| Orange Room Supporter
Offline Posts: 7,476 Thanks: 0
Thanked 519 Times in 274 Posts
Last Online: 9 Hours Ago Join Date: Wed Feb 2006 | Antoun Saadeh -
21st July 2008
ولد أنطون سعاده في الأول من آذار/ مارس عام 1904 في بلدة الشوير في جبل لبنان . كان والده الدكتور خليل سعاده طبيباً بارعاً مارس مهنته فن لبنان وفلسطين ومصر . وقد كان كذلك لغوياً خبيراً ألّف أول قاموس إنكليزي – عربي ، ومترجماً بارعاً نقل إلى العربية بعض الآثار العلمية والأدبية الغربية ، وروائياً أتقن الكتابة بالعربية كما بالانكليزية . وقد ساهم الدكتور سعاده مع غيره من أعيان جيل النهضة حيثما وُجدوا في العالم العربي وفي المهاجر في إعلاء شأن العلم والأدب والفلسفة الاجتماعية
كانت والدة أنطون سعاده السيدة نايفة نصير أيضاً مواليد الشوير ، لكنها نشأت في الولايات المتحدة حيث هاجرت عائلتها في أواخر القرن التاسع عشر ، وقد سنحت لها الفرصة حيازة الشهادة الثانوية في شيكاغو مما ميزها عن بنات جيلها في الوطن . في زيارة لها إلى لبنان تعرفت إلى الدكتور سعاده وكان زفافهما . وأمضت العائلة معظم أيامها في الشوير بينما كان الدكتور سعاده يعمل في فلسطين ومصر ويمضي فصل الصيف مع عائلته
وفي الشوير نشأ أنطون سعاده في رعاية والدته حتى كان أصيل العقد الأول من القرن العشرين . وانتقلت العائلة إلى مصر حيث دخل أنطون سعاده إلى إحدى مدارس الجالية السورية في القاهرة لسنوات قليلة اضطر بعدها للعودة إلى الوطن في 1913 إثر وفاة والدته . في ذلك العام سافر الدكتور سعاده إلى الأرجنتين بعد أن كان أولاده الكبار ارنست وأرثور وشارلي قي التحقوا بخالهم في الولايات المتحدة لمتابعة علومهم . أما أنطون وأخوته الثلاثة الصغار سليم وإدوارد وغريس (عايدة) فعادوا إلى الشوير تحت رعاية جدتهم لأبيهم وأحد أعمامهم ، على أن تجتمع العائلة فيما بعد .
لكن الحرب العالمية الأولى دهمت العائلة وهي مشتتة بين القارات وانقطعت المواصلات المباشرة بين أنطون سعاده وأبيه وسرعان ما تتابعت الويلات على الفتى أنطون بوفاة جدته وعمه ثم بمرض أخته الصغرى . وكان على ابن العاشرة أن يتدبر وحيداً أمره وأمر إخوته الذين في عهدته . ومع اشتداد المجاعة في جبل لبنان الذي كان خاضعاً للاحتلال العثماني تسنى له ولأخوته الالتحاق بمأوى برمانا للأطفال والنساء حيث أمضى سني الحرب
مع انتهاء الحرب كان الفتى أنطون سعاده قد اكتسب صلابة من تجربة السنين العجاف . ومع عودة الاتصال بأيه ، سافر أنطون بحراً بمرافقة إخوته الثلاثة إلى الولايات المتحدة حيث التقى بإخوته الكبار وعمل لبضعة أشهر في محطة لسكك الحديد . في هذه الأثناء كان الدكتور سعاده قد غادر الأرجنتين للقاء أولاده . وعند توقفه في البرازيل وجد فرصة للمارسة التوعية الصحفية والأدبية في الجالية السورية ، فقرر البقاء فيها ، وكتب إلى أولاده لملاقاته . وهكذا انتقل أنطون واخوته إلى البرازيل ، أما أخوته الأكبر منه سناً فبقوا في الولايات المتحدة لمتابعة علومهم ولم يتسنَّ للعائلة ان تجتمع بعد ذلك
