لم اجد اجمل من هذه المقالة لمي زيادة لافتتح موضوعي : موضوع التربية ودورها في قتل النفوس والعقول المفكرة والابداع اللانساني قتل النفوس
رأيتها تنظر إلى الأشجار بعينين كئيبتين وشفتاها مطبقتان
كأن قبلة الأسف طُبعت عليهما. كانت لي رفيقة في الصغر:
تعلمنا شهوراً في مدرسة واحدة، و درسنا أمثولة واحدةً ،
و سمعنا إرشاداً واحداً ، وكبرنا فكانت تلك العلاقة الواهية
متينة بيننا.
قلت ((ما لي أراكِ حزينة)) ؟
قالت ((يحزنني الربيع))
قلتُ (( اخبريني مابكِ)) !
قالت ((يحزنني الربيع. يحزنني أن أرى مواكبه الجميلة تسير
في الفضاء فلا يراه البشر إلا من كوى ضيقة نُقبت في الجدران
الحديدية التي أقامها المجتمع حول الأرواح. ويحزنني ألا أكون
مستقلة بكوّتي و أن يكون للآخرين حقوق عليها يفتحونها
ويغلقونها كيفما شاؤوا لا مثلما أريد)).
قلت ((ماذا يحزنك)) ؟
قالت ((يحزنني الربيع. تحزنني هذه الأزهار الزرقاء
والصفراء والحمراء. انها على أطراف الأغصان و تبرز
جمالها وسط جمال الكون. انها تستنشقُ الهواء بكل ما فيها
من قابلية وتتمتع بالحياة بكل ما فيها من استعداد. فلما قُدّر
على بني الانسان أن يكونوا دون البنات حريةً))؟
قلتُ ((قولي لي سبب حزنك )) ؟
قالت ((مسألة تافهة أعادت اليّ التأمل في هذا الصباح كما
نبهتهُ فيّ قبل الآن. لي شقيقة تقكن الاسكندرية مع زوجها-
ولي بها ولها بي ولع عظيم فنتكاتب مرة في الأسبوع . على أن
تمرّ رسائلها تحت نظر والدي و والدتي و أخي و أختي و أخي
الأصغر حتى تنتهي إليّ بالتالي لأنني أحدث افراد العائلة سنا.
ولا يُلقى خطابي اليها في صندوق البريد إلا بعد أن يطلع عليه
وينتقده ذويَّ . مع أن مراسلتنا عادية ساذجة، لاأهمية لها
إلا بكونها جزءاً من حياتنا . وليس لديّ من سرٍّ أخفيه
ولكني أريد أن أحفظ حقي في أن يكون لديّ أسرار. وهذه
المعاملة تعذبني منذ شهور لأنها تنمّ عن ضعف ثقتهم بي وأنا لم
افعل قط مايستوجب سوء الظن. و صرتُ أتألم كلما وردت
إليّ رسالة لأنها تذكرني بأن في بيتنا قلم مراقبة منظم)).
ورفعت رأسها ناظرة إلى الزهرات الفرحة بأنفاس الربيع
و أرسلت زفرة عميقة، ثم قالت ((معاملة كهذه تحملني على
الشك في صلاحي و كرامتي . و قد يدفعني الغيظ والكبرياء إلى
فعل ما لاأفعلهُ لو كان لأهلي بي ثقة. النبات حرٌّ فلماذا
لايكون الناس أحراراً)) ؟
مسألة تافهة في ذاتها . ولكنها تتكرر بين الوالدين و الأبناء
فتقضي إلى أحد اثنين : التمرد أو العبودية و كلاهما سيء. بل
العبودية وحدها ممقوتة و التمرد نبيل في الغالب يدلّ على القوة
والحياة . ولكن كثيرا هم الأبناء الذين يجدون ضغط الوالدين
على حريتهم أمراً طبيعيا فلا يتألمون لأن نفوسهم عقيمة قاحلة
لاينمو فيها غير الشوك و العوسج.
يتألف التهذيب من أعمال وحركات متتابعة مدة أعوام بين
الآباء و الأبناء كما يتركب تمرين الأعضاء من حركات مستطردة
يأتيها الفرد في أوقات معينة فتكسبه خفةً ورشاقة
وانتظاما.
وإن لم يروّض المرء اعضاءَ ه ضعفت وأمست ضخمة الشكل
بطيئة الحركة، و قد يذهب به الجمود إلى فقد الصحة.فما الخلل
الذي نراه الآن في تربيتنا إلا نتيجة جمود الأعضاءالمعنوية من
نشء الأجيال الماضية ولأننا جميعاً عبيد الجهل المقيم والضغط
القديم.
لماذا تراقب مراسلات الفتيات ؟ سمعتُ عن رجلٍ ينهي
شقيقتهُ عن مراسلة صديقة لها خوفاً من أن يطلع أخوها
على تلك الرسائل ؛ ثم اتصل بي ان ذلك الرجل يظن نفسُه
حراً أبيا (؟!) يقضي ليلُه وشقيقته هذه حول طاولة البوكر
مع شبان آخرين وفتيات أخريات ؛ ورأيته وإياها يحتسيان
الجعة في حانة يتصاعد فيه جوانبها لهاث السكارى؛ ورأيته فيما
بعد داخلا بها عارية النحر و الذراعين الى المرقص لتنتقل على
وفق الايقاعات الموسيقية من يد رجل إلى يدآخر. فضلاً عما
يجيزه ((تمديننا)) الحديث من مداعبة كلامية يسميها الغربيون
((فلورت)) ويستعملها كثيرون منا دون أن يحاولوا ايجاد
اسم لها.
