advanced search
Contact Us tayyar.org
 
The Orange Room - forum.tayyar.org
 



Notices
Self Improvement Health, Fitness, Diet, Exercise, Religion, Meditation, Beauty, & Attire. In addition to seeking advice on how to deal with social, psychological, and physiological issues.

Reply
 
LinkBack Thread Tools Search this Thread
  (#1 (permalink)) Old
Registered Member
 
Picasso's Avatar
 
Offline
Posts: 1,142
Thanks: 42
Thanked 65 Times in 49 Posts
Last Online: 5th October 2009
Join Date: Fri Apr 2006
View Picasso's Photo Album
Default مشاعل في كهوف - 22nd October 2006


الخــــــــط الفـــاصـــــــــل بين التـــديّــــــــن والتـطـــــــــرّف
وجيه قانصو


هل يمكن الحديث عن ايمان ديني خال من التطرف؟ وهل يمكن رسم خط فاصل بين الايمان والتطرف، يكون الفيصل بين حقيقة الايمان وحقيقة التطرف؟
يبدو ان الحديث عن خطوط فصل بين الايمان الديني والتطرف هو ضرب من الوهم والخيال، لأن التطرف ليس دخيلا على الايمان الديني، وليس شيئا يضاف اليه، بل هو في صميمه وبداخله. المتطرفون متدينون بالعمق، وعندما يمارسون ما نسميه تطرفا، فانهم يمارسونه كفعل ايماني يريد لمجريات الواقع ان تتطابق مع ارادة الله. بل يتباهى "المتطرف"، بأنه يتماهى مع معتقده ويترجم ما يؤمن به الى حقيقة وواقع، وبتعبير لاهوتي، الى تطابق ارادة الانسان مع ارادة الله. فما نراه مذمّة، هو عنده محمدة وفضيلة عالية، وليست تهم التطرف عنده سوى تشويش إلحادي او علماني على اي مسعى ايماني لتفعيل حضور الله في حياة البشر.
بل قد يجد من نسميه "متطرفاً"، ان لقب التطرف هو تشريف له، لأن التطرف لغة هو المبالغة في التموضع على الطرف، والطرف هو الحد النهائي والاقصى للاشياء. فيكون التطرف بالتالي هو وصول الاشياء الى ذروتها واقصاها. وهذا توصيف ينسجم مع تعريف الانسان الكامل الذي يسعى للوصول الى غاية الاشياء وجوهرها وذروتها الباطنية والعميقة، وهي من صفات القديس والعارف ايضا، الذي يسعى للوصول الى حدود الاشياء النهائية لكي يتحد بالله او يذوب فيه.
والتطرف لا يرى في داخل الشخص او باطنه بل هنالك علامات وآثار خارجية تصدر عنه او منه، تمكن المراقب الخارجي من الحكم على صاحبها انه تطرف. اي ان التطرف توصيف خارجي لسلوك او اعتقاد او موقف، لفرد او جماعة، يراه من هو داخل الدين بأنه ليس من الدين بشيء، كأن يعتبره بدعة او هرطقة، اي تأويل وفهم وتطبيق منحرف يريد أخذ الدين الى مواضع لا يقرّها ولا يحتملها. ويراه من هو خارج الدين نقضا للقيم الاخلاقية والانسانية وتهديدا لوجود الآخرين وامتهانا لكرامتهم.
واذا كان التطرف عبارة عن سلوك نابع من التزام وتشدد دينيين معيّنين، إلا ان العنصر الديني لا يكفي وحده لصدور سلوك التطرف، بل لا بد من استحضار الشروط الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تخلق الارضية الموضوعية لتشكله وتوتره، خصوصا تلك المناخات التي تولد الخوف على الهوية والوجود والمصير والارض او الاحساس بالتهميش والاغتراب وكل وضعيات القمع والظلم والاستبداد. هذه الامور السوية، تولد في داخل الانسان ارتدادات سلبية تدفعه الى اتخاذ مواقف متوترة وغير متوازية احيانا، ويكون التدين فيها وسيلة للتعبير وملاذا معنويا للتماسك النفسي وطريقة احتجاج فعالة على الواقع المأزوم. فلا يعود التدين بذلك مقصودا لذاته، اي بما هو علاقة مع الله، بل يقصد للتعويض النفسي والمعنوي، ووسيلة تعبئة سياسية واسلوب لخلق عصبية تضامن قوية تدفع الامور المأزومة بالاتجاه المطلوب. اي لا يعود التدين او الايمان يفكر بعقل من داخله ووفق الاستجابة والخبرة الايمانية في العلاقة مع الله بل يفكر بعقل من خارجه، يعيد فيه ترتيب نصوصه ويعيد تأويلها وتفسيرها بما ينسجم مع طبيعة المواجهة وشروط التغيير السياسي.