في البرازيل اختار أنطون أن لا يلتحق بمدارس الجالية مع اخوته ، بل أن يدرس على أبيه وأن يشاركه في إدارة وإصدار جريدة الجريدة . وكان دور أنطون في البداية يقتصر على بعض الإعمال الإدارية والمالية والطباعة . ومع اتساع خبرته وثقافته في ظل عناية والده بدأ يساهم بالكتابة في الجريدة . خلال عامي 1922 و 1923 نشر عدة مقالات في شأن استقلال سورية وبعض المواضيع الاجتماعية . لكن متطلبات الجريدة اليومية كانت أكبر من قدرة الدكتور سعاده ، فرأى أن يوقف الجريدة ويعيد إصدار مجلة المجلة التي كان قد أصدرها خلال سني الحرب في الأرجنتين . وكان أنطون سعاده يقوم بإدارة المجلة ويساهم في كتابة مواضيعها ولا سيما في مسائل السياسة الخارجية التي أولاها اهتماماً منذ ذلك الوقت ، وفي المجلة بدأت اتجاهات أنطون سعاده النهضوية التحررية بالظهور، وفيها أيضاَ برزت همومه القومية ونزعته التجددية. وإذا كان في بداية نتاجه الفكري قد نسج على منوال أبيه فانه تدريجياً بدأ بتنمية أفكاره الخاصة وصقل معرفته
وفي مقالاته تلك بدأت تظهر البوادر الأولى لاتجاه أنطون سعاده نحو تأسيس 'حركة سورية منظمة تنظر في شؤون سورية الوطنية ومصير الأمة السورية'. ظهر هذا الاتجاه في مقال له نشره في مجلة 'المجلة' تحت عنوان 'الصهيونية وامتدادها'. دعا فيه بوضوح إلى تـأسيس حركة نظامية معاكسة للحركة الصهيونية، وألا فإجراءات الحركة الصهيونية سيكون نصيبها النجاح
وخلال عمله في الجريدة أولاً ثم في المجلة انكب أنطون على الدراسة والقراءة، فدرس البرتغالية والألمانية والروسية وتوسع في علوم التاريخ والسياسة. ولم يقتصر نشاطه التحريري على الكتابة الصحفية ، بـل امتد إلى محاولة التنظيم السياسي ، فانخرط عام 1925 في مجمع ماسوني سوري يرأسه والده ، وحاول الاثنان توجيه أعمال المحفل باتجاه الالتزام السياسي بمشاكل وهموم الوطن ، لكنهما لم يوفقا فآثر إلى الاستقالة . وقد قدّم أنطون سعاده كتاب الاستقالة من الماسونية في 24 أيار/مايو 1926 ونشره في جريدة القلم الحديدي* . وحاول أنطون خلال عام 1926 تأليف حزب عرف فيما بعد باسم 'الرابطة الوطنية السورية' ، لكنه لم يوفق كثيراً في جمع العناصر الجدية في الجالية إذ غلب على نشاطها طابع الارتجال والإعمال العلنية البسيطة ، فتركها وأسس عام 1927 حزب 'الوطنيين الأحرار' في البرازيل أيضاً . لكن مصير هذا الحزب لم يكن بأفضل من مصير 'الرابطة' . وكانت المجلة قد توقفت مع بداية 1926 ، فانصرف أنطون إلى التعليم في بعد المعاهد السورية في سان باولو واشترك في بعض اللجان التربوية التي أقامتها الحكومة البرازيلية للإشراف على البرامج التعليمية . وخلال السنين الأخيرة من إقامته في البرازيل تابع إلى جانب التعليم كتابة بعض المقالات المتفرقة كما كتب رواية في ذكرى أخيه سليم الذي توفي شاباً ، وهي الرواية التي نشرها فيما بعد في بيوت تحت عنوان فاجعة حب
