مقتطفات من أحاديث صحفيَّة أجريت مع الجنرال ميشال عون بين 1994 و 2000
Tayyar.org
30/11/2008
عشية الزيارة التاريخيَّة التي سيقوم بها دولة الرئيس العماد ميشال عون الى الجمهورية العربية السوريَّة، وما لتلك الزيارة من أبعاد في وجدان اللبنانيّين والسوريّين، وما سيكون لها من أصداء إيجابية على المستويين الإقليمي والدولي، ولا سيما في العالمين العربي والإسلامي، وما ستتركه، بصورة خاصة، في نفوس المسيحيّين في هذا المشرق من رجاء، في مرحلة من أدقِّ المراحل التي تستفحل فيها نزاعات وحروب في غير مكان، من بلاد الرافدين الى فلسطين ولبنان؛
عشيَّة تلك الزيارة التي يقوم بها زعيم وطني لبناني كبير، خبِر الحرب يوم كانت الحرب دفاعاً عن لبنان السيادة والحرية والإستقلال، وإسترجاعاً لمرافق دولة مزقتها براثن الميليشيات المتناحرة على مدى خمس عشرة سنة، ليدرك أن الحوار والتفاهم والصداقة، إنما هي في رأس سلم القيم الذي يتعين علينا أن نقتدي به؛
عشيَّة الزيارة التي يقوم بها رجل دولة زاوج بين السياسة والأخلاق في مسيرته، فتصالح مع نفسه ومع الآخرين، وأيقن أن الصداقة بين الشعوب هي القاعدة، والسلام العادل بين الدول هو الغاية؛
وحرصاً منا على إبراز المواقف الوطنية التي اعتمدها الجنرال ميشال عون، ولا يزال، طوال ربع قرن من الزمن، ومبدئيَّته في التعامل مع المشكلات كافة، ولا سيما في موضوع العلاقة مع سوريا، وثباته في الأسس والمنطلقات؛
نضع في عهدة وسائل الإعلام كافة، مقتطفات من أهم ثلاث مقابلات أجرتها صحيفة المحرِّر نيوز مع الجنرال خلال فترة المنفى، بين الثالث من كانون الثاني (يناير) 1994 والخامس عشر من أيلول (سبتمبر) 2000
* *
مقتطفات من الحديث الأول
3 كانون الثاني (يناير)1994
س. موضوعنا الأساسي هو لبنان، وأسئلتنا هي عن السلام، كيف ترى لبنان غداً إذا تحقق السلام وأظلّ سوريا، هل سينعكس على لبنان سلباً أو إيجاباً؟
ج. السلام بحدّ ذاته لا يكون إلا إيجابياً ولكل شعوب المنطقة، ولكن تحديات السلام ستكون غير تحديات ما قبله، إنها شيء مختلف تماماً عن تحديات الحرب. تحديات الحرب تتمثّل في ما يستطيع أن يوقعه كل طرف بالآخر من خراب وتدمير، تحديات السلام هي بقدر ما يستطيع كل طرف أن يبني ذاته وأن يطوّر وطنه ومجتمعه. نقيضان هما السلام والحرب وتحدياتهما. من هنا فإن السلام بحد ذاته إيجابي بالمطلق، ولكي نستحق السلام يجب أن نكون في مستوى التحديات التي يطرحها علينا. عندها يكون السلام تنافساً مع الآخرين في ما يستطيع أن يعطي كل منا لمجتمعه من تقدم حقيقي، وبناء أفضل
س. هل يعتقد العماد عون أن السلام، إذا ما تحقق سيعيد لبنان كما كان، أم هو سيكون على حسابه؟
ج. لا يمكن فصل لبنان عن المنطقة، عن جواره وإخوانه، لذلك أقول إنه لا يمكن فصل الإنسان اللبناني عن الإنسان العربي بعد السلام (...) وسيكون لبنان الذي نريد ونطمح إلى بنائه، النموذج القادم للأنظمة الجديدة. فلقد نما فيه من قبل الفكر الديمقراطي، وتجذّرت الحرية ومعها حق الاختلاف عن الغير
لست أدّعي أن لبنان قد بلغ، في مرحلة ما قبل السقوط، منتهى ما نصبو إليه وما تصبو إليه شعوب المنطقة، كان ينقصنا الكثير أيضاً، غير أننا كنّا نسير على الطريق وفي بداياته، حين ضُربنا. ولكن تلك النويّات من الحرية والحداثة والديمقراطية لم تمت وما زلنا قادرين على البدء من نقطة التقدّم التي بلغناها وسنكون الأعرق والأقدر على بناء الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان وتسيّر أحداث العالم من حولنا في اتجاهها