ونؤكد هنا ان التطرف ليست مشكلة اخلاقية كما يظن البعض. فالمتطرف لا يحمل نيات سيئة بمعنى انه لا يقصد الشر لذاته، ولا يحمل دواعي اجرامية بمعنى رغبته في انتهاك المبادىء الاخلاقية. بل لو اخذنا بتعريف ايمانويل كانط للاخلاق بانه السلوك الذي يمليه عليه الواجب، الذي هو بنظره الامر الالهي. لهذا لا يعتبر "المتطرف" نفسه معنيا بأي لوم اخلاقي لأنه يرى نفسه وعلى العكس من ذلك، في منطقة الترويج للقيم والواجب والالتزام الصوفي بما تستوجبه ارادة الله في حياة الناس.
كذلك فان التطرف ليس معضلة معرفية، كأن يقال ان "المتطرف" جاهل او مشتبه. فما نراه بدعة او امتهاناً لكرامة الانسان، هو بنظره مشروع انساني ايضا ومن صميم تعاليم الدين، يهدف الى تطهير البشرية من ألواث الشرك والعيش وفق ارادة الله. بهذا فان الوضعية بين "المتطرف" وخصومه، ليست وضعية جهل ومعرفة او وضعية خرافة وعقل، بل هي وضعية اتهام واتهام مضاد، ودليل عقلي ونقلي مقابل دليل عقلي ونقلي آخر. انها دائرة مغلقة من الحجج والردود المتقابلة التي تستمر الى ما لا نهاية من دون اي حسم لتلك المعركة المعرفية. والذي يزيد الامور تعقيدا، ان مسألة التطرف نسبية من ناحية ا لزمان والمكان، فما كان مقبولا في تاريخ الاديان اصبح اليوم مرفوضا وعملا متطرفا في زماننا هذا، كمحاكم التفتيش ومحاربة الملل الضالة وملاحقة اصحاب البدع وقتلهم وحرقهم. كذلك يمكن لسلوك ديني معين ان يكون عملا فاضلا وممدوحا في مجتمع معاصر، ويكون في مجتمع آخر مرفوضا ويصنف بأنه تطرف.
المشكلة أنه لا توجد مرجعية مستقلة ذات قبول مشترك من الجميع قادرة على حسم النزاع والانتصار لأي من الطرفين. كما لا يمكن اعتبار النص الديني فيصلاً في هذا المجال، اذ ان النص الديني واحة خصبة للتأويل المعاكس، ولا تخلو اي حركة دينية في التاريخ، متطرفة كانت او معتدلة، من مهارة في توظيف النصوص لصالحها. ولعل هذا ما جعل الامام علي يجانب مجادلة الخوارج بالقرآن لأنه بحسب قوله: "حمال ذو أوجه". ولو كان الدليل الديني قادرا على حسم الجدل، لما كان للتطرف اي اثر في التاريخ الانساني، ولما كان النص الديني هو سلاح التطرف الرئيسي. بل نجد ان لـ"التطرف" تمظهرات دائمة في التاريخ الانساني، وحضور نوعي عام في كل الاديان، مع الاختلاف في القوة والضعف من دين لآخر.
"التطرف" اذاً، ليس ضعفا في الايمان، او سوء نيات اخلاقية، او حالة جهل وخرق. بعبارة أخرى، ليست مشكلة التطرف قضية ضلال او هداية، سقوط او سمو اخلاقي، صواب او خطأ، معرفة او جهل، ادانة او مدح. بل للتطرف رؤاه الخاصة في كل من ميادين الايمان والاخلاق والمعرفة، تجعله داخل هذه الدوائر الثلاث في موضع المنافس للآخرين.
من هنا يمكن القول ان توصيف سلوك معين بأنه تطرف، يكون وفق منظومة قيم وقواعد تفكير معينة، واعتباره مقبولا يكون بحسب منظومة اخرى. بعبارة اخرى، انها مسألة طريقة في الفهم والتفكير، أفهم من خلالها ذاتي والعالم وأحدد موقفي من الآخر المختلف، ومسألة منهج في استيعاب الحقائق الدينية وتفسير النصوص المقدسة التي استنبط منها حقائقي الدينية وأبني بها تجربتي مع الله. انها مسألة ثقافية بامتياز.