في 1930 أنهى أنطون سعاده جميع ارتباطاته في البرازيل وعاد إلى الوطن ، فوصل إلى بيروت في تموز/يوليو 1930. بعد إمضاء صيف ذلك العام في الشوير ، انتقل أنطون إلى دمشق لدراسة إمكانية العمل السياسي فيها كونها العاصمة التاريخية التقليدية لسورية ومركز المعارضة السياسية في وجه الانتداب الفرنسي . ابتدأ عمل أنطون في دمشق بصورة متواضعة عبر إقامة اتصالات سياسية بسيطة وممارسة العمل الصحافي ، فكتب عدة مقالات في السياسة الخارجية حمّلها أفكاره القومية وكتب في الفنون وغير ذلك من المواضيع على صفحات اليوم والقبس . إلى جانب هذه الكتابات مارس سعاده التعليم لاكتساب رزقه فيما كان يتابع اتصالاته السياسية ، لكنه سرعان ما اصطدم بعقلية السياسيين التقليديين والوجهاء . ومن بين وجوه هذه الصدامات عدم السماح له بإلقاء محاضرة في 'المجمع العلمي' في دمشق بعد اطلاع رئيس المجمع على محتواها . إمام تشابك هذه العوائق السياسية ، رأى أنطون ان ينتقل إلى بيروت ويدرس إمكانية العمل السياسي الحزبي فيها
في بيروت عام 1931 بدأ أنطون سعاده محاولاته لتشكيل حزب جديد مستفيداً من تجاربه في البرازيل ودمشق . وركز أنطون على عمله في بيروت على مستويين : المستوى الأول هو في انتقاء وتنمية العناصر الصالحة للعمل الحزبي الجديد من بين الشباب المثقف . كان معظم هؤلاء الإفراد من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت حيث كان أنطون سعاده يعطي دروساً خصوصياً في اللغة الألمانية خارج ملاك الجامعة . فكانت هذه فرصة للالتقاء بطلبة الجامعة وأساتذتها . وكان سعاده يقيم في رأس بيروت على مقربة من الجامعة ، فتوطدت عرى الصداقة بينه وبين الطلاب وعائلاتهم
أما المستوى الثاني لعمله فكان في إيجاد المنابر الصالحة لبث الأسس العامة لدعوته . لذا كان يحاضر في تجمعات عديدة وجمعيات طلابية مثل 'العروة الوثقى' و'جمعية الاجتهاد الروحي للشبيبة' و 'النادي الفلسطيني' . وكانت نصوص هذه المحاضرات تحمل اسم الدعوة بخطوطها العامة لتهيئة الجو الثقافي – السياسي العام من دون الإعلان عن الجسم السياسي الحزبي الذي كان قيد التكوين
وفي خريف 1932 ، أسس سعاده 'الحزب السوري القومي الاجتماعي' بصورة سرية من أربعة أعضاء فقط . وكانت المواد الثقافية التي قامت عليها الدعوة في أول عهدها قليلة تقتصر على نصوص المبادئ (دون الشرخ الذي يأتي لاحقاً) ونصوص محاضرات سعاده القليلة . ونما الحزب تدريجياً في ظل عاملي الاعتناق التتابعي والإدخال السري البطيء. وفي عام 1933 أعاد أنطون سعاده إصدار المجلة في بيروت لتساهم في نشر وتوضيح أسس النهضة التي يسعى إليها الحزب. وعلى صفحات المجلة ظهرت للمرة الأولى في الوطن دراسات تحليلية لمعنى الأمة أصبحت فيما بعد نواة كتاب أنطون سعاده العلمي نشوء الأمم. وعلى صفحات المجلة ظهرت أيضاً نصوص محاضراته في الأندية الثقافية الطلابية ومقالات نقدية وتوجيهية في الأدب والثقافة القومية