إنهم يتحدّثون كثيراً في الغرب عن الشرق الأوسط، عن الحاجة إلى الديمقراطية فيه، وعن مشكلة الأقليات والأكثرية، ولكنني أرى أن المشكلة هي ذاتها وواحدة، فلو ساد احترام حقوق الإنسان في المنطقة لما تحدث أحد عن مشكلة أقلية ومشكلة أكثرية. ولقد أذهب أكثر فأقول إن الأكثرية نفسها تفتقد الحقوق والحرية، فكيف بالأقلية والأقليات؟
س. ولكن ألا تعتقد أن هناك أقلية أو أقليات تتطلّع إلى الخارج وتنفصل عن محيطها؟
ج. لا، المشكلة ليست هنا ولا بهذا الشكل، كل ما في الأمر أن بعض تلك الأقليات سبق لها الارتباط ببلدان سبقت في تطبيق شرعة حقوق الإنسان، وحصل في بعض مراحل التاريخ أن تلقّت تأييداً معنوياً، وربما الحماية الجزئية، بخاصة خلال القرن التاسع عشر، إلا أن التطور أخذ في طريقه كثيراً من ذلك التاريخ، فأنا كمسيحي أعتبر نفسي شرقياً لا غربياً، ولا يغيّر من هذه الحقيقة أن أكون قد درست اللغة الفرنسية، إنني جزء من الحضارة المتوسطية التي تعاقبت فصولاً ومراحل على المنطقة، من الأمبراطوريات القديمة إلى المرحلة العربية، ولقد كان لبنان في قلب ذلك التطور الكبير، درس وتعلّم وعلّم بكل لغات تلك المراحل وتاريخها، نحن لسنا في لبنان معبراً ولا جسراً، نحن صيغة حياة يمكن أن أطلق عليها: "عقل لشرق وقلب لغرب"، فالغربي المادي يجد في لبنان بعض ما ينقصه من روح يفتقدها، والمشرقي الروحاني يجد في لبنان بعض ما ينقصه من واقعية، إنه الحالة التي تجمع مناخي الروح والمادة في وقت معاً.
من هنا أعتقد أن مرحلة السلام ستكون تحدياً حقيقياً لكل الذين يعيشون على أرض المنطقة، وإذا أردتني أن أحدد، أقول بوضوح: أرجو من الجميع أن يعيدوا النظر في التاريخ وفي بعض المسلّمات، فالصليب ليس أداة سياسية ولا نريد صليبيات، والعرب مع احترامنا لهم ولحضارتهم، ليسوا أفضل الناس، ولا هي إسرائيل أو الشعب اليهودي هو شعب الله المختار، كل الشعوب هي شعوب الله، وكل من يعمل الخير، ويحافظ على ما أوصى به الله هو من أبناء الله المخلصين، فلا خاص ولا عام، لقد وقفت تلك النظريات والقناعات حواجز بين الشعوب عبر التاريخ وقد آن لها أن تسقط لتعود جميعاً إلى إنسانية الإنسان الحقيقية، وإلى ارتباط الإنسان، كل إنسان بالله. الدعوة الدينية ليست خاصة، نكفر إذا نحن اعتقدنا أن الله لفريق دون فريق. الله للجميع، وهو خالق الجميع، لا يملك أن يحدّه أحد، ولا أن ينفرد به أحد، ولكل طريقه إليه، بشرط أن يلتزم به صدقاً
المسيحية مثلاً هي رسالة محبة وشهادة للحق، ولا تستطيع الخروج عن هذا الإطار، حتى وإن حدث أن حمل الصليب بعضهم وحارب تحت شعاره، فالله الذي زعموا أنهم ينصرونه ليس هو الله الذي يؤمن به المسيحي. إنه تشويه الإيمان بالسياسة، وكذلك الأمر عند بعض المسلمين الذين شوّهوا الإسلام بالسياسة أيضاً. الإسلام الذي نعرف ونحب هو الإسلام الصافي كالماء المقطّر لا تشوبه الشوائب، والذي حدث هو أن الإسلام السياسي كثيراً ما أخذ من الإسلام الديني لتبرير مصلحته، تماماً مثلما حمل الصليبي القديم صليبه لتبرير مصلحته. فكثيراً ما استُخدم الدين من أجل السياسة، وهنا يتم الخلط بين ما هو لله وما هو للدنيا فيسيء للدين بعض أهله
س. هل تعتقد أن السلام القادم سيعيد صياغة العلاقات السورية – اللبنانية؟
ج. بالتأكيد، الشرق الأوسط كله يمر في مرحلة تغيير، لا شيء سيبقى على حاله، ما نتطلّع إليه هو إقامة هذا "الجديد" القادم على أسس أفضل وأقوى.