فكيف نوفق بين النقيضين ؟ بين التساهل في قبول العادات
الأوربية المتفشية بيننا وبين الاستعباد الشرقي الراكد في
مستنقعات نفوسنا؟ ان هذا الخلل في توازن التربية يعذب
الشبيبة ويجعلها أليفة الحيرة والتردد جاهلة بهما قيمة الحياة.
انما الحياة في قيمة ننسبها اليها.فكيف نهتدي الى قيمة الحياة
التي لا تبرز إلا للمنتبه المتيقظ الواثق من حريته في القول و العمل-
كيف نهتدي اليها في هذا التناقض المبين: تناقض الضغط الشديد
والتهور المجازف؟.
انما التربية ترمي الى غاية واحدة هي توسيع دائرة الحياة
و تأهيل الفرد للسير بحذق والتصرف باعتدال بين تشعب الشؤون
مستخرجاً وسائل السعادة والفائدة مما يحيط به. فإن لك تكن
هذه الغاية نصب عيون الوالدين ولم تثقف الناشئة على مبادئ
التهذيب القويم فقدت آمالنا بالمستقبل القريب. وأول قواعد
التهذيب نعرفة الواجب، وشرط معرفة الواجب الشعور
بالحرية.
أقول الحرية وأعنيها ، و هي ليست الاباحية كما يزعم
كثيرون. والفرق بينهما أن للواحدة حدوداً تهدمها الأخرى
وتتجاوزها.
على الوالدين أن يقوموا بما عليهم نحو الأبناء ثم فليتركوهم
وشأنهم يأتون ما يميلون اليه والضمير الحي يراقبهم والخلق القويم
يحميهم.فإن جاء عملهم بخير كان فيه تعزية وتشجيع على المثابرة
و الاقدام،وإن جاء بشرٍّ كان أمثولة مفيدة ومادة اختبارٍ
ينتفع بها في الكوارث و الرزايا سبل العمر.
كل امرئ يحيا حياتهُ وعليه أن يجد طريقهُ بين متشعب
المسالك، وهو مسؤول عن كل عملٍ يأتيه و يتحمل نتائجه،
انْ فائدة وإنْ أذىً. فالفتاة التي اعتادت الانقياد لآراء والديها
وعجزت عن اتيان عملٍ فرديّ تدفعها اليه ارادتها بالاشتراك
مع ضميرها ، ماهي إلا عبدة قد تصير في المستقبل ((والدة))
ولكنها لا تصير ((أمّاً)) وإن دعاها أبناؤها بهذا الاسم. لأن
في ((الأمومة)) معنىً رفيعاً يسموا بالمرأة إلى الاشراف على
النفوس و الأفكار ؟ والعبدة لا تربي عبيداً. ولا خير في
رجالٍ ليس لهم من الرجولة غير ما يدّعون، ان هم سادوا
فعلوا بالقوة الوحشية وهي مظهر من مظاهر العبودية. أولئك
سوف يكونون أبداً أسرى الأهواء وعبيد الصغائر الهابطة
بهم إلى حيث لا يعلمون، إلى الفناء المعنوي ، إلى الموت في
الحياة.
تربيتنا الناقصة جعلتنا نسيء الظن في كلّ شخصٍ وفي كل
أمرٍ. ريح سموم تهبُّ على المجتمع فتصبغ الجو ومايحويه بلونٍ
قاتم خبيث. ولو أنصف الناس لحكموا على بعضهم بعدلٍ
وصدقٍ فأراحوا واستراحوا. الخير أصلٌ في الحياة وليس
الشرُّ شراً إلا لأننا ، ولاظلام حولنا إلا الظلام المنبثق
من شكوكنا وأحزاننا ومطامعنا.
احتياجنا شديد إلى مثل هذه الكلمة ((ثقوا بالانسان)) !
أما جاءكم خبرُ ذلك العالم الألماني الذي كان يدفع إلى ابنته
اليالغة من العمر 16 سنة رسائلها مختومة. ولما لامهُ أحدُ
أصدقائه أجاب ((ثقتي بالفطرة النسائية عظيمة. لااقرأ رسائل
ابنتي بل أعرض عليها رسائلي. و عوضاً عن أن أشحن دماغها
بآرائي ونصائحي التي قد لا تتفق مع ظروف حياتها أسألها
رأيها في كل ما يشكل عليّ من الأمور. فالمرأة أوفر من
الرجل نبلاً لأنها أقرب منه إلى سرائر الأحوال وقلب
الأشياء)).
مع هذا الرجل الحكيم أقول ((ثقوا بجوهر المرأة ! ثقوا
بابنة اليوم تجدوا أبناء الغد أهلا للثقة))!
(ابريل سنة 1913)