advanced search
Contact Us tayyar.org
 
The Orange Room - forum.tayyar.org
 



Notices
FPM Research, Archival & Media Defamation Forums Collaborative Research on Topics Related to Politics, Public Policy and Life, Governments, FPM, All political and social personalities, Historical documents, Elections, Interviews, Government administrational, municipality, political parties, ministerial contacts and resources - Media Defamation publicly, Archive of Media Propaganda against FPM

Reply
 
LinkBack Thread Tools Search this Thread
  (#1 (permalink)) Old
Orange Room Moderator
 
>Watani<'s Avatar
 
Online
Posts: 9,633
Blog Entries: 1
Thanks: 0
Thanked 1,502 Times in 740 Posts
Last Online: 1 Minute Ago
Join Date: Wed Feb 2006
View >Watani<'s Photo Album
Arrow Antoun Saadeh - 21st July 2008

ولد أنطون سعاده في الأول من آذار/ مارس عام 1904 في بلدة الشوير في جبل لبنان . كان والده الدكتور خليل سعاده طبيباً بارعاً مارس مهنته فن لبنان وفلسطين ومصر . وقد كان كذلك لغوياً خبيراً ألّف أول قاموس إنكليزي – عربي ، ومترجماً بارعاً نقل إلى العربية بعض الآثار العلمية والأدبية الغربية ، وروائياً أتقن الكتابة بالعربية كما بالانكليزية . وقد ساهم الدكتور سعاده مع غيره من أعيان جيل النهضة حيثما وُجدوا في العالم العربي وفي المهاجر في إعلاء شأن العلم والأدب والفلسفة الاجتماعية

كانت والدة أنطون سعاده السيدة نايفة نصير أيضاً مواليد الشوير ، لكنها نشأت في الولايات المتحدة حيث هاجرت عائلتها في أواخر القرن التاسع عشر ، وقد سنحت لها الفرصة حيازة الشهادة الثانوية في شيكاغو مما ميزها عن بنات جيلها في الوطن . في زيارة لها إلى لبنان تعرفت إلى الدكتور سعاده وكان زفافهما . وأمضت العائلة معظم أيامها في الشوير بينما كان الدكتور سعاده يعمل في فلسطين ومصر ويمضي فصل الصيف مع عائلته

وفي الشوير نشأ أنطون سعاده في رعاية والدته حتى كان أصيل العقد الأول من القرن العشرين . وانتقلت العائلة إلى مصر حيث دخل أنطون سعاده إلى إحدى مدارس الجالية السورية في القاهرة لسنوات قليلة اضطر بعدها للعودة إلى الوطن في 1913 إثر وفاة والدته . في ذلك العام سافر الدكتور سعاده إلى الأرجنتين بعد أن كان أولاده الكبار ارنست وأرثور وشارلي قي التحقوا بخالهم في الولايات المتحدة لمتابعة علومهم . أما أنطون وأخوته الثلاثة الصغار سليم وإدوارد وغريس (عايدة) فعادوا إلى الشوير تحت رعاية جدتهم لأبيهم وأحد أعمامهم ، على أن تجتمع العائلة فيما بعد .
لكن الحرب العالمية الأولى دهمت العائلة وهي مشتتة بين القارات وانقطعت المواصلات المباشرة بين أنطون سعاده وأبيه وسرعان ما تتابعت الويلات على الفتى أنطون بوفاة جدته وعمه ثم بمرض أخته الصغرى . وكان على ابن العاشرة أن يتدبر وحيداً أمره وأمر إخوته الذين في عهدته . ومع اشتداد المجاعة في جبل لبنان الذي كان خاضعاً للاحتلال العثماني تسنى له ولأخوته الالتحاق بمأوى برمانا للأطفال والنساء حيث أمضى سني الحرب

مع انتهاء الحرب كان الفتى أنطون سعاده قد اكتسب صلابة من تجربة السنين العجاف . ومع عودة الاتصال بأيه ، سافر أنطون بحراً بمرافقة إخوته الثلاثة إلى الولايات المتحدة حيث التقى بإخوته الكبار وعمل لبضعة أشهر في محطة لسكك الحديد . في هذه الأثناء كان الدكتور سعاده قد غادر الأرجنتين للقاء أولاده . وعند توقفه في البرازيل وجد فرصة للمارسة التوعية الصحفية والأدبية في الجالية السورية ، فقرر البقاء فيها ، وكتب إلى أولاده لملاقاته . وهكذا انتقل أنطون واخوته إلى البرازيل ، أما أخوته الأكبر منه سناً فبقوا في الولايات المتحدة لمتابعة علومهم ولم يتسنَّ للعائلة ان تجتمع بعد ذلك
في البرازيل اختار أنطون أن لا يلتحق بمدارس الجالية مع اخوته ، بل أن يدرس على أبيه وأن يشاركه في إدارة وإصدار جريدة الجريدة . وكان دور أنطون في البداية يقتصر على بعض الإعمال الإدارية والمالية والطباعة . ومع اتساع خبرته وثقافته في ظل عناية والده بدأ يساهم بالكتابة في الجريدة . خلال عامي 1922 و 1923 نشر عدة مقالات في شأن استقلال سورية وبعض المواضيع الاجتماعية . لكن متطلبات الجريدة اليومية كانت أكبر من قدرة الدكتور سعاده ، فرأى أن يوقف الجريدة ويعيد إصدار مجلة المجلة التي كان قد أصدرها خلال سني الحرب في الأرجنتين . وكان أنطون سعاده يقوم بإدارة المجلة ويساهم في كتابة مواضيعها ولا سيما في مسائل السياسة الخارجية التي أولاها اهتماماً منذ ذلك الوقت ، وفي المجلة بدأت اتجاهات أنطون سعاده النهضوية التحررية بالظهور، وفيها أيضاَ برزت همومه القومية ونزعته التجددية. وإذا كان في بداية نتاجه الفكري قد نسج على منوال أبيه فانه تدريجياً بدأ بتنمية أفكاره الخاصة وصقل معرفته

وفي مقالاته تلك بدأت تظهر البوادر الأولى لاتجاه أنطون سعاده نحو تأسيس 'حركة سورية منظمة تنظر في شؤون سورية الوطنية ومصير الأمة السورية'. ظهر هذا الاتجاه في مقال له نشره في مجلة 'المجلة' تحت عنوان 'الصهيونية وامتدادها'. دعا فيه بوضوح إلى تـأسيس حركة نظامية معاكسة للحركة الصهيونية، وألا فإجراءات الحركة الصهيونية سيكون نصيبها النجاح