والثقافة هنا ليست مجرد مقولة معرفية، بل هي ذلك الكل المعقد والمتشابك من رصيد التفاعلات الانسانية المتضمنة لكل اساليب الحياة الانسانية المادية والروحية التي يكتسب الانسان عبرها طبيعته الثانية وتجعله يدرك الواقع ويحدد بها اتجاهاته وميوله العقلية والروحية. فالاعتقاد بقيمه وسلوك معينين، تطرفا كان ام اعتدالا، لا يستمد من الطبيعة التكوينية الاولى، اي ليس فطريا، بل هو نتاج ثقافات محددة ونظم علاقات اجتماعية خاضعة لمركب متميز من الافتراضات الاولية المضمرة والضغوط الثقافية الراسخة.
بهذا لا يعتبر "التطرف" خرقا لقيمة اخلاقية او دينية او عقلية، بل هو اختيار بين طريقة حياة وطريقة حياة اخرى، بين نمط قيم ونمط قيم آخر، بين ميزان ترجيحات وميزان آخر. أي لسنا هنا امام الخيار بين الهدى والضلال، بين الفضيلة والرذيلة، بين الخير والشر، بين الافضل والأسوأ. بل نحن امام التخيير بين انماط وجود متعددة، كل نمط ينتج مستوى تفكير ومظهر سلوك وطريقة علاقة مع الانسان ومع الحقيقة الاعلى مع الله.
ظاهرة التطرف اذاً، هي نتاج لنمط تفكير معين وطريقة حياة خاصة، وفهمها لا يقتصر على مراقبة التمظهرات الخارجية لهذه الظاهرة، بل لا بد من النظر الى التكوين الداخلي لبنية الايمان الديني الذي يغذيها او يرعاها. وبالتالي يتحول السؤال عن التطرف الى السؤال عن المنظومة الدينية التي تنتجه وتحقق له فعاليته واستمراره.
وهنا اقترح، اننا امام منظومتي ايمان، قد تتفقان في الشكل والمضمون، ولكنهما تختلفان في التكوين الداخلي اي في الطبيعة، وفي اصل المسبقات والبديهيات التي تقوم كل منها عليها، وفي مدى Scope ومجال نشاط كل منهما، بل وفي الوجهة والغرض فيهما. والمنظومتان هنا ليستا دينا مقابل دين، او مذهبا مقابل مذهب، بل كلتا المنظومتين حاضرتان داخل كل دين، وتملكان الاهلية ان تأخذ اي دين في العالم الى منطقة التوتر والتطرف والتعدي والانانية، او الى منطقة التسامح والتعايش والمشاركة والعيش في كنف الحب الالهي.
منظومة الايمان الاولى، ولنسمها ايمان الحقائق النهائية Ultimate Reality تقوم على التماهي مع الحقيقة المنجزة داخل تقليد ديني خاص، اي التكيف مع وضع ديني منجز اكتملت فيه كل تمظهرات الحقيقة والحق. اما منظومة الايمان الثانية، ولنسمها ايمان الحقيقة الكادحة، فتقوم على البحث الدائم عن الحقيقة وعدم الرضا بنهائية اي معنى او كشف، بل هناك دائما مجالات خصبة جديدة قابلة ان توفر شرطا انسانيا ارقى وحياة روحية اسمى.
ولا ابالغ القول، اذا اعتبرت ان طريقة تداول وممارسة المعنى الديني في الوضعية الحالية للاديان السامية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والاسلامية، تندرج ضمن ايمان الحقائق النهائية، في حين يبقى ايمان الحقيقة الكادحة، افقاً مستقبلياً واعداً يسعى بصعوبة بالغة ليجد له مكانا وموطىء قدم داخل هذه الاديان.
يتميز ايمان الحقائق النهائية، بأنه يقوم على ادعاء جملة حقائق مؤكدة ومثبتة بنحو جازم بعضها تاريخي، وبعضها الآخر لاهوتي، بعضها سلبي كنفي الخلاص او النجاة عن اتباع الاديان المختلفة، وبعضها ايجابي كاثبات صفة او مكانة لدين او لمؤسس او لله. انه ايمان النهايات القصوى، ودين الحقائق المكتملة التي لم يعد وراءها او فوقها اية حقيقة او معنى.
