يُعتبَر زرادشت واحداً من أهم الشخصيات الدينية التي أثَّرت على مجرى الحياة الروحية عبر تاريخ الحضارة. ولا تكمن أهمية هذا النبي والمعلِّم الأخلاقي الكبير في مدى الانتشار الجغرافي والزماني للديانة الزرادشتية التي قامت على وحيه وتعاليمه بقدر ما تكمن في مدى تأثير أفكاره على الديانات العالمية اللاحقة.
لا توجد بين أيدينا مصادر تاريخية مباشرة تعيننا على رسم سيرة كاملة لحياة زرادشت، ولكننا نستطيع رسم ملامح عامة لها اعتماداً على المصادر الإغريقية التي تعود إلى القرنين السادس والخامس ق م وعلى المصادر الزرادشتية ذاتها، وأهمها مجموعة الأناشيد التي وضعها زرادشت نفسه، المدعوة بالـغاثا، ومجموعتين من الأدبيات الزرادشتية معروفتين باسم الـأفستا والـأفستا الصغرى، وتحتويان على تعاليم زرادشت وأحاديثه الشفوية التي تُنوقِلت عبر الأجيال وعلى شروح وتعليقات اللاهوتيين الزرادشتيين. وقد تم تدوين هاتين المجموعتين خلال الفترة الساسانية بعد قرون طويلة من التداول الشفهي.
رغم أننا نفهم من الأفستا الصغرى أن زرادشت عاش وبشَّر برسالته قبل عصر الإسكندر بثلاثة قرون، أي فيما بين أواخر القرن السابع وأوائل القرن السادس ق م، إلا أن الباحثين في تاريخ الزرادشتية مختلفون في تاريخ ميلاد المعلِّم. فبينما يرجع به فريق من الباحثين إلى أواسط الألف الثاني ق م استناداً إلى التحليل الفيلولوجي لِلَهجة أناشيد الغاثا التي تشفُّ عن بُنى لغوية مغرقة في القدم فإن فريقاً ثانياً يقبل بالمعلومة الأفيستية ويحدِّد ميلاده في أوائل القرن السادس ق م، ويطابق بين اسم الملك فشتاسبا الذي يتكرر في أناشيد الغاثا واسم والد الملك قورش المدعو هيستابس. وهنالك فريق ثالث يؤرِّخ لمولد زرادشت في مطلع الألف الأول ق م، حوالى عام 900 تقريباً؛ وحجة هذا الفريق قِدَم لهجة أناشيد الغاثا، من جهة، وعدم تعرضها، ولو بالإشارة العابرة، إلى ذكر مملكة الميديين أو الأخمينيين، من جهة ثانية. يضاف إلى ذلك ما تكشف عنه الدراسة المدققة للأناشيد من وجود نظام سياسي كان سائداً خلال حياة الكاتب، يقوم على الإمارات الصغيرة التي لا تخضع لسلطة سياسية مركزية؛ ومثل هذا النظام لم يكن ممكناً بعد عام 900 ق م. هذا التاريخ المتوسط لميلاد نبي الزرادشتية يلقى الآن تأييد معظم الباحثين. أما عن المنطقة التي ولد بها المعلم وعاش سنوات يفاعه إلى أن جاءه وحي النبوة فإن الآراء تتفق على وقوعها في المناطق الشرقية المتطرفة والبعيدة عن المراكز الحضرية التي كانت تعيش على الرعي وتربية الماشية.