وخلال عمله في الجريدة أولاً ثم في المجلة انكب أنطون على الدراسة والقراءة، فدرس البرتغالية والألمانية والروسية وتوسع في علوم التاريخ والسياسة. ولم يقتصر نشاطه التحريري على الكتابة الصحفية ، بـل امتد إلى محاولة التنظيم السياسي ، فانخرط عام 1925 في مجمع ماسوني سوري يرأسه والده ، وحاول الاثنان توجيه أعمال المحفل باتجاه الالتزام السياسي بمشاكل وهموم الوطن ، لكنهما لم يوفقا فآثر إلى الاستقالة . وقد قدّم أنطون سعاده كتاب الاستقالة من الماسونية في 24 أيار/مايو 1926 ونشره في جريدة القلم الحديدي* . وحاول أنطون خلال عام 1926 تأليف حزب عرف فيما بعد باسم 'الرابطة الوطنية السورية' ، لكنه لم يوفق كثيراً في جمع العناصر الجدية في الجالية إذ غلب على نشاطها طابع الارتجال والإعمال العلنية البسيطة ، فتركها وأسس عام 1927 حزب 'الوطنيين الأحرار' في البرازيل أيضاً . لكن مصير هذا الحزب لم يكن بأفضل من مصير 'الرابطة' . وكانت المجلة قد توقفت مع بداية 1926 ، فانصرف أنطون إلى التعليم في بعد المعاهد السورية في سان باولو واشترك في بعض اللجان التربوية التي أقامتها الحكومة البرازيلية للإشراف على البرامج التعليمية . وخلال السنين الأخيرة من إقامته في البرازيل تابع إلى جانب التعليم كتابة بعض المقالات المتفرقة كما كتب رواية في ذكرى أخيه سليم الذي توفي شاباً ، وهي الرواية التي نشرها فيما بعد في بيوت تحت عنوان فاجعة حب
في 1930 أنهى أنطون سعاده جميع ارتباطاته في البرازيل وعاد إلى الوطن ، فوصل إلى بيروت في تموز/يوليو 1930. بعد إمضاء صيف ذلك العام في الشوير ، انتقل أنطون إلى دمشق لدراسة إمكانية العمل السياسي فيها كونها العاصمة التاريخية التقليدية لسورية ومركز المعارضة السياسية في وجه الانتداب الفرنسي . ابتدأ عمل أنطون في دمشق بصورة متواضعة عبر إقامة اتصالات سياسية بسيطة وممارسة العمل الصحافي ، فكتب عدة مقالات في السياسة الخارجية حمّلها أفكاره القومية وكتب في الفنون وغير ذلك من المواضيع على صفحات اليوم والقبس . إلى جانب هذه الكتابات مارس سعاده التعليم لاكتساب رزقه فيما كان يتابع اتصالاته السياسية ، لكنه سرعان ما اصطدم بعقلية السياسيين التقليديين والوجهاء . ومن بين وجوه هذه الصدامات عدم السماح له بإلقاء محاضرة في 'المجمع العلمي' في دمشق بعد اطلاع رئيس المجمع على محتواها . إمام تشابك هذه العوائق السياسية ، رأى أنطون ان ينتقل إلى بيروت ويدرس إمكانية العمل السياسي الحزبي فيها

في بيروت عام 1931 بدأ أنطون سعاده محاولاته لتشكيل حزب جديد مستفيداً من تجاربه في البرازيل ودمشق . وركز أنطون على عمله في بيروت على مستويين : المستوى الأول هو في انتقاء وتنمية العناصر الصالحة للعمل الحزبي الجديد من بين الشباب المثقف . كان معظم هؤلاء الإفراد من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت حيث كان أنطون سعاده يعطي دروساً خصوصياً في اللغة الألمانية خارج ملاك الجامعة . فكانت هذه فرصة للالتقاء بطلبة الجامعة وأساتذتها . وكان سعاده يقيم في رأس بيروت على مقربة من الجامعة ، فتوطدت عرى الصداقة بينه وبين الطلاب وعائلاتهم
أما المستوى الثاني لعمله فكان في إيجاد المنابر الصالحة لبث الأسس العامة لدعوته . لذا كان يحاضر في تجمعات عديدة وجمعيات طلابية مثل 'العروة الوثقى' و'جمعية الاجتهاد الروحي للشبيبة' و 'النادي الفلسطيني' . وكانت نصوص هذه المحاضرات تحمل اسم الدعوة بخطوطها العامة لتهيئة الجو الثقافي – السياسي العام من دون الإعلان عن الجسم السياسي الحزبي الذي كان قيد التكوين

وفي خريف 1932 ، أسس سعاده 'الحزب السوري القومي الاجتماعي' بصورة سرية من أربعة أعضاء فقط . وكانت المواد الثقافية التي قامت عليها الدعوة في أول عهدها قليلة تقتصر على نصوص المبادئ (دون الشرخ الذي يأتي لاحقاً) ونصوص محاضرات سعاده القليلة . ونما الحزب تدريجياً في ظل عاملي الاعتناق التتابعي والإدخال السري البطيء. وفي عام 1933 أعاد أنطون سعاده إصدار المجلة في بيروت لتساهم في نشر وتوضيح أسس النهضة التي يسعى إليها الحزب. وعلى صفحات المجلة ظهرت للمرة الأولى في الوطن دراسات تحليلية لمعنى الأمة أصبحت فيما بعد نواة كتاب أنطون سعاده العلمي نشوء الأمم. وعلى صفحات المجلة ظهرت أيضاً نصوص محاضراته في الأندية الثقافية الطلابية ومقالات نقدية وتوجيهية في الأدب والثقافة القومية

وفي هذه المرحلة التأسيسية جرت اختبارات سياسية وإدارية عديدة ساهمت في دفع الجسم الحزبي في الاتجاه السليم. وكان أنطون سعاده حريصاً أشد الحرص على تفادي الأخطاء الماضية وعلى حماية الحزب من مساوئ الفردية والتسرع والارتجال. وترافق النمو ووضوح تفاصيل تنظيمية وصياغة نظامه ودستوره. وبعد ثلاث سنوات من تأسيسه، بات الحزب يضم نخبة الشباب المثقف في البلاد. وكانت موارد سعاده المالية ضحلة إذ كان يكسب القليل من مهنة التعليم، لكنه رغم ذلك كان لا يكفّ عن العمل والنضال، قاطعاً مسافات طويلة لتنمية نشاط الحزب في مناطق الجبل والبقاع والداخل الشامي وطول الساحل السوري حتى شماله