هذا الايمان يسلب عن المرء ارادة الاختيار بين المعاني او حق انتاج حقيقته، بل ينحصر خياره بقبول الحقائق والتسليم بها. ويكون الايمان عبارة عن سلوك التماهي مع نموذج واحد فريد والإقتداء به لكونه القدوة والقائد والمعلم، ولكونه يمثل صورة الانسان الكامل. صحيح أن فكرة القدوة تجعل صورة الكمال الانساني واقعية ومجسدة بشخص بشري حقيقي، إلا أنها بالمقابل تخلق في الانسان الشعور الدائم بالتقصير في اتباع المثال الاعلى، وتسلب عنه روح الابداع الخاص وحس الاكتشاف والابتكار لخلق مجال روحي وانساني خاص به، بل يتحول الاقتداء الى تقليد آلي وسلوك نمطي يصبح مع تقدم الزمن وفي أكثر الحالات، عادة شكلية وفعل تكرار مملاً.
إيمان الحقائق النهائية ايضاً، يحدّ من التفكير، حيث لم تعد هناك معاني مجهولة أو مناطق وعي مختبئة، بل كل شيء معلوم. ولا تعود المعرفة اكتشافاً وابتكاراً وابداعاً، بل فعل دفاع وتهيئة مقدمات مقنعة لنتائج محسومة. ويصبح الايمان فعل تسليم بالحقائق التي تم انتاجها وتأسيسها بتأييد وإلهام غيبي، وفي شروط استثنائية وفوق عقلية وخارقة للطبيعة. بهذا فأنت لست مقصراً فقط، بل قاصر ايضاً عن إدراك الحقائق النهائية التي استقر عليها التقليد الديني الخاص. بهذا الايمان، وصلت المعاني الى نهاياتها، وتمددت فوق مساحة المعرفة المحققة والممكنة، وقفزت الى منطقة فوق – العقل التي تجعلها تتعالى على المراجعة العقلية أو النقدية وترفض الاعتراف بأي فضاء آخر للحقيقة.
إيمان الحقائق النهائية، يخلق فيك شعوراً بالاستحواذ، أي أن الحقيقة صادف وجودها حصراً - ولحكمة لا نعلمها – بين عائلتك وعشيرتك وملتك، وخارج هذا المكان هنالك الخواء والفراغ، ووجود الآخر لا يتعدى وجوده الفيزيائي أو المكاني، أي وجود شيء لا وجود مجال انساني وروحي آخر وذاكرة تجارب غنية ليس فقط في العلاقة الارضية بل في العلاقة مع الله وتجربة الاستجابة له.
باختصار، إيمان الحقائق النهائية يلغي ذاتك لأنه يلغي حريتك في الاختيار وفي التعبير وفي تحديد مجال وجودك، وهو ايضاً يلغي الآخر ويلغي حقيقته. ليصبح بذلك هذا النوع من الايمان منبع التطرف الذي ينمو في الداخل وبصمت وخلف الوعي المباشر، وينتظر الشرط الاجتماعي والسياسي الذي يطلق شرارة انفجاره ويحرك توتره العالي. بهذا النوع من الايمان، المتحكم حالياً ببيئتنا الدينية، يصبح كل واحد منا وبدون استثناء مشروعاً "متطرفاً".
أما إيمان الحقيقة الكادحة، فهو أشبه بثورة كوبرنيكوس الذي أبطل فكرة مركزية الارض لمدارات الكواكب الشمسية وجعل الشمس مركزاً تلك المدارات، واصبحت الارض كغيرها من الكواكب تدور في فلك خاص حول الشمس. وبنحو مماثل لا تعود الحقيقة الخاصة داخل أي دين أو مذهب مركزاً أو محوراً للحقائق والقيم الكونية، بل هي احد تجليات الحقيقة ومظهر من مظاهرها اللامتناهية، كما في باقي الحقائق والقيم الروحية الحاضرة في الاديان والمذاهب الاخرى. إنه انتقال من التمحور حول الحقيقة الذاتية الخاصة الى التمحور حول الحقيقة الأوسع التي تكاد تتوزع على جميع التقاليد الدينية بالتساوي. بذلك تصبح الحقيقة فعل مشاركة مع الآخرين لحقيقة الغير اكتشافاً لحقيقتي ايضاً. وكما يقول غابرييل مارسيل: "الوجود هو علاقة أو حضور خلاق يجمع بين الأنا والأنت، ومن خلال هذه العلاقة تستوعب الذات الآخر كوجه ثان لها، فيصبح ذلك الآخر أنت نفسك".