لنفترض، مجرد افتراض، أن سوريا امتصّت لبنان كله واندمج بها على هذا النحو أو ذاك وصار سوريا، فهل ستحل المشكلة؟ أبداً، جوهر المشكلة سيبقى، وهو البحث عن الحرية. وبدل أن يفتقدها اللبناني وحده سيجد السوري معه في الخندق نفسه يبحثان معاً عنها، والوحدة أو اللاوحدة، وجود لبنان أو عدم وجوده لا يحلان مشكلة الإنسان وحاجته إلى "الأمنين" المادي والمعنوي. لا توجد حدود ما بين الأنظمة حين يتعلّق الأمر بالحرية. الحدود الحالية في المنطقة هي حدود الأنظمة، حدود حمايتها، لا حدود حماية المواطن، كلنا نتطلّع إلى وطن حر، بل وإلى وطن أكبر، ولكن بأية شروط؟
إن ما يمنع هذا هو الأنظمة التي لا توفّر الحماية للإنسان، سواء في رزقه أو أمنه، أو حريته السياسية. من أجل مثل هذا الحلم الكبير لا بد من أن ينتقل كل شعب من شعوب المنطقة إلى مرحلة الحرية والديمقراطية، وأن يمارسهما. وانطلاقاً من الحرية والديمقراطية تقيّم الشعوب تجربتها الوحدوية، ذلك هو الطريق، والوحدة ضرورية لأن هناك تشابكاً في العلاقات والمصالح... ولكن..
س. هل أفهم من كلامك أنك لست ضد علاقة متميزة مع سوريا من ضمن شرط الديمقراطية؟
ج. لا، بالقطع لا، ثمة فوارق في التقاليد والعادات ودرجة التطور ولكنها لا تعوق ولا تمنع، ثمة شيء لا أقبل نقاشاً فيه وهو موضوع السيادة، أي ممارسة السلطة اللبنانية على الأرض اللبنانية. أنا أعرف أن الاستقلال في كل بلاد العالم، بما فيها الكبيرة، نسبي، السيادة تعني أن تأخذ قرارك مستقلاً، غير أنك لا تستطيع وأنت تمارس هذا الاستقلال في اتخاذ القرار إلا أن تأخذ بعين الاعتبار المصالح الحيوية للآخرين ووجودهم، ولكنك تأخذ هذا الاعتبار بإرادتك ومستقلاً عن غيرك، وفي إطار احترامك لنفسك ولشعبك. إنه قرار ذاتي تفرضه المصالح المشتركة، ولا يفرضه عليك الآخرون بالقوة. لا يوجد استقلال بالمطلق، فإلى جوارك دول موجودة ذات مصالح، ولا أستطيع أن أتجاوز بقراري حدودي إلى ما يؤذيهم أو يمسّ مصالحهم.
س. إذاً لبنان معادٍ لسوريا غير مقبول؟
ج. بالطبع غير مقبول، وقد قلت مرة في تونس: لا يحكم لبنان من دمشق ولا يحكم من بيروت ضد دمشق
س. من ضمن الوضع القائم، هل تعتقد أن من الممكن الخروج بصيغة مقبولة للعلاقات السورية – اللبنانية؟ صيغة تضع أسساُ دائمة وطويلة المدى للبلدين الشقيقين؟
ج. ليس أسهل من هذا ولا أقرب
س. كيف؟
ج. بمجرد أن تقرّ سوريا أن لبنان موجود. ما نريده من سوريا هو أن تحدد ما تريده من لبنان، إذا كان الموضوع موضوع أمنها فمن واجبنا أن نمنع ما يمسّ هذا الأمن من الأرض اللبنانية، منطلقاً أو معبراً، هذا المنع نمارسه نحن. أما عن المصالح الاقتصادية التي يتمم بعضها بعضاً فنرحب بكل ما يحمي هذه المصالح ويعززها، ونضعها في اتفاق مشترك. أمران محرمان ولا يمسّان وهما السيادة والاستقلال، ولي ملاحظة هنا، لقد بلغنا سن الرشد ونعرف كيف نمارس الاستقلال، ونعرف أيضاً أننا لا نستطيع، ولا نريد، أن نتخذ قرارات ضد مصالح سوريا
(...)