في الأول من حزيران/يونيو سنة 1935، أقام الحزب اجتماعه العام الأول في بيروت في منزل أحد مسؤوليه، نعمه ثابت. والجدير بالملاحظة أنّ سرية الحزب لم تتعرض لأي خطر من جراء هذا الاجتماع العام للمسؤولين نتيجة النظامية الدقيقة والتحضير المتين. في هذا الاجتماع تعرّف الأعضاء إلى سعاده كزعيم للحزب في موقع رسمي بعد أن كانت ظروف العمل الحزبي السري وطبيعة الاعتناق التتابعي لا تسمح بظهور هذه العلاقة المميزة إلى العلن الحزبي. في هذا الاجتماع ألقى سعاده خطاباً مكتوباً من أهم الوثائق الفكرية-الثقافية التي تشرح العقيدة القومية السورية وطبيعة النهضة التي يهدف إليها الحزب

بعد نجاح هذا الاجتماع وصلت على مسامع سعاده معلومات تفيد أن سلطات الانتداب تشك في وجود الحزب. ولعل سعاده شعر بعد نجاح المؤتمر الأول أن الحزب قد اجتاز مرحلة الاختبارات السرية وأنّ الحزب قد اجتاز مرحلة الاختبارات السرية وأنّ اضطراد نموه يحتاج إلى الظهور العلني، فبدأ يفكر بجدية في أسلوب الإعلان عن وجود الحزب لكن سلطات الاحتلال كانت الأسبق إلى العمل وقامت قواتها باعتقال سعاده وعدد من معاونيه يوم السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1935، بتهمة 'تشكيل جمعية سرية هدفها الإخلال بالأمن العام والإضرار بأراضي الدولة وتغيير شكل الحكم'
كان الاعتقال الأول امتحاناً لأهلية الحزب الجديد لبقاء والاستمرار وامتحاناً لأهلية سعاده للقيادة والمواجهة العلنية الصريحة مع القوى المناهضة للحزب. وظهرت خلال مراحل السجن الأولى ثم المحاكمة مميزات عدة من شخصية سعاده، إذ أعلن لمعتقليه عن مسؤوليته الكاملة عن تأسيس الحزب، شفوياً وخطياً، وآزر معاونيه على تحمّل أعباء الأسر، وحافظ خلال مراحل التحقيق والمحاكمة على أولوية استمرار الحزب، فكان امتحان الاعتقال دليلاً جديداً على ميزة هذا الحزب. فكان امتحان الاعتقال دليلاً جديداً على ميزة هذا الحزب. وصدر حكم المحكمة المختلطة (فرنسية-لبنانية) بسجنه ستة أشهر أكمل خلالها مؤلفه العلمي نشوء الأمم

عند خروجه من السجن يوم 12 أيار/مايو، وجد سعاده نفسه أمام عدة متناقضات على الساحة السياسية والحزبية. لقد أثار الحزب الكثير من الاهتمام والإقبال على الانتماء من بعض الأوساط، ولكنه في الوقت ذاته دفع بالقوى المناوئة إلى الاستعداد لمحاربته. علنية الحزب جعلته هدفاً واضحاً للقوى المعادية وللمؤسسات الدينية والسياسيين التقليديين. ثم إنّ العمل العلني أوجد ضرورات لتغيير أسلوب العمل وجعل سعاده يتحمل أعباء دور القيادة السياسية والزعامة الحزبية بشكل أكثر كثافة من ذي قبل. فتحوّل 'الأستاذ' والمفكر العائد من المهجر والقائد السري إلى زعيم سياسي من نوع جديد
كان همّ سعاده في هذه الفترة إعادة تحصين الحزب وإصلاح ما تداعى من بنيانه خلال الاعتقال الأول، لكن الأحداث السياسية تسارعت وأدت بعض التعقيدات إلى سجنه للمرة الثانية في 26 حزيران/يونيو 1936، أي بعد أقل من ستة أسابيع من انتهاء فترة سجنه الأول. وأتسمر سجنه الثاني حتى 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 1936
خلال سجنه الثاني عمل سعاده كعادته عل الاستفادة من عزلة الأسر للتأليف وأنجز خلالها كتابه شرح مبادئ الحزب وغايته

عند خروجه من الاعتقال وجد سعاده أنّ نشاط القوى المعادية قد أخذ أشكالاً تنظيمية جديدة إذ أخذت تظهر على الساحة السياسية عدة أحزاب طائفية مذهبية. وبعد عمل دؤوب على حل المشاكل الحزبية التي طرأت أثناء سجنه، وضع سعاده الحزب على مسار المشاركة الفعلية الكثيفة في الحياة السياسية والثقافية في البلاد. وتمثلت هذه المشاركة عبر الاتصالات السياسية الواسعة وإصدار البيانات والمذكرات في شؤون الانتداب، ومسألة الإسكندرونة، والعلاقات بين الكيانات السياسية السورية، والاشتراك في المؤتمرات وإقامة الاجتماعات الحزبية العلنية في المناطق. وأثار هذا النشاط الباهر مخاوف السلطات المناوئة فاستفادت من حادث بسيط خلال احتفال حزبي في بلدة بكفيا لشنّ حملة على الحزب واعتقال زعيمه.. فدخل سعاده السجن للمرة الثالثة في 10 آذار/مارس 1937 ولم يخرج منه حتى 15 أيار/مايو 1937
تنبه سعاده إلى مخاطر السجن المتكرر على سلامة الحزب وفرص نجاح العمل السياسي ، فكان خروجه من السجن الثالث نتيجة 'هدنة' بين الحزب والحكومة اللبنانية ، وقد استفاد سعاده من ظروف هذه الهدنة لإصدار جريدة حزبية يومية هي جريدة النهضة التي ظهر عددها الأول يوم 14 تشرين الأول/أكتوبر 1937