مشاركة الآخر في وجوده، يعني ايضاً مشاركته في الحقيقة، الامر الذي يدفعني الى التواضع في إيماني والى تقليص شموليته وتخفيف ادعاءاته، لكي يساكن إيمان الآخرين ويتعايش معهم. بل يدفعني الى توسعة إيماني والخروج من كهف اليقين وسلطة الاستحواذ، ليصبح ايماناً ينتشي بالبحث الدائم عن الحقيقة ويعيش مع كل تنوير جديد حالة ولادة جديدة.
بذلك، لا يعود الايمان شيئاً يتلقى من الخارج، بل هو ميدان تجربة الوعي والباطن مع المتعالي. ويصير الايمان عملية انتاج وابتكار وفعل كشف، وجزءاً من السعي لتحقيق امكانات وجود الذات في هذا العالم، بحيث يتولد من كل تجربة خاصة، صورة ايمان فريدة لا تقبل التكرار في الآخرين. فلا تعود العلاقة مع الله، حقيقة جاهزة نتربى عليها، بل حقيقة نسعى ونكدح دائماً للوصول اليها، ولا تعود معرفة الله فعل خضوع لكلمة "إعلم" أو "ينبغي"، بل يعرف بالاختبار الذاتي والتحسس والتنوير الباطني. بذلك يخرج الايمان من منطقة الامان الراكدة، الى منطقة الخطر الدائم، والاثمان الغالية، "بع كل ما عندك واتبعني"، "من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني"، من حفظ نفسه خسرها ومن خسر نفسه في سبيلي حفظها"، و"لنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص في الاموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين"، "أحسب الناس أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون"، فلا يعود الايمان دفاعاً عن منجزات، بل هو حالة ترحال لا تستقر، وسعي دائم لاكتشاف أو ابتكار صور جديدة في العلاقة مع الله.
بهذا الايمان، يصبح الدين ميدان قراءة مستمرة، ونصوصاً تفيض بمعان جديدة، الا أنها – أي النصوص – لا تفتح أقفالها الا حين يفتح الانسان اقفاله ويتسع مداه الكوني والانساني والاخلاقي. جديد المعنى الديني هو ايضاً مشروع انساني جديد نسعى لتحقيقه، وكما يقول كانط: "نحن ننتج بنسبة النصف مما نقرأ".
حس المشاركة مع الآخرين يلغي في داخلنا النزعة الطهرية، ويزيل التفكير بقسمة العالم، الى دار ايمان ودار كفر، لأن مدار الحقيقة الايمانية ليس خارج الانسان بل داخله وباطنه، فلا يتموضع الايمان في معسكر مقابل معسكر آخر، أو مجال قوة وسيطرة، بل تصبح معركته هي معركة الذات مع نفسها، بين نوازع تتمحور حول الانانية والذاتية وبين نوازع تتمحور حول الحق والخير والحب، حول الله: "ليس النجس ما يدخل الى جوف الانسان بل النجس ما يخرج منه"، و"لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
من هنا لا يمكن محاربة التطرف بأدواته، لأنه بذلك يجرنا الى اللعب في ملعبه. بل يكون بخلق مجال إيماني جديد، يجعل من الواقع الباطني المتنور مدخلاً لفهم العالم وتغييره. أي ليست المعركة مع "المتطرف" هي معركة إما أنا أو هو، أي معركة إلغاء، فهذه مواجهة تجرني الى دائرته لأصبح مثله، بل معركتي الايمانية، هي نقل الصراع من مجال السلطة والقهر والاكراه والحشود العسكرية، الى المنطقة الباطنية للانسان، التي تنصّب الانسان مطلق الانسان، مدخلاً لمعرفة الله وللوصول اليه: "إن السبت جعل للانسان لا الانسان للسبت"، "إمض أولاً فصالح أخاك وحينئذ أئت وقرّب قربانك"، و"خيركم عند الله أنفعكم لعياله"، و"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
Reply With Quote
Sponsored Links
  (#2 (permalink)) Old
Registered Member
 