وفي هذه المرحلة التأسيسية جرت اختبارات سياسية وإدارية عديدة ساهمت في دفع الجسم الحزبي في الاتجاه السليم. وكان أنطون سعاده حريصاً أشد الحرص على تفادي الأخطاء الماضية وعلى حماية الحزب من مساوئ الفردية والتسرع والارتجال. وترافق النمو ووضوح تفاصيل تنظيمية وصياغة نظامه ودستوره. وبعد ثلاث سنوات من تأسيسه، بات الحزب يضم نخبة الشباب المثقف في البلاد. وكانت موارد سعاده المالية ضحلة إذ كان يكسب القليل من مهنة التعليم، لكنه رغم ذلك كان لا يكفّ عن العمل والنضال، قاطعاً مسافات طويلة لتنمية نشاط الحزب في مناطق الجبل والبقاع والداخل الشامي وطول الساحل السوري حتى شماله
في الأول من حزيران/يونيو سنة 1935، أقام الحزب اجتماعه العام الأول في بيروت في منزل أحد مسؤوليه، نعمه ثابت. والجدير بالملاحظة أنّ سرية الحزب لم تتعرض لأي خطر من جراء هذا الاجتماع العام للمسؤولين نتيجة النظامية الدقيقة والتحضير المتين. في هذا الاجتماع تعرّف الأعضاء إلى سعاده كزعيم للحزب في موقع رسمي بعد أن كانت ظروف العمل الحزبي السري وطبيعة الاعتناق التتابعي لا تسمح بظهور هذه العلاقة المميزة إلى العلن الحزبي. في هذا الاجتماع ألقى سعاده خطاباً مكتوباً من أهم الوثائق الفكرية-الثقافية التي تشرح العقيدة القومية السورية وطبيعة النهضة التي يهدف إليها الحزب
بعد نجاح هذا الاجتماع وصلت على مسامع سعاده معلومات تفيد أن سلطات الانتداب تشك في وجود الحزب. ولعل سعاده شعر بعد نجاح المؤتمر الأول أن الحزب قد اجتاز مرحلة الاختبارات السرية وأنّ الحزب قد اجتاز مرحلة الاختبارات السرية وأنّ اضطراد نموه يحتاج إلى الظهور العلني، فبدأ يفكر بجدية في أسلوب الإعلان عن وجود الحزب لكن سلطات الاحتلال كانت الأسبق إلى العمل وقامت قواتها باعتقال سعاده وعدد من معاونيه يوم السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1935، بتهمة 'تشكيل جمعية سرية هدفها الإخلال بالأمن العام والإضرار بأراضي الدولة وتغيير شكل الحكم'
كان الاعتقال الأول امتحاناً لأهلية الحزب الجديد لبقاء والاستمرار وامتحاناً لأهلية سعاده للقيادة والمواجهة العلنية الصريحة مع القوى المناهضة للحزب. وظهرت خلال مراحل السجن الأولى ثم المحاكمة مميزات عدة من شخصية سعاده، إذ أعلن لمعتقليه عن مسؤوليته الكاملة عن تأسيس الحزب، شفوياً وخطياً، وآزر معاونيه على تحمّل أعباء الأسر، وحافظ خلال مراحل التحقيق والمحاكمة على أولوية استمرار الحزب، فكان امتحان الاعتقال دليلاً جديداً على ميزة هذا الحزب. فكان امتحان الاعتقال دليلاً جديداً على ميزة هذا الحزب. وصدر حكم المحكمة المختلطة (فرنسية-لبنانية) بسجنه ستة أشهر أكمل خلالها مؤلفه العلمي نشوء الأمم
