ما نعانيه اليوم هو تراكم لأعمال الحكومات المتعاقبة
العماد عون في العشاء السنوي لهيئة المهندسين: رسمنا الطريق نحو الجمهورية الثالثة
كلمة العماد ميشال عون في العشاء السنوي الذي تنظمه -
هيئة المهندسين في التيار الوطني الحر -
أوتيل الرويال - الضبية .
tayyar.org
07/03/2009
مواطني الإعزاء
تتكرّر المناسبات والظروف واحدة والأجواء نفسها، إنتخابات، أحياناً تكون مهنية نقابية، وأحياناً أخرى تكون سياسية نيابية. وسواء كان الإستحقاق يتعلّق بممارسة حياتنا المهنية أو بممارسة حياتنا الوطنية، فعلينا دائماً أن ندرك أن الخيارات الصحيحة في مثل هذه الحالات تكون نتيجة وعينا لما نريد، فننتقي الأفضل على ضوء تجربتنا مع الواقع الذي نعيشه وصدقيّة العاملين فيه.
ولمّا كانت الحياة العامة بحسناتها وسيئاتها حالة مستمرة، ولما كنّا مدعوين كل أربع سنوات، لانتقاء من يمثّلنا في إدارتها، فإنّ أي خيار نقوم به يجب أن يكون انطلاقاً ممّا هو كائن نحو ما يجب أن يكون.
فما هو واقعنا اليوم وما هي صدقية العاملين فيه وما هو الكائن وكيف نسعى نحو ما يجب أن يكون، تلك هي الأسئلة المفتاح التي بالإجابة عليها نرسم طريقنا نحو مجتمعٍ أفضل.
والسؤال الأول الذي نطرحه على أنفسنا ما هو واقعنا اليوم على مختلف الصعد؟ وهل يوفر لنا سلّم الحاجات الأساسية؟ وعلى مسؤولية من قام هذا الواقع الأليم؟
لا شكّ أن ما نعانيه اليوم هو تراكم لأعمال الحكومات المتعاقبة منذ العام 1992، وقد بدأ تحديداً بالتلاعب بسوق العملات والإقتراض بفوائد عالية وفرض الضرائب، وهكذا ضُربت القطاعات المنتجة وتحوّل لبنان إلى سوقٍ استهلاكية ومجتمع مالي ريعي، فاختفت الطبقة الوسطى وزاد الفقر والبطالة، وبدلاً من تصدير إنتاجنا أصبحنا نصدّر أولادنا، وبلغت المديونيّة حدود ال50 مليار دولار، أي ما يعادل ال17 الف دولار ديناً على كل لبناني مقيم في أرضه، سواء كان شيخاً أو رضيعاً.
وفرضت الحاجة على اللبنانيين بيع أراضيهم في ظلِ قانون يفتقد إلى الضوابط الحقيقية، وبالرغم من كل ذلك فإن الضوابط القليلة الموضوعة فيه لم تُحترم في إجازات البيع. لذلك، شددنا العربة إلى الوراء في مجلس الوزراء وأوقفنا التجاوزات بانتظار إقرار قانون جديد أعددناه وقدّمناه إلى مجلس النواب. هذا القانون يضبط تملك الأجانب في لبنان ويساعد على الاستثمار، ويعطي اللبناني حقاً مماثلاًً في بلاد المتملكين.
كلّنا نعرف أن الوطن هو توأمة بين أرضٍ وشعب، وهنا أريد أن أسأل عمّا يبقى منه إذا ما هجّرنا شعبه أو بعنا أرضه؟ إن فكّ التوأمة بين الأرض والشعب يضع الإثنين على طريق الزوال، وهذا أخطر ما يمكن أن نواجهه في هذه الحقبة.
ومع هذه الأخطار الأساسية التي تداهمنا، هناك نوع آخر من الأخطار متأتٍ من أداءٍ حكومي ونيابي خلال أربع ولايات نيابية متتالية رسّخت الفساد في بنية الدولة وخلقت تواطؤاً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فلا التنفيذية تحترم القوانين والدستور، ولا التشريعية تراقب وتحاسب، وجلّ ما نستطيع فعله هو الاعتراض غير المشفوع بأي عمل جدّي يُحمّل مسؤوليةً للمخالفين والمرتكبين.
ونتساءل، إلى متى نصبر على افتقادنا الحاجات الأساسية للحياة ونخصّ منها الماء والكهرباء؟ وهل صبرنا على الإهمال المزمن لتأمين هذه الحاجات ما زال فضيلة أم صار خنوعاً وتنازلاً عن حقوق ٍبديهية؟ وبخاصة أن الجميع أقرّوا، في مراحل سابقة، بهدر الأموال المخصّصة لمؤسسة كهرباء لبنان وسوء إدارتها، ومع هذا كلّه ما زالت الحكومة محافظةً على نهجها السيء، في هذا المرفق، وعلى دورها في إنتاج الظلمة وإدارة توزيعها بدلاً من إنتاج النور وتوفيره للجميع.
وبالعودة إلى موضوع الماء الذي جعل الله منه كل شيءٍ حي، فإننا نخشى أن يصبح، إذا ما استمرّت الحال على ما هي عليه، سبباً في قتل كل شيءٍ حي بسبب الإنقطاع والتلوث، وكلّها أمور أصبحت معالجتها أكثر إلحاحاً، ويجب إيقاف تطورها السيء في أقصى سرعة ممكنة، وهي أصلاً لم تصل إلى هذه الدرجة من الخطورة لو كان لنا حكم يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة ويحمي الحياة والبيئة.