على صفحات النهضة ظهرت مواهب النخبة الثقافية الشابة التي كان سعاده قد اهتم باستقطابها إلى الحزب . وكان سعاده يكتب بشكل يومي ن ويتناول مسائل السياسة الخارجية ، ومسائل الأمور الفكرية العامة ، ونقد القوى السياسية المناوئة ، ولا سيما مقالاته في الرد على البطريرك الماروني ، والأحزاب اللبنانية ، ومقالاته حول الكتلة الوطنية الشامية
وفرّت النهضة لسعاده وحزبه منبراً واسعاً في المسائل السياسية والفكرية ووجوداً مميزاً على الساحة القومية. لكن هذا النجاح كان دائماً عرضة لحملات قوى الحكومة وقوى الانتداب. في تلك الأثناء كان سعاده يعمل على تأمين دعم مادي ثابت وقوي يحلّ الأزمة المادية المستمرة في الحزب، ودعم انترناسيوني يفعل التفاف الجاليات السورية حول قضية الحزب ، وفي خريف 1937 بدأ سعاده ومعاونيه بالتحضير لجولة على مراكز الاغتراب السوري لتوفير سبل الانتقال بالحزب إلى مرحلة القدرة على تحقيق أهدافه ، وفي هذه الأثناء أصدر سعاده في بيروت أوائل 1938 الطبعة الأولى من كتاب نشوء الأمم

في الأشهر القليلة قبل مغادرته بيروت وضع سعاده مع معاونيه العديد من الخطط الهادفة إلى الاستفادة من الفرص السياسية ، حين توافرها ، للقيام بعمل حاسم في سبيل التحرر من الانتداب . ومن بين هذه الخطط كان التمرد المسلح أحوجها إلى الدعم المادي والسياسي الذي أمل القوميون بالحصول عليه من الجاليات السورية في المهجر
مع حلول ربيع 1938 بدأت العلاقات بين الحزب وسلطات الانتداب تتأزم وشعر سعاده والمسؤولون في الحزب بقرب عودة حالة الاضطهاد ، فسارع إلى مغادرة بيروت ومنطقة الانتداب الفرنسي قبل ان تكتمل مراحل التحضير لرحلته . سافر سعاده إلى الأردن بجواز سفر يحمل اسم (أنطون خليل مجاعص) مما مكنه من اجتياز مراكز الحدود دون ان تنتبه السلطات إلى سفره إلا بعد حين . ما إن غادر سعاده بيروت حتى قامت سلطات الانتداب بمداهمة مراكز الحزب بقصد اعتقال سعاده وعطلّت صحيفة النهضة ومنعت العمل الحزبي بشتى الوسائل . في ذلك الوقت ، انتقل سعاده من الأردن إلى فلسطين ، حيث تفقد فروع الحزب في مدن الساحل الفلسطيني ، ثم انتقل إلى قبرص في انتظار اكتمال التحضيرات لرحلته إلى المهاجر السورية
أمضى سعاده بضعة أسابيع في قبرص غادر بعدها إلى رومة ومنها إلى برلين ، بدعوة من فرع الحزب هناك ، الذي نظم له محاضرة ألقاها بالألمانية في جامعة برلين . وفي هذه المحاضرة ظهرت للعلن للمرة الأولى أفكار سعاده حول الحدود الشرقية للوطن السوري وموقع جنوب العراق في هذا الوطن ، إذ كانت النصوص الأولى للمبادئ تشير إلى ضفاف دجلة فقط . وقد كان هذا الموضوع محور مباحثات علمية داخل الحزب قبل رحلة سعاده لكن محاضرته في برلين هي أول مظهر واضح لهذه الأفكار
كلن وصول سعاده إلى البرازيل في كانون الأول/ ديسمبر 1938 حيث استقر في سان باولو مدينة صباه .
وخلال الأسابيع الأولى من زيارته التقى سعاده العديد من أعيان الجالية وأبنائها وأصحاب الصحف والمثقفين والأدباء . لكن هذه الحفاوة تبددت حين تبين لأعيان الجالية التقليديين أن اتجاهاً جديداً في العمل السياسي وقيادة جديدة في السياسة والأدب والثقافة آخذة في توطين أسسها في المهجر مع دخول الحزب السوري القومي الاجتماعي . وتبين سريعاً لأعيان الجالية التقليديين ان زيارة سعاده ليست زيارة عادية عارضة بل زيارة هادفة مصممة على توجيه جهود الجالية في خطة سياسية دقيقة

تزامنت هذه التحولات مع تداخل جهود محازبي فرنسة وعملائها وسعيهم مع السلطات البرازيلية لتعطيل عمل سعاده في البرازيل . في هذه الأثناء كان سعاده يعدّ لإصدار صحيفة في البرازيل تحمل صوت النهضة تحت اسم سورية الجديدة . وصدر العدد الأول من هذه الجريدة الأسبوعية في 11 آذار /مارس 1939 . وفي 23 آذار م مارس 1939 أقدمت قوات الأمن البرازيلي على اعتقال سعاده وأثنين من معاونيه بتهمة الدعوة للسياسة الفاشستية والمّس بسلامة العلاقات الإنترناسيونية للدولة البرازيلية . وسارعت الجهات المثقفة إلى الدفاع عن سعاده ، فأرسل رئيس جمعية الصحافة في سان باولو رسالة استفهام إلى دائرة الأمن العام . وخلال فترة الاعتقال تقدم قنصل فرنسة بطلب تسليم سعاده لتحاكمه سلطة الانتداب ، لكن السلطات البرازيلية رفضت الطلب . وبعد تحقيق قضائي دقيق ، تبين للمحكمة براءة سعاده من التهم الموجهة إليه ، وأفرجت عنه وعن معاونيه في 30 نيسان/أبريل 1939
إثر خروجه من السجن اهتم سعاده بتنظيم العمل الحزبي والصحفي في سان باولو ن ثم غادرها بعد أسبوعين إلى الأرجنتين . وهناك بدأ بالاتصال بالصحافة الأرجنتينية والصحافة السورية وإلقاء المحاضرات والاحاديث في اجتماعات الجالية . وتابع في هذه الأثناء اهتمامه بجريدة سورية الجديدة وأعمال الحزب في الوطن والمهجر
طال بقاء سعاده في الأرجنتين . ومع حلول أيار/مايو 1940 حاول تجديد جواز سفره عبر السفارة الفرنسية هناك ، لكن السفارة رفضت ذلك