س. هل تعتقد أن أسباب المشكلة في لبنان، كما في بعض بلدان المنطقة الأخرى، هي مخاوف الأقلية أو الأقليات، من طغيان الأكثرية؟
ج. هذا صحيح تماماً، فلقد مرّت الأقليات بتجارب تاريخية قاسية، تركت آثارها العميقة. وإزالة هذه الآثار بكل رواسبها هي مهمة الأكثرية غير الخائفة والتي تمتلك شرعية كل شيء. ولقد سبق لي أن صارحت الرأي العام في حديث لي سابق، بأن طمأنة مسيحيي الشرق هي مسؤولية عربية – إسلامية (...) مشكلتنا التي لم يتفهمها الكثيرون هي أن خيارنا ليس ضد العرب ولا ضد الإسلام. ولا هو الانعزال، خيارنا هو المحافظة على شخصيتنا، وأن تكون محترمة، ولا مشكلة بعد ذلك
س. سؤال صريح: هل يتحدّث العماد عون كلبناني أو كمسيحي؟
ج. لا أستطيع أن أفصل ما بين مسيحيتي ولبنانيتي ومشرقيتي، فأنا مسيحي لبناني أنتسب لمنطقة الشرق الأوسط
س. هل أنت مسيحي لبناني عربي؟
ج. حدّد لي العروبة أولاً لأجيب
س. بمعنى الانتماء لمنطقة ولغة
ج. بهذا المعنى نعم (...) أما إذا كانت العروبة عرقية فلا، وفي العالم العربي تعيش أعراق شتى، أما إذا كانت عروبة بمدلول عام، فليس ما يمنع من أن نتحدّث عنها، وندير النقاش حولها، ونتفهّمها، ونقرّ بدورها وتاريخها وحضورها
س. يحمل جوابك الكثير من التردد، وربما شيئاً من الخشية
ج. صحيح، ففي أعماقنا خوف، عندنا في لبنان تجربة متقدمة، ومن حولنا أكثرية تشدنا إلى الخلف، هذا ما نخشاه
س. أين هي جذور تلك التجربة التي يخشاها العماد عون معبّراً فيها عن مخاوف فريق من اللبنانيين. أهي في أحداث 1860 أم 1958؟
ج. قبل ذلك، إنها تعود إلى المرحلة العثمانية التي امتلأت بالتعصّب، ولكي يبرّروا استيلاءهم على السلطة، وهم من غير العرب، فقد زادوا من تعصّبهم وغالوا فيه، وحمّلوا الإسلام وزر موقفهم وسياستهم. ولقد حصل لبنان من خلال تلك المراحل التي تعود إلى قرون مضت، على شيء من الكيانية والاستقلالية، ولذا فمن الخطأ القول بأن لبنان خلق في "سايكس بيكو" ووجد من خلال ذلك الاتفاق التاريخي، ما بين إنكلترا وفرنسا
وإذا أردنا أن نكون صادقين، وأن نجد حلولاً جدية لمشكلاتنا وعلاقاتنا، فلا بد من المصارحة، لا بد من القول بأن المسيحي اللبناني يتطلّع إلى التكافؤ، إلى مواطنية يحميها قانون يطبّق على الجميع وبالتساوي
س. هل تؤيد أي صيغة تحمي المسيحي حقوقه ووجوده الحر، وتوفّر له ضمانة الأمن الحقيقي بلا زيادة أو نقصان؟
ج. من المؤكد، وأشدد على موضوع ممارسة الحرية
س. هل تعتقد أن ممارسة الحرية للمسيحي يمكن فصلها في وطن حر عن ممارسة الحرية للمسلم؟
ج. لا، لذا نعود إلى البداية، وإلى أجوبتنا الأولى، ودعني أسألك : هل من الممكن أن أحمي الحرية في لبنان إذا لم تكن موفورة في جواره؟
س. كيف نستطيع أن نلخّص المشكلة من خلال هذا العرض؟
ج. نلخّصها بجملة بسيطة، إننا نواجه ونعاني من مشكلة إنسان بلا حقوق في الشرق الأوسط، ويوم تتوفّر هذه الحرية يسقط الكثير من المخاوف، وتسهل معالجة ما تبقّى في إطار دولة حديثة
س. سؤال قد يكون غريباً: هل تحب دمشق؟
ج. ولوو...! لطالما غنيّت مع سعيد عقل وفيروز "سائليني يا شآم"، بغض النظر عن السياسة والديبلوماسية
أنا عسكري، وطبيعة ثقافتي أن من تحاربه اليوم يجب أن تتفاوض معه غداً، فإذاً لا يوجد شيء ثابت، ولا كراهية عندي، ثمة خصومة سياسية صنعتها الظروف. كل ما أستطيع قوله هو أن يدنا ممدودة للخير، وفي اتجاهه.
س. العماد عون ضابط في الجيش اللبناني، وسواء كان قائداً لهذا الجيش أو لا، وتعرّضت سوريا أو أي بلد عربي للخطر، هل يشارك في الدفاع عنه؟
ج. أشارك فيه بغير تردد، وقد طالما أعطيت التوجيه، كقائد كتيبة، وقائد لواء، وقائد جيش في ما بعد، على الشكل التالي: إذا اختلف اللبنانيون فيما بينهم فأنا مع المعتدى عليه ضد المعتدي، وإذا اختلف لبنان مع الآخرين فأنا مع لبنان ضد الآخرين، وإذا وقع الصراع ما بين العرب وإسرائيل، فنحن مع العرب ضد إسرائيل