إنّ المياه هي "الذهب الأخضر" في الشرق الأوسط، وقد منحتها الطبيعة بوفرة إلى لبنان؛ فمياهه الجوفية والسطحية، وينابيعه، تشكل ثروة طبيعية طائلة تتجدّد كل عام. لذلك، يتوجب علينا تخزينها وتنظيم توزيعها واستهلاكها، فالمياه السطحية تهدر في البحر، والإسراف في استنفاد المياه الجوفية يهدّد بجفاف الينابيع. لذلك، أصبح ملحاً وضع قواعد لاستعمال مختلف الموارد المائية، فيؤمّن الاستهلاك من المياه السطحية فقط ويمنع استعمال المياه الجوفية إلا في حالات الجفاف الملّحة.
فهل يجوز أن نفتقد الماء في الحنفية صبيحة كل يوم ونطلب النجدة من صهريج الحي؟
وهل يجوز دفع ثلاث فواتير ثمناً للمياه: واحدة لمياه الشرب والثانية لمصلحة المياه والثالثة لصاحب الصهريج؟
وهل يجوز أن تدفع كل عائلة فاتورتي كهرباء، واحدة لمصلحة كهرباء لبنان والأخرى لصاحب المولّد الكهربائي في الحي؟
وبالإضافة إلى تراكم الديون، وزيادة الضرائب، والنقص في تلبية الحاجات البدائية للمواطن سجّلت القوى الحاكمة فشلاً ذريعاً وخطيراً بإدارة الأزمات الداخلية والخارجية فزادتها تعقيداً، وأخذتها جميعها باتجاه التصادم وتقويض الإستقرار؛ فبعد خروج القوات السورية من لبنان انتقلت الوصاية إلى عواصم أخرى، والحكم التبعي بقي تبعياً لأن الذين مارسوه لم يكونوا يوماً من الإستقلاليين ولن يكونوا أبداً، "فلكل امرئٍ من دهره ما تعودا".
لقد كانت مظاهرات الرابع عشر من آذار من أروع تجليات الوحدة الوطنية، ومناسبة فريدة عبّر فيها المواطنون عن رغبتهم في التغيير وتأسيس جمهورية حديثة حلموا بها طويلاً، ولكن القصور في فهم المرحلة، والمصالح الفئوية لقوى البريستول، أطاحت بجميع الأماني السليمة التي عبّر عنها الشعب اللبناني، وأفادت هذه القوى من شعور التعاطف معها نتيجة اغتيال الرئيس الحريري للثأر من منافسيها السياسيين، ولمحاولة تصفية المعارضين الحقيقيين. والأكثر غرابة أن القوى الحاكمة تصرّفت في لبنان كقوى مستعمرة، معتمدةً سياسة "فرِّق تسد" وحاربت التفاهمات بين مكوّنات المجتمع الللبناني، فانقضّت على تفاهم التيار الوطني الحر مع حزب الله محاولةً تهديم التقارب الطبيعي الذي أنقذ الوحدة الوطنية وحافظ على الاستقرار والهدوء في أشرس حرب شنّتها إسرائيل على لبنان. وبالرغم من ذلك فإن بنود التفاهم بأغلبيتها اعتُمدت، فالبند الأول والمتعلّق باعتماد الحوار وسيلة لحل الخلافات اعتُمد، وطاولة الحوار خير تجسيد لذلك، كما اعتُمد قانونٌ انتخابي جديد، وأُمِّن حق الاقتراع للمقيمين خارج لبنان، كما أُقِر الحل بالنسبة للسلاح الفلسطيني والعلاقات مع سوريا، أما إقرار الاستراتيجية الدفاعية فما زال قيد البحث.
وبعد أن عجزت قوى 14 شباط عن تأليب الرأي العام ضد رئيس الجمهورية على الرغم من تحريض البعثات الديبلوماسية، قامت هذه القوى الحاكمة، وبغية المحافظة على السلطة، بتسعير الشعور المذهبي للدفاع عن نفسها، بجعل كل انتقاد لرئيس الحكومة انتقاداً للطائفة السنية، وسمعنا تصاريح لم نألفها حتى في أحلك الأيام، بعد أن كنا قد تخطينا هذه العوائق المذهبية في سلوكنا وخطابنا، وذلك حفاظاً على وجودنا وكياننا اللبنانيين.
أما في ما يتعلق بالسياسة الخارجية فلم تكن أكثر حكمة وواقعية، وقد ظنّ بعض الحكم أنه صار بحجم الدول التي تدعمه، فشن حروب تغيير على الجوار، وكدنا ندفع بسبب هذه الأخطاء الجسيمة ثمن خلاف الآخرين بإقحامنا في حرب ليست لنا، وفي مواقف لا تصب في مصلحة لبنان.
واليوم، وبعد أن فشلت جميع خياراتهم السياسية، وبعد أن أغرقوا البلاد بالديون وحرموها من التنمية، ماذا بقي للبنان سوى نذر يسير من إعمار كلفّنا أضعاف أضعاف قيمته الحقيقية، ورواسب تعصب مذهبي نأمل إزالته قريباً.
هذا بعض من الفشل الضخم للحكم وتراكم الأخطاء، وعلينا أن نختار بين إكمال هذا المسار الانحداري وبيع لبنان في المزاد العلني في وقت ليس ببعيد، وبين أن نعتمد التغيير والإصلاح لنبدأ مسيرة صعودية من الهاوية التي نقبع فيها.
لقد رسمنا الطريق نحو الجمهورية الثالثة وطريقها التغيير والاصلاح.
عشتم وعاش لبنان