عند خروجه من السجن يوم 12 أيار/مايو، وجد سعاده نفسه أمام عدة متناقضات على الساحة السياسية والحزبية. لقد أثار الحزب الكثير من الاهتمام والإقبال على الانتماء من بعض الأوساط، ولكنه في الوقت ذاته دفع بالقوى المناوئة إلى الاستعداد لمحاربته. علنية الحزب جعلته هدفاً واضحاً للقوى المعادية وللمؤسسات الدينية والسياسيين التقليديين. ثم إنّ العمل العلني أوجد ضرورات لتغيير أسلوب العمل وجعل سعاده يتحمل أعباء دور القيادة السياسية والزعامة الحزبية بشكل أكثر كثافة من ذي قبل. فتحوّل 'الأستاذ' والمفكر العائد من المهجر والقائد السري إلى زعيم سياسي من نوع جديد
كان همّ سعاده في هذه الفترة إعادة تحصين الحزب وإصلاح ما تداعى من بنيانه خلال الاعتقال الأول، لكن الأحداث السياسية تسارعت وأدت بعض التعقيدات إلى سجنه للمرة الثانية في 26 حزيران/يونيو 1936، أي بعد أقل من ستة أسابيع من انتهاء فترة سجنه الأول. وأتسمر سجنه الثاني حتى 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 1936
خلال سجنه الثاني عمل سعاده كعادته عل الاستفادة من عزلة الأسر للتأليف وأنجز خلالها كتابه شرح مبادئ الحزب وغايته
عند خروجه من الاعتقال وجد سعاده أنّ نشاط القوى المعادية قد أخذ أشكالاً تنظيمية جديدة إذ أخذت تظهر على الساحة السياسية عدة أحزاب طائفية مذهبية. وبعد عمل دؤوب على حل المشاكل الحزبية التي طرأت أثناء سجنه، وضع سعاده الحزب على مسار المشاركة الفعلية الكثيفة في الحياة السياسية والثقافية في البلاد. وتمثلت هذه المشاركة عبر الاتصالات السياسية الواسعة وإصدار البيانات والمذكرات في شؤون الانتداب، ومسألة الإسكندرونة، والعلاقات بين الكيانات السياسية السورية، والاشتراك في المؤتمرات وإقامة الاجتماعات الحزبية العلنية في المناطق. وأثار هذا النشاط الباهر مخاوف السلطات المناوئة فاستفادت من حادث بسيط خلال احتفال حزبي في بلدة بكفيا لشنّ حملة على الحزب واعتقال زعيمه.. فدخل سعاده السجن للمرة الثالثة في 10 آذار/مارس 1937 ولم يخرج منه حتى 15 أيار/مايو 1937
تنبه سعاده إلى مخاطر السجن المتكرر على سلامة الحزب وفرص نجاح العمل السياسي ، فكان خروجه من السجن الثالث نتيجة 'هدنة' بين الحزب والحكومة اللبنانية ، وقد استفاد سعاده من ظروف هذه الهدنة لإصدار جريدة حزبية يومية هي جريدة النهضة التي ظهر عددها الأول يوم 14 تشرين الأول/أكتوبر 1937
على صفحات النهضة ظهرت مواهب النخبة الثقافية الشابة التي كان سعاده قد اهتم باستقطابها إلى الحزب . وكان سعاده يكتب بشكل يومي ن ويتناول مسائل السياسة الخارجية ، ومسائل الأمور الفكرية العامة ، ونقد القوى السياسية المناوئة ، ولا سيما مقالاته في الرد على البطريرك الماروني ، والأحزاب اللبنانية ، ومقالاته حول الكتلة الوطنية الشامية
وفرّت النهضة لسعاده وحزبه منبراً واسعاً في المسائل السياسية والفكرية ووجوداً مميزاً على الساحة القومية. لكن هذا النجاح كان دائماً عرضة لحملات قوى الحكومة وقوى الانتداب. في تلك الأثناء كان سعاده يعمل على تأمين دعم مادي ثابت وقوي يحلّ الأزمة المادية المستمرة في الحزب، ودعم انترناسيوني يفعل التفاف الجاليات السورية حول قضية الحزب ، وفي خريف 1937 بدأ سعاده ومعاونيه بالتحضير لجولة على مراكز الاغتراب السوري لتوفير سبل الانتقال بالحزب إلى مرحلة القدرة على تحقيق أهدافه ، وفي هذه الأثناء أصدر سعاده في بيروت أوائل 1938 الطبعة الأولى من كتاب نشوء الأمم