وفي حزيران/يونيو 1940 أصدرت سلطات الانتداب في لبنان حكماً غيابياً قضى بسجنه عشرين سنة وإقصائه عشرين سنة أخرى ، فأًصبح سعاده نتيجة ذلك شبه أسير ضمن حدود الجمهورية الأرجنتينية لا يستطيع مغادرتها ويكاد إذن البقاء فيها أن ينفد ، فسارع إلى التقدم بطلب إقامة رسمية ، وقد استجيب طلبه في آب/أغسطس 1941 .بسبب هذه التعقيدات الإدارية القانونية اضطر سعاده ان يلزم الأرجنتين حتى عام 1947
وفي عام 1941 حاول ان يجد مخرجاً للعودة إلى الوطن عبر مناطق الانتداب البريطاني ، وجرت مباحثات في هذا الصدد مع الحكومة البريطانية لكن هذه المحاولات لم تصل إلى نتيجتها المنشودة
مع انقطاع الاتصال بمركز الحزب في الوطن اضطر سعاده إلى البقاء القسري في الأرجنتين ، تحولت رحلته من جولة منظمة في المهاجر السورية لا تتعدى السنتين إلى اغتراب قسري يشبه النفي القضائي الذي كانت سلطات الانتداب قد حكمت به عليه عام 1943

ومع اضطراره للبقاء في الأرجنتين وضرورات العمل الحزبي فيها ، رأى سعاده ان يصدر جريدة فيها اسماها الزوبعة ذلك ان سورية الجديدة في البرازيل كانت عرضة لمشاكل إدارية وسياسية مستعصية بسبب شراكة ملكيتها حالت دون التزامها دائماً سياسة الحزب ، ولا سيما اعتماد موقف الانحياز في الصراع الدائر بين دول المحور والحلفاء . مع إصدار الزوبعة وجد سعاده منبراً جديداً لآراء الحزب ، وعلى صفحات هذه الجريدة الأسبوعية ظهرت أهم كتاباته الفكرية والسياسية . صدر العدد الأول من الزوبعة في أول آب/أغسطس 1940 ، وسرعان ما تحولت النشرة إلى منبر للأبحاث الفكرية العالية ، ففي تشرين/أكتوبر 1940 نشر المقال الأول من سلسلة 'جنون الخلود' التي استمرت حتى ايار/مايو 1942 وفيها تناول مسائل الأدب والدين والفلسفة والعروبة . وأتبع ذلك في صيف 1942 بسلسلة مقالات حول الأدب جمعها في كانون الأول/ديسمبر عام 1942 في كتاب الصراع الفكري في الأدب السوري
خلال هذه الفترة تعّرف سعاده بالآنسة جولييت المير ، وهي من عائلة طرابلسية كانت قد هاجرت إلى الأرجنتين يوم كان عمرها لا يتجاوز العشر سنوات. وكانت جولييت وأخوها قد انتسبا إلى الحزب في الأرجنتين وأظهرا تفانياً ونشاطاً كبيرين في صفوفـه مما قرّب العائلة بأسرها من سعاده . ثم نمت عواطف الحب بين سعاده وجولييت واتفقا على الزواج ، وتم ذلك في نيسان/ ابريل 1941 ورزقا ثلاث بنات ، اثنتان منهن ولدن في المهجر (صفية واليسار) والثالثة بعد العودة إلى الوطن (راغدة

مع وجود صحيفتين للحزب في أميركة الجنوبية ، وتأسيس فروع جديدة له أخذ الحزب يتحول من حركة جديدة في الوطن يمكن التواصل معها عن بعد ، إلى حركة حقيقية في المهجر تواجه ' القيادات السياسية والفكرية ' التقليدية في الجاليات السورية . وهكذا ظهر إلى العيان صراع بين سعاده وأقطاب هذه المواقع التقليدية من مثل الشاعر القروي رشيد سليم الخوري والشاعر الياس فرحات وزكي قنصل وإيليا أبو ماضي وغيرهم . وأفردت الزوبعة صفحات عديدة بقلم سعاده للرد على هجمات هؤلاء على سعاده وعلى الحزب
إلى جانب هذا النشاط الإذاعي- السياسي – الفكري ، كان على سعاده أن يهتم بالشؤون التنظيمية للعمل الحزبي في المغترب . وخلافاً للحالة في الوطن ، لم يكن إلى جانب سعاده مجموع من الشباب المثقف الذي كان قد درس عنه العقيدة والنظام . في المغترب كان على سعاده ان يقوم بمعظم الأمور بمفرده مما أرهقه حتى يكاد ينفذ صبره . ورغم انه وجد بين المغتربين السوريين بعض الأعضاء من ذوي الثقافة العالية والإخلاص الفريد ، إلا أن الكثيرين كانوا إما ضعيفي الثقافة أو ضعيفي الإيمان أو من متربصي الفرص
ولم تنحصر معاناته سعاده من هؤلاء على الصعيد الحزبي فقط بل طاولت الأمور الخاصة . فمع انقطاع اتصاله بالوطن واتساع مسؤولياته العائلية وضعف وتقطع الإعانات الحزبية لمكتبه بدأت الضائقة المالية تهدد مقام الزعامة الحزبية ومصير سعاده وعائلته . فاستدان مبلغ من المال ودخل في شراكة صناعية – تجارية مع رفيقين في الحزب ، لكنها لم تنجح
بعد هذه التجربة ، رأى سعاده ان عليه ان يقوم بمفرده في العمل ، فانتقل إلى منطقة توكومان في الأرجنتين حيث انشأ محلاً تجارياً استمر في إدارته حتى تاريخ مغادرته الأرجنتين عام 1947
تضافرت الصعاب على عرقلة العمل الحزبي وأرهقت سعاده وأقصت نتاجه الفكري وتأخرت الزوبعة عن الصدور . لكنه لم يتوقف عن حض رفقائه على العمل والنضال . ومن بين اقرب الرفقاء إلى سعاده كان فخري معلوف الذي كانت خسارته عام 1945 من أمر المحن التي واجهها سعاده في اغترابه القسري