عندما ولد زرادشت، على ما تقصُّه الأدبيات الزرادشتية اللاحقة، احتفلت كل مظاهر الطبيعة، وحدثت سلسلة من المعجزات التي رافقت ذلك الحدث المهم في تاريخ الكون وتاريخ الإنسانية. أما الشيطان فقد هرب واختفى من على وجه الأرض؛ ثم ما لبث أن أرسل زبانيته لإهلاك الرضيع. فلما اقتربوا منه تكلم في المهد وتلا صلاةً للربِّ طردت الشياطين. وعندما شب على الطوق جاء الشيطان لكي يجربه ووضع في يده سلطان الأرض كلِّها مقابل تخلِّيه عن مهمته القادمة، ولكن زرادشت نهره وأبعده عنه.[1]
انخرط زرادشت منذ يفاعه في الكهنوت وصار كاهناً على دين قومه (وهو دين هندإيراني شبيه بدين أسفار الـفيدا الهندية). وكان ينتمي إلى فئة خاصة من الكهان تدعى زاوتار، يتميز أفرادها بسعة العلم والخبرة في الشؤون الدينية، ولا يُرسَمون كهنة إلا بعد خضوعهم لتدريب طويل يتمرسون إبانه بشتى المعارف اللاهوتية والفنون الطقسية. غير أن هذا الكاهن ما لبث أن انشق على المعتقدات التقليدية التي نشأ عليها وأحدث انقلاباً دينياً كان له أعمق الأثر على الحياة الروحية لإيران وللإنسانية على حدٍّ سواء. فعندما كان زرادشت في الثلاثين من عمره جاءه وحيُ النبوة من السماء يأمره بالتبشير والدعوة إلى دين الله الحق. فبينما كان الكاهن الشاب يشارك في إحدى المناسبات الطقسية دعت الحاجة إلى بعض الماء، فتطوَّع زرادشت لجلبه ومضى إلى النهر القريب حيث خوَّض حتى ركبتيه وملأ وعاءه. وبينما هو خارج من الماء،[2] تجلَّى له على الضفة كائن نوراني، فخاف لدى رؤيته وهمَّ بالرجوع. ولكن الكائن كلَّمه وطمأنه قائلاً بأنه فوهو ماناه، أحد الكائنات الروحانية الستة التي تحيط بالإله الواحد أهورا مزدا وتعكس مجده. ثم أخذ الملاك بيد زرادشت وعرج به إلى السماء حيث مَثُل في حضرة أهورا مزدا والكائنات الروحانية المدعوة بالأميشا سبنتا؛ وهناك تلقَّى من الله الرسالة التي وجب عليه إبلاغها لقومه ولجميع بني البشر.
بعد تلقيه الرسالة انطلق زرادشت يبشر بها في موطنه وبين قومه مدة عشر سنوات، ولكنه لم يستطع استمالة الكثيرين إلى الدين الجديد. فلقد وقف منه الناس العاديون موقف الشك والريبة بسبب ادعائه النبوة وتلقي وحي السماء، بينما اتخذ منه النبلاء موقفاً معادياً بسبب تهديده لهم بعذاب الآخرة، ووعده للبسطاء بإمكانية حصولهم على الخلود الذي كان وقفاً على النخبة في المعتقد التقليدي. ولما يئس النبي من قومه وعشيرته عزم على الهجرة من موطنه، فتوجَّه إلى مملكة خوارزم القريبة، حيث أحسن ملكها فشتاسبا استقباله، ثم اعتنق هو وزوجته الزرادشتية وعمل على نشرها في بلاده. ولكن ملوك المناطق المجاورة طالبوا فشتاسبا بنبذ الزرادشتية والرجوع إلى دينهم التليد، وانتهزوا الفرصة للإغارة على حدود بلاده، فدخل معهم في حروب طاحنة خرج منها منتصراً. وبذلك تم فتح الطريق أمام الزرادشتية للانتشار التدريجي.
عاش زرادشت عمراً مديداً، ووجد الوقت الكافي لنشر رسالته والعمل على تبسيط تعاليمه الأولى التي أوردها في الأناشيد، وذلك بلغة تقرِّبها إلى أفهام عامة الناس وتستميلهم إليها. تزوج ثلاث مرات وأنجب ثلاثة ذكور وثلاث بنات؛ وكانت ثالث زيجاته من ابنة الوزير الأول لمملكة خوارزم. بعد وفاة الملك فشتاسبا سادت الفوضى في المملكة وفقد زرادشت سنده وحاميه؛ فكان عليه أن يكافح ويصمد بقواه الخاصة؛ وهي مهمة حققها بنجاح بعد نضال شاق وطويل. إلى هذه الفترة العصيبة يرجع قانون العقيدة الزرادشتي الذي يجب على المؤمن فهمه وإعلانه لدى دخوله في الدين الجديد، وفي مقدمته الشهادة التي تقول: "أشهد أني عابد للإله أهورا مزدا، مؤمن بزرادشت، كافر بالشيطان، معتنق للعقيدة الزرادشتية، أمجِّد الأميشا سبنتا الستة، وأعزو لأهورا مزدا كل ما هو خير." لدى نطقه بهذه الشهادة يكون الفرد قد انسلخ عن الدين القديم وصار عضواً في جماعة المؤمنين.