في الأشهر القليلة قبل مغادرته بيروت وضع سعاده مع معاونيه العديد من الخطط الهادفة إلى الاستفادة من الفرص السياسية ، حين توافرها ، للقيام بعمل حاسم في سبيل التحرر من الانتداب . ومن بين هذه الخطط كان التمرد المسلح أحوجها إلى الدعم المادي والسياسي الذي أمل القوميون بالحصول عليه من الجاليات السورية في المهجر
مع حلول ربيع 1938 بدأت العلاقات بين الحزب وسلطات الانتداب تتأزم وشعر سعاده والمسؤولون في الحزب بقرب عودة حالة الاضطهاد ، فسارع إلى مغادرة بيروت ومنطقة الانتداب الفرنسي قبل ان تكتمل مراحل التحضير لرحلته . سافر سعاده إلى الأردن بجواز سفر يحمل اسم (أنطون خليل مجاعص) مما مكنه من اجتياز مراكز الحدود دون ان تنتبه السلطات إلى سفره إلا بعد حين . ما إن غادر سعاده بيروت حتى قامت سلطات الانتداب بمداهمة مراكز الحزب بقصد اعتقال سعاده وعطلّت صحيفة النهضة ومنعت العمل الحزبي بشتى الوسائل . في ذلك الوقت ، انتقل سعاده من الأردن إلى فلسطين ، حيث تفقد فروع الحزب في مدن الساحل الفلسطيني ، ثم انتقل إلى قبرص في انتظار اكتمال التحضيرات لرحلته إلى المهاجر السورية
أمضى سعاده بضعة أسابيع في قبرص غادر بعدها إلى رومة ومنها إلى برلين ، بدعوة من فرع الحزب هناك ، الذي نظم له محاضرة ألقاها بالألمانية في جامعة برلين . وفي هذه المحاضرة ظهرت للعلن للمرة الأولى أفكار سعاده حول الحدود الشرقية للوطن السوري وموقع جنوب العراق في هذا الوطن ، إذ كانت النصوص الأولى للمبادئ تشير إلى ضفاف دجلة فقط . وقد كان هذا الموضوع محور مباحثات علمية داخل الحزب قبل رحلة سعاده لكن محاضرته في برلين هي أول مظهر واضح لهذه الأفكار
كلن وصول سعاده إلى البرازيل في كانون الأول/ ديسمبر 1938 حيث استقر في سان باولو مدينة صباه .
وخلال الأسابيع الأولى من زيارته التقى سعاده العديد من أعيان الجالية وأبنائها وأصحاب الصحف والمثقفين والأدباء . لكن هذه الحفاوة تبددت حين تبين لأعيان الجالية التقليديين أن اتجاهاً جديداً في العمل السياسي وقيادة جديدة في السياسة والأدب والثقافة آخذة في توطين أسسها في المهجر مع دخول الحزب السوري القومي الاجتماعي . وتبين سريعاً لأعيان الجالية التقليديين ان زيارة سعاده ليست زيارة عادية عارضة بل زيارة هادفة مصممة على توجيه جهود الجالية في خطة سياسية دقيقة
