويض إرادة الفلسطينيين والإسلاميين المناهضين للوجود الإسرائيلي وتغلبت القوى العربية الممانعة على القوى التي أعطت لنفسها صفة "عرب الاعتدال"، وبصورة موجزة يتبين من خطيطة تطور القوة الإسرائيلية أنها بلغت الذروة في العام 1967 وتكافأت ولو شكلاً مع القوى العربية في العام 1973 وبدأت بالانحدار البطيء بعد حرب اجتياح لبنان في العام 1982 وعرفت أولى هزائمها الفعلية في العام 2000 حين أجبرت على الانسحاب من لبنان تحت ضربات المقاومة، ثم في حرب تموز من العام 2006 في لبنان حين لم تستطع قواتها التوغل في أي معركة برية في مواجهاتها مع حزب الله، واخيراً في حرب غزة في العام 2008 – 2009 حيث لم تتمكن من حسم المعركة لمصلحتها بالرغم من هزال قوى حماس بالنسبة لضخامة القوى الإسرائيلية التي استعملت جميع الأسلحة المشروعة وغير المشروعة.
وبعد حربي لبنان وغزة أصبحت مشروعية الأنظمة العربية مرتبطة بدعمها للقضية الفلسطينية كما أنها أصبحت المدخل لمشروعية الدول الإسلامية، هكذا كانت إيران وهكذا أصبحت تركيا.
بعد هذا العرض الموجز لتاريخ الأزمة الطويل الذي لم يرسم لها أفقاً للحل، علينا أن نعيد النظر بأسباب الفشل المتراكمة منذ تقسيم فلسطين ولغاية اليوم، ولا شك أننا سنجد السبل التي توصلنا الى إنهاء الأزمة إذا ما توفرت الإرادات والنوايا لاحترام مبادئ الحق والعدالة، وأعطيت الأولوية لحل قضية اللاجئ الفلسطيني قبل البحث في قضية أرضه، فالأرض لا تعترض على الحلول ولكن الانسان هو الذي يعترض إذا ما أصيب بحقوقه الأساسية، وهو الذي يحرر الأرض وليست الأرض هي من يحرره.
لذلك لا يمكن مقاربة الحلول النهائية قبل حل قضية اللاجئين ويجب أن تكون لها الأولوية المطلقة.
يبقى أن تتحمل دول الأمم المتحدة التي صوتت على قرار تقسيم فلسطين مسؤولية الحل وأعبائه.
إن لبنان، الذي يشكل الفلسطينيون فيه 12% من عديد سكانه، والذي بلغت كثافته السكانية 400 في الكيلومتر المربع الواحد، وهي من النسب الأعلى في العالم (المرتبة السادسة)، هو من أقل الدول العربية موارد ومساحةًً وأكثرهم كثافة سكانية، ويسعى الى تحقيق التوازن منذ قرون عبر هجرة أبنائه الى الخارج، وقد زادته الأزمات الاقتصادية المتواصلة تهجيراً بحيث بلغ عدد اللبنانيين المنتشرين في العالم ما يقارب الستة عشر مليوناً بينما عدد اللبنانيين المقيمين في لبنان بالكاد يلامس الأربعة ملايين، من هنا فإن لبنان هو بلد هجرة وليس بلد استيطان ولا يحتمل استيعاب أي فائض بشري.
وبسبب ذلك لم يعرف الاستقرار منذ نهاية حرب الايام الستة في العام 1967 حتى اليوم، وكل ما عانيناه من حروب ومآسٍ كانت بسبب الأزمة الإسرائيلية –الفلسطينية وتهرّب العالم من تحمّل مسؤولية حلّها بينما هو المسؤول عن حدوثها.
من هنا تصورنا بأن الديبلوماسية العالمية هي سلسة من الجرائم، فتصحيح جريمة وقعت على شعب ما يكون بجريمة أخرى تقع على شعب آخر، من هنا أرادوا التعويض للشعب اليهودي عما حصل له أبان الحرب العالمية الثانية على حساب الشعب الفلسطيني ثم التعويض للشعب الفلسطيني على حساب الشعب اللبناني.
لذلك، نحن نصارع اليوم من أجل حل يرتضيه الشعب الفلسطيني ولا يكون على حساب لبنان بل يتحمل عبئه المجتمع الدولي الذي أوجد الأزمة في بدايتها