ذاع صيت زرادشت في العالم القديم. فاعتبره الإغريق سيداً للحكمة وللمعارف السرَّانية؛ وعزا إليه الفيثاغوريون تأثيراً مباشراً على معلِّمهم فيثاغوراس؛ ونظر إليه فلاسفة الأكاديميا بإكبار وإجلال باعتباره مؤسِّساً لفلسفة الثنوية؛ ثم رأت فيه المسيحية المبكرة مبشراً بقدوم السيد المسيح بسبب تعاليمه حول المخلِّص المنتظر الذي سيأتي في آخر الأزمان.[3] وعندما ظهرت المدارس الغنوصية في سورية ومصر خلال القرون الأولى للميلاد وجدت في زرادشت واحداً من معلِّميها الكبار. ثم جاء ماني، المعلِّم الثاني لمعتقد الثنوية، فاعتبر زرادشت ثالث الأنبياء العظام الذين سبقوه، إضافة إلى موسى ويسوع. وفي العصور الحديثة أصبح زرادشت موضع اهتمام الأوروبيين منذ عصر النهضة. وكان الفيلسوف الألماني نيتشه من أكثر الفلاسفة المحدثين إعجاباً به، واستعار اسمه لحكيم كتابه هكذا تكلم زرادشت.
المعتقد الزرادشتي
يتميز المعتقد الزرادشتي بابتكاره لمفهوم الوحدانية الثنوية. وصفة الثنوية هنا لا تلغي صفة الوحدانية، لأن مفهوم الثنوية الزرادشتي يقف في تعارض مع مفهوم التعددية، ولكنه لا يتعارض مع الوحدانية، بل يتلازم معها؛ ذلك أنه يقدم أكثر التفسيرات منطقية لوجود الشر في العالم. فأهورا مزدا واحد لا ثاني له في الألوهة، خالق كل ما هو خيِّر وحسن، ولكنه ليس مسؤولاً عن وجود الشر في العالم، ولم يكن ليرتضي وجوده منذ البداية؛ بل لقد سعى إلى مكافحته بكل السبل والوسائل؛ ولسوف ينتصر عليه في معركة تمتد على مدى تاريخ الكون والإنسان. وستشهد نهاية هذا التاريخ غلبة جند الحق على جند البهتان واختفاء الشيطان وأعماله إلى الأبد.
خلق العالم الروحاني
في البدء لم يكن سوى الله – أهورا مزدا: وجود كامل وتام وألوهة قائمة بذاتها مكتفية بنفسها. ولكن هذه الألوهة اختارت أن تخرج من كمونها وتُظهِر سواها إلى الوجود؛ فكان أول خلقها روحان توأمان هما سبنتا مانيو وأنغرا مانيو. ولكي يكون لهذين الروحين وجود حقيقي مستقل عن خالقهما فقد خصَّهما الله بالحرية التي استخدماها منذ صدورهما عنه، فاختار سبنتا مانيو الخير ودعي بالروح القدس، واختار أنغرا مانيو الشر ودعي بالروح الخبيث، ثم راح يتحفز للانقضاض على خلق الله القادم ويقاوم كل عمل حسن له.
