| Registered Member
Offline Posts: 1,142 Thanks: 42
Thanked 65 Times in 49 Posts
Last Online: 5th October 2009 Join Date: Fri Apr 2006 | Allumage -
16th December 2006
المعيش والمكتوب في حياة مؤرخٍ وجيه كوثراني
"قيل لنا ان في التاريخ عبرة، واننا نتعلّم من التاريخ دروساً تمكننا من تجنب الزلل (...) ولكن الذي تعلمته انا من امعاني في درس التاريخ، تعليماً وكتابة ومناقشة هو ان هذا شيء فيه من خداع النفس الكثير، ولو ان في الامر صحة، لكان العالم تجنب الاخطاء التي يرتكبها قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل، وسنة بعد سنة...".
القول هذا لنقولا زيادة، اي لمؤرخ كبير، عاصر قرناً طويلاً من التاريخ، ومارس التأريخ ردحاً طويلاً من الزمن. وبين التاريخ والتأريخ والسيرة جال نقولا زيادة في حضارات قديمة ووسيطة وحديثة، ومارس حقولاً في التأريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، واختبر مدارس واتجاهات ونظريات وفلسفات... وكانت النتيجة تفاعلاً خلاقاً بين الذات والموضوع، امتد على مشهد قرن طويل.
و"القرن الطويل"، بتعريف صاحب الاصطلاح المؤرخ فرناند بروديل، هو قرن التحولات العالمية الكبرى، القرن الذي يأخذ بتشكله التاريخي الحاسم وبتشكيله لعالم جزءاً من سابقه كمنطلق وجزءاً من لاحقه كتداعيات ونتائج، شأن القرن السادس عشر في منظار بروديل.
ولعله جاز ان نقول على قاعدة القياس ايضاً، ان القرن العشرين هو قرن التحولات الكبرى ذات المدى الطويل. نقولا زياده عاصر هذا القرن المدوّخ بانعطافاته غير المتوقعة، ومفاجآته غير المنتظرة، وانفجاراته التي لم تخضع لحساب استراتيجي او توقع مؤرخ...
وقرن نقولا زيادة حيث نقرأ مشاهده في "ايامي" (أي أيام نقولا زياده) قرن عصي على الفهم العقلاني (كما يبدو)، وعصي على التحديد او الترسيم التاريخاني.
لذلك – وعلى ما يبدو – حق لنقولا زياده ان يتساءل في العام 1992 يوم تكريمه مؤرخاً في الحركة الثقافية في انطلياس "هل ثمة عبرة من التاريخ"؟ ويأتي جوابه بعد طول تأمل "ان العالم لا يَعتبر"، لأنه لا يتجنب الاخطاء الماضية. والاخطاء في ذهنه هي الحروب والفتن وسفك الدماء والدمار... وإذ أتأمل في هذا الجواب، اتساءل: هل كان نقولا زياده المؤرخ بامتياز يرفض، او يتحفظ عن ان يكون خلدونياً في اعتبار التاريخ "عبراً"، او هيغليا في اعتبار التاريخ "درساً"؟
هل هي رد الفعل على التاريخانية المتفائلة بشقيها: شق جدلية الليبرالية وشق جدلية المادية التاريخية فيها، وكلتاهما بنهاية سعيدة للتاريخ، اي للصراع في الزمن التاريخي؟
هل هو من قبيل الميل الى نظرية تردي التاريخ، ولا سيما التاريخ الغربي، شأن نظرة شبنغلر او توينبي "المتشائمة"؟ ما اعرفه ان نقولا زياده ترجم توينبي، وكان معجباً بنظريته في التحدي باعتبارها استجابة للتحدي الغربي. وأذكر انها كانت محاضرة في كلية الآداب – الجامعة اللبنانية، وكنت تلميذاً، وكانت اول درس افيد منه في التاريخ ومن التاريخ.
على ان اليقين هو ان نقولا زياده اطلع على شتى نظريات التاريخ وفلسفاتها وكانت النتيجة قوله بعد نضج وابداع: "لم اقبل انا بأي من هذه النظريات، ولكني لم اضف اليها واحدة. كل ما عملته هو انني تقريت احداث التاريخ في مسارها، وتتبعت تطور الحضارات في مساقها، وسرت مع البشرية في شعابها، وكنت اتوقف بين الفينة والفينة محاولاً استقراء السبب في التقدم والتأخر، في النهضة او في الاسن، وفي الانفتاح او في التقوقع...".
إذن من المفارقة في ظاهر الحديث القول ان "لا عبرة من التاريخ" من جهته والقول بـ"استقراء السبب في التاريخ" في المقابل، ولكن لا تلبث المفارقة ان تزول او ان تفهم عندما نتنبه ان نقولا زياده قال: "ان العالم لا يعتبر" ولم يقل إن المؤرخين والباحثين والعلماء "لا يعتبرون". وهنا أقول: لعل العبرة الاسمى والاعمق في المفارقة الظاهرة هو تمييز نقولا زياده الضمني بين العالم (بكسر اللام) والعالم (بفتح اللام)، فالعالم بسياسييه وحكامه وجمهوره يعيد انتاج التاريخ حروباً و"اخطاء"... اما العالم، فهو الانسان الذي يحاول ان "يستقري السبب". ولعل هذا ما كان يؤرق نقولا زياده في معايشته للقرن المدوّخ.
والمتابع لأعمال نقولا زياده في مباحثه التاريخية المتلاحقة، في سيرته الغنية ذات الثراء في متابعة الحدث والزمن والمكان، والاسم والرقم والشهر والسنة واليوم، يُلاحظ في عملية استقرائه للأسباب خروجاً من أسر الايديولوجيات الكلية والتخفف من ثقلها ووطأتها على العيش والذاكرة والتاريخ. ولنلاحظ كتجل من تجليات هذا المسار، استخدامه لتعبير "الاخلاص والصدق" في العمل كبديل من استخدام تعابير "العلمية" و"الموضوعية" التي ابتذلها الخطاب الايديولوجي في التاريخ.
لقد استدخل نقولا زياده اخلاقيات الاخلاص والصدق في البحث والكتابة والعيش اليومي، فتجلّى علمه تواضعاً وغزارة كالنهر المنساب الهادىء، وبحثه التاريخي تصالحا مدهشاً بين الذاكرة المعيشة والتاريخ المكتوب، بين القلق المعرفي المتوثب واطمئنان الضمير لقيامه بالواجب.
مؤرخ
السبت 16 كانون الأول 2006 |
| | |