كان فخري معلوف من أكثر القياديين الحزبيين قدرة على فهم فلسفة سعاده ومعانيها العميقة . وشكلت كتاباته أفضل ما ظهر في تلك الفترة حول النواحي الفلسفية للعقيدة القومية . انتقل فخري معلوف إلى الولايات المتحدة في بداية الحرب العالمية الثانية لمتابعة دراسته الفلسفية واستمر يراسل سعاده ويعمل بنشاط في سبيل القضية . ولكن مع اتصال فخري معلوف من خلال دراسته وعمله بالجهات اللاهوتية الكاثوليكية ، بدأ يتأثر بها ، وظهر التغيير . فما ان صدرت مقالة سعاده في أيلول /سبتمبر 1944 خول 'نفوذ اليهود في الفاتيكان'حتى كتب فخري إلى زعيمه رسالة يدافع فيها عن المؤسسة الكنيسة ويثير مسائل تعارض مزعوم بين القضية القومية والكنيسة الكاثوليكية وتعاليمها
راسل سعاده فخري معلوف حول مسائل التمييز بين الإيمان الديني وفلسفة النهضة وعدم تعارضهما ، وكان يتعامل معه بصبر طويل عله ينجح في استرداد هذا المفكر البارز إلى صفوف النهضة . واستمرت هذه المحاولات دون نتيجة حتى اصدر سعاده مرسوماً بفصل فخري معلوف عن جسم الحركة القومية

وكانت الزوبعة قد توقفت عن الصدور في عام 1943 ، وكان بذل سعاده جهوداً عديدة لإعادة إصدارها لكن ذلك بقي متقطعاً لأسباب مادية في أكثر الأحيان . وفي أوائل 1946 وصل إلى الولايات المتحدة غسان تويني مفوضاً من قبل إدارة الحزب في الوطن للاتصال بالزعيم . وكانت مراسلات الزعيم مع رفيقه الشاب فرصة للاطلاع منه على حالة الحزب والوطن وفرصة لتوضيح مسائل له في تاريخ الحزب وفلسفته . وفي 1946 بعدما تأمن الاتصال المباشر بين سعاده ومركز الحزب وبدأت ترده نشرات الحزب ومطبوعاته . أخذ يلحظ فيها بعض الأمور الشاذة عن سياسة النهضة وفلسفتها ، ومن هذه الأمور المواقف السياسية في خطب رئيس المجلس الأعلى الأمين نعمة ثابت ومقالات عميد الثقافة فايز صايغ . ومع ان سعاده كتب إلى الأمين ثابت في هذه الأمور ، أنه رأى تأجيل البحث التام في هذه المسائل حتى العودة إلى الوطن

لم تكن عودة سعاده إلى الوطن سهلة ، فقد كان عليه التغلب على العديد من المصاعب العملية والإدارية والسياسية وفي طليعتها عدم رغبة الحكومة اللبنانية السماح له بالعودة
كان سعاده لا يحمل أي جواز يسمح له بالسفر خارج حدود الأرجنتين ، ولم تكن الدولة اللبنانية الحديثة الاستقلال قد استكملت جهازها الدبلوماسي في مختلف دول العالم . لكن سعاده تمكن بمساعدة رفقائه من الحصول على جواز سفر لبناني

في أواخر عام 1946 أنهى سعاده أعماله التجارية وقرر السفر جواً إلى الوطن بمفرده على ان تلحق به عائلته فيما بعد عن طريق البحر ، وبعد زيارة قصيرة للبرازيل سافر عن طريق البرتغال وافريقية الشمالية ووصل إلى القاهرة في 18 شباط /فبراير 1947 . هناك التقى برئيس المجلس الأعلى في الحزب الأمين نعمة ثابت وبأسد الأشقر وتباحث معهما في أمر العودة إلى الوطن والموقف السياسي المتوجب اتخاذه في هذا المجال

في لقاء القاهرة مع نعمة ثابت وأسد الأشقر تبين لسعاده مدى التغيير السياسي الذي طرأ على أعمال حزبه ، إذ اتخذت إدارة الحزب العليا قراراً بحصر عمل الحزب ومهمته في الداخل اللبناني ، وبنت على هذا القرار تحالفاتها السياسية
وفي 2 آذار/مارس 1947 وصلت طائرة سعاده إلى بيروت ، وكان في استقباله حشد شعبي كبير لم يعرف من قبل . خلال ذلك الاستقبال التاريخي ألقى سعاده خطاباً حدد فيه بوضوح موقفه من الاستقلال اللبناني وقضايا الوطن ومستقبل الحزب . وأمام هذا التحديد الواضح لم يكن من المستغرب اندفاع أعداء الحزب في حملة سريعة لتعطيل النتائج المتوقعة لعمل الحزب بعد عودة سعاده . وقد توجهت جهود هؤلاء إلى سعاده – نفسه كما أيام الانتداب – عبر عرقلة تقدم الحزب باعتقال قائده

وكانت الحكومة اللبنانية قد منعت القوميين من عبور وسيط العاصمة بيروت يوم الاستقبال ، كما بعث الأمن العام بطلب حضور سعاده ليلاً للتحقيق . ورأى سعاده ان وراء هذه التدابير خطة عدائية ، فرفض الإذعان لطلب الأمن العام واعتصم في الجبل في منطقة المتن . فأصدرت الحكومة مذكرة توقيف بحقه وسيرت الحملات البوليسية إلى الجبل بهدف القبض عليه . وهكذا بدأت معركة 'مذكرة التوقيف' التي استمرت من آذار/مارس 1947 حتى تشرين الأول/أكتوبر 1947 ولم تنته إلا مع استرداد الحكومة مذكراتها

كانت غاية الحكومة آنذاك واضحة : إبعاد سعاده عن ساحة العمل السياسي خلال الانتخابات النيابية في أيار/مايو 1947 ، وإذا أمكن لفترة أطول . وكذلك مضايقة الحزب بهدف عرقلة نشاطاته السياسية والإعلامية عن طريق حملات الاعتقال وتعطيل الصحافة الحزبية . فقد أصدرت الحكومة قراراً بتعطيل جريدة صدى النهضة الناطقة باسم الحزب فاستعاض عنها بجريدة الشمس التي عُطلت بدورها ، فتحوّل إلى مجلة الكوكب حتى آذار/مارس 1948 حين اصدر جريدته الجيل الجديد