تزامنت هذه التحولات مع تداخل جهود محازبي فرنسة وعملائها وسعيهم مع السلطات البرازيلية لتعطيل عمل سعاده في البرازيل . في هذه الأثناء كان سعاده يعدّ لإصدار صحيفة في البرازيل تحمل صوت النهضة تحت اسم سورية الجديدة . وصدر العدد الأول من هذه الجريدة الأسبوعية في 11 آذار /مارس 1939 . وفي 23 آذار م مارس 1939 أقدمت قوات الأمن البرازيلي على اعتقال سعاده وأثنين من معاونيه بتهمة الدعوة للسياسة الفاشستية والمّس بسلامة العلاقات الإنترناسيونية للدولة البرازيلية . وسارعت الجهات المثقفة إلى الدفاع عن سعاده ، فأرسل رئيس جمعية الصحافة في سان باولو رسالة استفهام إلى دائرة الأمن العام . وخلال فترة الاعتقال تقدم قنصل فرنسة بطلب تسليم سعاده لتحاكمه سلطة الانتداب ، لكن السلطات البرازيلية رفضت الطلب . وبعد تحقيق قضائي دقيق ، تبين للمحكمة براءة سعاده من التهم الموجهة إليه ، وأفرجت عنه وعن معاونيه في 30 نيسان/أبريل 1939
إثر خروجه من السجن اهتم سعاده بتنظيم العمل الحزبي والصحفي في سان باولو ن ثم غادرها بعد أسبوعين إلى الأرجنتين . وهناك بدأ بالاتصال بالصحافة الأرجنتينية والصحافة السورية وإلقاء المحاضرات والاحاديث في اجتماعات الجالية . وتابع في هذه الأثناء اهتمامه بجريدة سورية الجديدة وأعمال الحزب في الوطن والمهجر
طال بقاء سعاده في الأرجنتين . ومع حلول أيار/مايو 1940 حاول تجديد جواز سفره عبر السفارة الفرنسية هناك ، لكن السفارة رفضت ذلك
وفي حزيران/يونيو 1940 أصدرت سلطات الانتداب في لبنان حكماً غيابياً قضى بسجنه عشرين سنة وإقصائه عشرين سنة أخرى ، فأًصبح سعاده نتيجة ذلك شبه أسير ضمن حدود الجمهورية الأرجنتينية لا يستطيع مغادرتها ويكاد إذن البقاء فيها أن ينفد ، فسارع إلى التقدم بطلب إقامة رسمية ، وقد استجيب طلبه في آب/أغسطس 1941 .بسبب هذه التعقيدات الإدارية القانونية اضطر سعاده ان يلزم الأرجنتين حتى عام 1947
وفي عام 1941 حاول ان يجد مخرجاً للعودة إلى الوطن عبر مناطق الانتداب البريطاني ، وجرت مباحثات في هذا الصدد مع الحكومة البريطانية لكن هذه المحاولات لم تصل إلى نتيجتها المنشودة
مع انقطاع الاتصال بمركز الحزب في الوطن اضطر سعاده إلى البقاء القسري في الأرجنتين ، تحولت رحلته من جولة منظمة في المهاجر السورية لا تتعدى السنتين إلى اغتراب قسري يشبه النفي القضائي الذي كانت سلطات الانتداب قد حكمت به عليه عام 1943
ومع اضطراره للبقاء في الأرجنتين وضرورات العمل الحزبي فيها ، رأى سعاده ان يصدر جريدة فيها اسماها الزوبعة ذلك ان سورية الجديدة في البرازيل كانت عرضة لمشاكل إدارية وسياسية مستعصية بسبب شراكة ملكيتها حالت دون التزامها دائماً سياسة الحزب ، ولا سيما اعتماد موقف الانحياز في الصراع الدائر بين دول المحور والحلفاء . مع إصدار الزوبعة وجد سعاده منبراً جديداً لآراء الحزب ، وعلى صفحات هذه الجريدة الأسبوعية ظهرت أهم كتاباته الفكرية والسياسية . صدر العدد الأول من الزوبعة في أول آب/أغسطس 1940 ، وسرعان ما تحولت النشرة إلى منبر للأبحاث الفكرية العالية ، ففي تشرين/أكتوبر 1940 نشر المقال الأول من سلسلة 'جنون الخلود' التي استمرت حتى ايار/مايو 1942 وفيها تناول مسائل الأدب والدين والفلسفة والعروبة . وأتبع ذلك في صيف 1942 بسلسلة مقالات حول الأدب جمعها في كانون الأول/ديسمبر عام 1942 في كتاب الصراع الفكري في الأدب السوري
|