هذا الخيار البدئي كان بمثابة النموذج الأسبق لكل خيار أخلاقي لاحق يقوم به الإنسان، دونما جبرية أو قدرية من أي نوع؛ إذ إن الإنسان سوف يُخلَق حراً أيضاً، والحرية سوف تقوده إلى الاختيار؛ والاختيار هو جوهر الأخلاق. وبذلك يقوم المعتقد الزرادشتي على ثلاثة عناصر رئيسية هي: الحرية والاختيار والمسؤولية الأخلاقية. إن صيرورة الوجود بكامله سوف تعتمد على كيفية استخدام الذوات الواعية من أهل السماء والأرض لهذه المعطيات. يقول زرادشت في أحد أناشيد الغاثا:
الحق أقول لكم، إن هناك توأمين يتنافسان منذ البداية. اثنان مختلفان في الفكر وفي العمل. فروح خبيث اختار البهتان وثابر على فعل الشر، وروح طيب اختار الحق وثابر على فعل الخير ومرضاة أهورا مزدا. وعندما تَجابَه الاثنان لأول مرة أبدعا الحياة ونقيضها. ولكن عندما تحين النهاية فإن من اتبع البهتان سوف يُرَدُّ إلى أسوأ مقام، ومن اتبع الحق فسوف يُرَدُّ إلى أسمى مقام.
وبعد الخيار الأخلاقي للتوأمين كان لابدَّ من تعارضهما وتصادمهما ودخولهما في صراع مفتوح. ورغم أن الله كان قادراً منذ البداية على سحق أنغرا مانيو ومحق الشر في مهده، إلا أنه قرر عدم التناقض مع نفسه بالقضاء على مبدأ الحرية الذي أقرَّه وأقام عليه خليقته، وآثر السير بخطته التي تقوم على مقاومة الشر استناداً إلى ذات المبدأ الذي أنتج الشر وهو الحرية. وهنا عمد، بمعونة الروح القدس سبنتا مانيو، إلى إظهار ستة كائنات نورانية قدسية إلى الوجود؛ فشكلت بطانته الخاصة التي تحيط به على الدوام، ويُدعَوْن بالأميشا سبنتا، أي "الخالدون القدُّوسون". وقد أوجدهم الله من روحه كمن يشعل الشموع من مشعل متقد، على حدِّ تعبير أحد مقاطع الأفستا. وتدل أسماؤهم على أنهم ليسوا إلا خصائص مجسِّدة للإله؛ فهم: فوهو ماناه (الفكر المستقيم)، وآشا فاهشتا (الحقيقة الناصعة)، خشاترا فاريا (الملكوت القادم)، وسبنتا أرميتي (الإخلاص)، وهورفتات (الكمال)، وأمريتات (الخلود). وقد شارك هؤلاء الخالق في ما تلا من أعمال الخلق والتكوين، وصاروا حافظين لخلق الله ووسطاء بينه وبين الناس وجميع مظاهر الوجود. ثم إن الأميشا سبنتا خلقوا عدداً من الكائنات القدسية الطيبة تدعى بالأهورا؛ فعهد إليهم أهورا مزدا بمهامهم وأوكلهم مكافحة الشر، كلاً في مجال. وبالمقابل فإن أنغرا مانيو استنهض عدداً من الكائنات المتفوقة تدعى بالدايفا، وعمد إلى تضليلهم، فانحازوا إلى جانبه وراحوا يتهيأون للانقضاض على كل عمل طيب يصدر عن الله. وبذلك تم تكوين عالم الملائكة وعالم الشياطين قبل أن يظهر العالم المادي.
فوق الروحين المتنافسين وفوق فريق الدايفا والأهورا،[4] يسمو أهورا مزدا في عليائه متجاوزاً ثنائيات الخلق؛ ولكنه يعمل، في الوقت نفسه، على دعم قوى الخير لتدخل في منافسة عادلة مع قوى الشر. نقرأ في نشيد آخر من أناشيد زرادشت المدعوة بالغاثا:
هذا ما أسألك عنه فاصدقني الخبر يا أهورا مزدا.
من هو أبو الحقيقة منذ أقدم الأزمان؟
من رسم للشمس مسارها وللنجوم؟
من جعل القمر يتناقص ويتزايد – مَن إن لم يكن أنت؟
هذا ما أسألك عنه فاصدقني الخبر.