خلال أشهر الملاحقة المتكررة اتبع سعاده خطة سياسية هجومية على الحكومة والأحزاب الرجعية الموالية لها . فقرر خوض الحزب المعركة الانتخابية ، وأرفق ذلك بإصدار سلسلة بيانات سياسية إلى الشعب يشرح فيها برامج الحزب الانتخابي وحقيقة صراعه مع الحكومة . كما قابل في مراكز اعتصامه عدداً كبيراً من الصحفيين المحليين وممثلي الوكالات الصحفية العالمية ، واتصل به العديد من سياسيي المعارضة . وبالرغم من الملاحقة تنقل سعاده شخصياً في مدن وقرى الجبل اللبناني متحدثاً إلى المواطنين ومجتمعاً إلى أعضاء الحزب . وأمام صلابة موقف سعاده والالتفاف الشعبي حوله والاهتمام الإعلامي الواسع بالموجهة بينه وبين الحكومة، تراجعت هذه الأخيرة عن موقفها الأول وتمت اتصالات ومفاوضات سياسية كان من نتيجتها ن سحبت الحكومة مذكرة التوقيف وأعلن سعاده انتصار الحزب على القمع السياسي الحكومي

لم تكن المعركة الخارجية مع الحكومة اللبنانية الأزمة الوحيدة التي واجهها سعاده ، بل تزامنت مع مواجهة داخلية مع بعض أعضاء الإدارة العليا في الحزب مثل نعمة ثابت ومأمون أياس وأسد الأشقر كريم عزقول. فقد رأى هؤلاء أن عودة سعاده ومواقفه السياسية تتعارض وسياستهم في التوافق مع القوى الحاكمة في لبنان. ولما وقعت المواجهة بين سعاده والحكومة، وجدوا أنفسهم أمام خيارين: الإذعان للمسار التصحيحي الذي يدعو إلى العودة إلى ساحة الجهاد لقومية الكبرى، أو محاولة إضعاف سلطة الزعامة. فطالبوا بتعديل الدستور للحد من سلطة الزعيم وعارضوا موقف سعاده من الحكومة والخلاف معها واتهموه بالعناد السياسي ودسوا الشائعات المغرضة ضده داخل الحزب. فوجد سعاده نفسه في صراع خارجي مع الحكومة، وصراع داخلي مع القوى المسيطرة على الإدارة الحزبية العليا. وبقد ما كان تعامله مع القوى الخارجية حاسماً بقدر ما كانت معالجته للمعركة الداخلية متروية وهادئة. لكنه وجد بعد حين ان استمرار المعركة الداخلية بعرض مصير الحزب إلى خطر خسارة المعركة الخارجية فقام بحلّ الإدارة العليا في الحزب، ثم مع استفحال المعركة الداخلية وخروج أخصامه إلى العلن، قام بطرد هؤلاء وعلى رأسهم نعمة ثابت ومأمون أياس، وأسد الشقر الذي ما لبث أن عاد إلى صفوف الحزب بعد فترة قصيرة

بانتهاء معركة 'مذكرة التوقيف' ومع حسم الخلافات الداخلية في الحزب أصبح بإمكان سعاده العمل العلني لمواجهة الأوضاع القومية المصيرية، وبخاصة فلسطين. فمع اقتراب ذكرى عد بلفور في تشرين الثاني/ نوفمبر 1948، وترافقها مع اجتماع منظمة الأمم المتحدة للنظر في مسألة فلسطين دعا سعاده إلى مهرجان شعبي كبير يقام في بيروت لإظهار الرفض والمقاومة لما يجري في فلسطين، لكن الحكومة اللبنانية رفضت السماح للحزب بإقامة المهرجان فاستعاض عنه بيان من سعاده حول مسألة فلسطين أعلن فيه حلولاً عملية لمواجهة الكارثة القادمة . وبحلول آخر تشرين الثاني/نوفمبر أصدرت منظمة الأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين . وعبثاً حاول الحزب الاشتراك الواسع في الإعمال العسكرية الدائرة في فلسطين إزاء رفض الحكومة تسليح القوميين حتى في اشد فترات القتال . لكن القوميين شاركوا في المعارك كلما سنحت لهم الفرصة وسقط من بينهم عدد من الشهداء . ومع وقوع النكبة وقيام الدولة اليهودية في جزء من فلسطين رأى سعاده ان الاعتماد على القوى السياسية الحاكمة لإنقاذ فلسطين أمر دون جدوى ، وبدأ العمل بهدوء لتشكيل جهاز قيادي حربي من بين أعضاء الحزب يشكل نواة عمل تحريري مقبل

بموازاة هذه الأحداث وتسارعها ركّز سعاده على إعادة بناء الحزب فكرياً وإعادة تثبيت مواقعه السياسية الشعبية وتوسيعها . فأعاد نشاط 'الندوة الثقافية' وفتح أبوابها للطلبة الجامعيين والمثقفين عامة . وألقى بين كانون الثاني /يناير 1948 وأوائل نيسان/ابريل من العام ذاته عشر محاضرات تضمنت شرحاً موسعاً للعقيدة القومية . وقد أصبحت نصوص هذه المحاضرات من أهم مصادر دراسة فكر سعاده وأسس النهضة

وفي 1948 صدرت الأعداد الأولى لمجلة النظام الجديد التي تضمنت نصوص عدد من محاضرات الندوة الثقافية ، والعديد من الكتابات الفكرية والتاريخية والفلسفية بقلم سعاده وعدد من المفكرين الشباب الملتفين حوله
إلى جانب نشاطه الفكري العقائدي ، قام سعاده خلال 1948 بعدة جولات في المناطق اللبنانية ، وراح يخطب في الحشود المجتمعة للقياه ويحثها على الانخراط في صفوف العمل القومي . ثم أخذ بتوجيه اهتمامه السياسي إلى الداخل السوري فزار دمشق مراراً مجتمعاً بالطلبة والهيئات السياسية فيها . وفي خريف 1948 قام بجولة امتدت من دمشق إلى حمص وحماه وحلب والساحل السوري الشمالي . وكانت جولات سعاده السياسية الحزبية تثير الاهتمام الواسع في أوساط الشعب . وكان بروز الحزب بهذا الشكل الباهر على ساحة العمل السياسي الشعبي يثير حفيظة أهل الحكم ، خصوصاً في لبنان . فعندما أًدر الحزب جريدة يومية تحت اسم الجيل الجديد عمدت الحكومة إلى تعطيلها في نيسان/ابريل 1948 ، بعد صدور خمسة أعداد منها فقط

بعد تعطيل الجيل الجديد ، بدأ سعاده نشر مقالاته في درية كل شيء وقد بلغ عددها سبعة عشرة مقالاً ما بين شهري كانون الثاني/يناير وآذار/،مارس 1949 . وقد تضمنت هذه المقالات نقداً شديداً للمرجعيات السياسية الفكرية ، وتحليلاً دقيقاً لأسباب إفلاس النزعات الانعزالية اللبنانية والانقلابية الوهمية . واستمرت مقالات سعاده بعد ذلك على صفحات الجيل الجديد التي عادت إلى الصدور في نيسان/ابريل 1949