من يمسك الأرض ويرفع السماء من فوقها فلا تقع؟
من فرش الزرع وأجرى الماء؟
من قَرَن جياداً مطهَّمة إلى عربة الريح وعربة السحاب تجرها؟
من خلق الأفكار الخيِّرة – من إن لم أنت؟
هذا ما أسألك عنه فاصدقني الخبر، أيها الإله الحكيم:
أيَّةُ صَنعة مبدعة خلقتْ الصحو والنوم؟
من سخَّر الليل والصباح والظهيرة تذكرة للناس بمهامهم؟
من سخَّر البقر والأنعام لرخاء الناس؟
من يزرع في القلب احترام الوالدين؟
إني أسألك، أيها الإله الحكيم، لأنشر معرفتك بين الأنام.
فأنت العقل الطيب وخالق كل شيء.
بعد أن تأسَّس الشر على المستوى الروحاني عرف أهورا مزدا أن القضاء على الشيطان وأتباعه لن يتيسر قبل خلق العالم المادي، لأن عالم المادة سيكون بمثابة المسرح المناسب للصراع بين جند الحق وجند البهتان. ولسوف يعمد أنغرا مانيو إلى مهاجمة خلق الله بكل ما أوتي من قوة لأنه خلق طيب وحسن. ولكن هذا الهجوم سوف يفتُّ في عضده تدريجياً، حتى يفقد قوته وسلطانه في آخر الأمر، ويُحسَم الصراع لصالح الخير في نهاية التاريخ. عندها يتم تخليص الكون إلى الأبد من شوائب الشر ليعود كوناً حسناً وطيباً إلى الأبد
نبذة من الترانيم والدعوات في الديانة الزردشتية
---------------------------------------------:
انا عالمً أنك الحق و أنك مع العقل النير . هكذا أراك و أرى أيضاً أن الرب الحكيم بالغ العظمة له العرش و القصاص ، بهذا القول من أفواهنا ، سنحول بشر من فرائس للشر إلى كائنات عظيمة.” ترنيمة 2\5 الأفستا زرادشت
رنيمة 31\7\ ( هو الذي ملأ بواسطة العقل في البدء السموات المباركة بالنور،هو الذي خلق ب"مشيئة " الحق الذي أبدع (العقل الخير) هذا الذي زدته أيها "الرب الحكيم" بروحك التي صارت منذ الآن واحدة أيها الرب
يقول زرادشت في الونديداد إحدى أسفار الأفستا : “ حينما ينمو الشعير تنزعج الشياطين و حينما يحصد القمح يغشى على الشياطين فالبيت الذي يدخله القمح تخرج منه الشياطين مذمومة مدحورة .
فالإنسان تركبه الشياطين إذا كان دون الحاجة وإذا كان فوقها أيضاً ، فالشيطان هنا هو الفقر .
ترجمة لنص من نصوص سفر اليسنا وهي قسم االترانيم والدعوات في الأفستا :
"إني أتصورك _ أيها المعطي الأكبر مزدا –جميلاً حينما أشاهد أنك القوة العليا ذات الأثر الفعال في تطوير الحياة وحينما أرى أنك تكافئ الناس على الأعمال و الأقوال . لقد كتبت الشر " عقاباً" على الشر وجعلت السعادة جزاءاً وفاقاً لمن يعمل الخير ، وذلك بفضلك العظيم الذي يظهر أثره ، حينما تتبدل الخليقة التبدل النهائي."
الزردشتية هي عقيدة دينية تتمحور حول ألوهة إله واحد مطلق عالمي ومجرد، وقد جاء ذلك على صفحات الـ"أفت" حيث ينبعث صوت زرادشت عبر سطور الـ"جاتها يآسنا" يناجي الإله " أهور مزدا( إني لأدرك أنك أنت وحدك الإله وأنك الأوحد الأحد، وإني من صحة إدراكي هذا أوقن تمام اليقين من يقيني هذا الموقن أنك أنت الإله الأوحد.. اشتد يقيني غداة انعطف الفكر مني على نفسي يسألها: من أنتِ, ولفكري جاوبت نفسي؛ أنا؟ إني زرادشت أنا، وأنا؟ كاره أنا الكراهية القصوى الرذيلة والكذب، وللعدل والعدالة أنا نصير!
من هذه أتفكّر الطيبة التي تحوم في خاطري، ومن هذا الانعطاف الطبيعي في نفسي نحو الخير، ومن هذا الميل الفطري في داخلي إلى محق الظلم وإحقاق الحق أعرفك.
من هذه الانفعالات النفسية والميول الفكرية التي تؤلّف كينونتي وتكوّن كياني ينبجس في قلبي ينبوع الإيمان بأنك أنت وحدك أهورا مزدا، الإله وأنك الأوحد الأقدس الخيّر الحق)
تنقسم النفس البشرية إلى قسمين ما دام الإنسان دون الكمال فهو أيضاً دون النقاء *:
1. سبتامينو ( القوة المقدسة " الطاقة المدركة" "أنا العليا" بمفهوم فرويد .تدعم هذه القوة سبع فضائل عليا " الحكمة و الشجاعة و العفة و العمل و الإخلاص و الأمانة و الكرم هذه الفضائل بمثابة الملائكة . تدفع هذه الفضائل القوة المقدسة النفس البشرية إلى الخير و النور والحياة والحق .
2. أنكرة مينوا : "القوة الخبيثة " " الطاقة غير المدركة" الخافية بمفهوم يونغ . وتساند هذه القوة سبع رذائل هي النفاق و الخديعة و الخيانة والجبن والبخل والظلم وإزهاق الروح وهي بمثابة شياطين . وتدفع هذه القوة الخبيثة المتكونة من النقص في النفس البشرية إلى الشر والظلام و الموت و الخداع ، ويبقى هذا الصراع قائماً بين هاتين القوتين داخل النفس البشرية إلى أن يصل الإنسان إلى النقاء ، يقول زرادشت في الأفستا ، ترنيمة 30\3 " منذ البدء أعلن الروحان التوأم عن طبيعتهما –الطيب و الشرير –بالفكر والكلمة و الفعل –بينها يختار الرجل الحكيم جيداً و لا يفعل هكذا الأحمق " .
و حثت الزرادشتية الإنسان إلى معرفة نفسه ليصل إلى ذاته ودعته أن يتوحد فكره وقوله وفعله : مينش ، كونش ، كونيش ، فالفكر الصادق و القول الطيب و العمل الصالح هي أمهات الفضائل التي تخرج الإنسان عن انفصامه وتوصله لذاته .
أثباتا لوحدانية الله:
يقول زرادشت في الأفستا 34\3 "أين أيها الحكيم سوف يكون المخلص مستحوذ " العقل الخير " هؤلاء الذين أحالوا العقائد و المورثات إلى معاناة وعذاب سوف يكون مصيرهم الجحيم ، ولكنني لا أعرف غيرك فأنقذنا بواسطة الحق.
يعتبر النبي زردشت بحق فيلسوف عصره وكل العصور انظر الى التعابير الدقيقة , في وقت كان الانسان لايملك من العقل ما يستطيع به تمييز الخير من الشر , انظر الى هذه التعابير وتمعن في اقوال هذا العبقري:
إني لأدرك أنك أنت وحدك الإله وأنك الأوحد الأحد، وإني من صحة إدراكي هذا أوقن تمام اليقين من يقيني هذا الموقن أنك أنت الإله الأوحد.. اشتد يقيني غداة انعطف الفكر مني على نفسي يسألها: من أنتِ؟
ولفكري جاوبت نفسي؛ أنا؟ إني زرادشت أنا، وأنا؟ كاره أنا الكراهية القصوى الرذيلة والكذب، وللعدل والعدالة أنا نصير!
من هذه أتفكّر الطيبة التي تحوم في خاطري، ومن هذا الانعطاف الطبيعي في نفسي نحو الخير، ومن هذا الميل الفطري في داخلي إلى محق الظلم وإحقاق الحق أعرفك, من هذه الانفعالات النفسية والميول الفكرية التي تؤلّف كينونتي وتكوّن كياني ينبجس في قلبي ينبوع الإيمان بأنك أنت وحدك أهورا مزدا، الإله وأنك الأوحد الأقدس الخيّر الحق.
المصادر :
*أشنايي با اديان بزرك ---< للكاتب الايراني حسن توفيقي ص62 ترجمة بتصرف: كارزان خانقيني من اللغة الفارسية
.