أمام نجاح الإعمال السياسية الاعلامية بقيادة سعاده ازداد الضغط الحكومي على حزبه في لبنان . وعادت قوى الحكومة إلى أسلوب منع الاجتماعات الحزبية العلنية العامة ، واشتدت المواجهة حتى كانت تؤدي إلى صدامات خلال احتفالات حزبية في أول آذار/مارس 1949

في أواخر آذار/مارس 1949 قام قائد الجيش الشامي حسني الزعيم بانقلاب مسلح في دمشق بدا في حينه رد على نكبة فلسطين . لذلك لم يتوان سعاده عن الاتصال بحاكم دمشق الجديد ، خصوصاً في ظل العلاقات المتردية للحزب مع الحكومة في لبنان . لكن هذه الاتصالات لم تؤد عمليا ًإلا إلى وعود مخادعة ، كما انها عجلت في تحرك الحكومة اللبنانية لمباشرة تنفيذ مخططها للقضاء على سعاده والحزب ، بالتواطؤ مع حسني الزعيم وجهات خارجية

فيما كانت الحكومة بحاجة إلى مأخذ يسهّل لها علنياً وإعلامياً المباشرة بتنفيذ خطة تصفية 'الحزب السوري القومي الاجتماعي' ، توفر لها هذا المأخذ في حادث افتعلته الدولة بواسطة حزب 'الكتائب اللبنانية' ، إذ هاجمت عناصر منه مطبعة جريدة الجيل الجديد وأحرقتها . واستفادت الحكومة اللبنانية من هذا الحادث وبدأت قواها فوراً بمداهمة مراكز الحزب ومنازل قيادييه وأعضائه، وألقت القبض عليهم . وبعد أيام قليلة كان ما يقارب الثلاثية آلاف من أعضاء الحزب في السجن ، وقسم كبير من القياديين قيد الملاحقة . وبالفعل تمكنت قوى الحكومة من مباغتة قيادة الحزب ، ونجحت حملة الاعتقالات الواسعة وإضعاف القدرة التنظيمية واستعدادات المقاومة المنظمة السريعة . لكن قوى الحكومة لم تنجح في اعتقال سعاده الذي وصل بعد أيام قليلة إلى دمشق بشكل سري ، وبدأ يعمل في التحضير لعمل منظم يحمي الحزب من الاندثار إمام الهجوم الحكومي الشرس في لبنان . وكانت مقاومة سعاده للحكومة اللبنانية تتطلب ان يكون للحزب شيء من حرية العمل السياسي والعسكري ضمن أراضي الجمهورية السورية كمركز انطلاق . فاجتمع مجدداً بحسني الزعيم من أجل هذا الغرض ، ولقي منه استعداداً ظاهراً للمساعدة المعنوية عبر السماح بالعمل السياسي المحدود . عندئذٍ باشر سعاده وأعوانه بالتحضير للمقاومة الشعبية في لبنان بجمع القوى الحزبية الباقية والتخطيط للثورة الشعبية المسلحة

لم يتلق الحزب أية مساعدة عملية تذكر من حكومة حسني الزعيم . وحتى الوعد بتسهيل العمل لم يتحقق كما هو متوقع ، فسار الحزب في عملية الثورة الشعبية في لبنان معتمداً على قواه الذاتية ، فيما كانت الاتصالات بين بيروت ودمشق والقاهرة تسير باتجاه التقريب بين الحكومتين اللبنانية والشامية . فما ان أعلن الحزب الثورة في الرابع من تموز/يوليو 1949 حتى وجدت قواه المتوجهة إلى داخل الحدود اللبنانية نفسها حتى وقد وقعت ضحية خيانة حكومة حسني الزعيم لها ، إذ مهد لانهزامها إمام قوى الحكومة اللبنانية بإعلام هذه الأخيرة بخطط القوميين وأماكن تجمعهم . وفي السادس من تموز/يوليو اعتقلت قوى الأمن في دمشق أنطون سعاده وسلمته إلى قوى الأمن اللبناني التي كانت مكلفة بتصفيته خلال الرحلة القصيرة من دمشق إلى بيروت . لكن يقظة الضمير لدى إحدى كبار الضباط المكلفين بهذه المهمة منعت هذا الأمر من الحدوث ، ووصل سعاده إلى بيروت مع صباح السابع من تموز/يوليو . واستمر التحقيق معه حتى الظهر ، وانعقدت محكمة عسكرية للنظر في قضية الحزب مباشرة في اليوم ذاته . رفضت الحكومة إعطاء محامي الدفاع أية مهلة للتحضير ، فتولى سعاده عن نفسه ، واستمرت المحكمة حتى مساء السابع من تموز/يوليو ، وأصدرت مباشرة الحكم المحضّر سلفاً بإعدام سعاده على الفور . ورفضت الحكومة طلب لجنة العفو القضائية إعطاءها مهلة للنظر في الحكم ، فجرى إعدام سعاده في الساعة الثالثة والثلث من صباح الثامن من تموز/يوليو دون السماح له بمشاهدة زوجته وبناته للمرة الأخيرة

جرت محاكمة سعاده المحضّرة وتم إعدامه بسرية تامة وفي ظل اشد الاحتياطات الأمنية . لكن وقائع المحاكمة المغلقة السرية ولحظات حياته الأخيرة قبل إعدام تسربت سريعاً ، ورأى الشعب في هذه الوقائع ما عهده من شجاعة أنطون سعاده وثباته وتفانيه . وهكذا أصبحت لحظات حياته الأخيرة أمثولة في التاريخ السوري الحديث

في 1949 أصدر أنطون سعاده بلاغا ً منع فيه القوميين من الانتساب إلى الماسونية



Reply With Quote
Sponsored Links
Reply

  The Orange Room - forum.tayyar.org The Orange Room Main Forums FPM Research, Archival & Media Defamation Forums


Currently Active Users Viewing This Thread: 1 (0 members and 1 guests)
 
Thread Tools Search this Thread
Search this Thread:

Advanced Search

 
Posting Rules
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is On
Smilies are On
[IMG] code is On
HTML code is Off
Trackbacks are On
Pingbacks are On
Refbacks are On

Forum Jump

Forums Directory