Picasso's Avatar
 
Offline
Posts: 1,142
Thanks: 42
Thanked 65 Times in 49 Posts
Last Online: 5th October 2009
Join Date: Fri Apr 2006
View Picasso's Photo Album
Default 5th November 2006


بيان بطاركة الشرق الكاثوليك
صـرخـة مسـيحيّـي الشـــرق: أنقذونا من الغربة

محمد السماك


لم يكن المؤتمر السنوي الذي عقده بطاركة الشرق الكاثوليك في دير سيدة بزمار مؤتمرا مسيحيا فقط. فالقضايا او القضية الاساس، التي شغلت المؤتمر طوال اربعة ايام تعني المسلمين في الشرق وفي العالم كله، بقدر ما تعني المسيحيين وهذه القضية هي الهجرة.
صحيح ان الهجرة تشمل مسيحيين ومسلمين. وصحيح ايضا ان للهجرة اسبابا اقتصادية واجتماعية وسياسية. ولكن الصحيح ايضا ان الهجرة المسيحية وصلت الى درجة الاستنزاف. وان لهذه الهجرة اسبابا اخرى منها ما يتعلق بالقلق من تصاعد موجات التطرف الديني والتي توصف خطأ بـ"الاصولية الاسلامية". ومنها ما يتعلق بتعثر محاولات تنفيذ ما تنص عليه بعض الانظمة والدساتير العربية وتصحيح بعضها الآخر بحيث تحترم حقوق المواطنة من دون تمييز ديني، ايمانا وممارسة للشعائر.
ان الانتقاص من الحق الكامل للمواطنة يولد مشاعر تراوح بين الغربة في الوطن ومن ثم الغربة عنه، وهو وطن الآباء والاجداد... منذ ظهور المسيحية، وبين الطعن في الولاء الوطني والانتقاص من الانتماء وبالتالي الايحاء الخطير بالدونية.
ومن الطبيعي انه عندما تقع اضطرابات سياسية او حوادث امنية تستهدف كهنة ورجال دين مسيحيين، او كنائس واديرة في هذه الدولة العربية او تلك، يربط المسيحيون بين هذه الحوادث الطارئة وبين ما يعانيه المواطن المسيحي العربي من قلق يومي ومن انتقاص لحقوقه... الامر الذي يدفعه الى اليأس والى الهجرة.
فالهجرة المسيحية لم تعد كما كانت منذ القرن التاسع عشر هربا من القلة او المجاعة وتعبيرا عن الطموح بحياة افضل، ولكنها اصبحت – ولو في جزء كبير منها – هروبا من القلق والاحباط، وتعبيرا عن عدم الثقة بالمستقبل وعن عدم الاطمئنان الى النفس والعقيدة والى احترام التعدد الديني الذي تميز به الشرق على مدى اجيال طويلة.
تتراكم هذه المشاعر المقلقة حادثا بعد حادث، من صعيد مصر الى شمال العراق، الا انها بعد سلسلة الاحداث التي عصفت بالعراق تحديدا، وهو البلد المثخن بالجراح (اكثر من 655 الف ضحية منذ الاجتياح الاميركي حتى الآن) وصلت هذه المشاعر الى درجة بات معها المسيحي والعربي مخيرا بين امرين احلاهما مر: - اما الهجرة واما العزلة.
فالهجرة تستنزف الوجود، وتسد آفاق المستقبل، وتقضي على الأسس التي تقوم عليها الحياة المشتركة مع المسلمين، وفي ذلك خسارة للمسلمين وللمسيحيين معا، كما سنبين ذلك في ما بعد. اما العزلة او الانضواء على الذات كما وصفها البطريرك نرسيس بدروس التاسع عشر بطريرك الارمن الكاثوليك الذي استضاف مؤتمر البطاركة، فانها تؤدي الى الاختناق الذاتي، ولعلها تؤدي الى ما هو اخطر من ذلك، وهو الانسحاب من الحياة المشتركة.
وفي ذلك خسارة للمسلمين وللمسيحيين معا ايضا.
ان الهجرة المسيحية من فلسطين هي الاشد استنزافاً، كما اشار الى ذلك بيان مجلس البطاركة، فلم يبق فيها سوى 160 الف مسيحي فقط، اي اقل من اثنين بالمئة من السكان، منهم 50 الفا في غزة والضفة الغربية، و110 آلاف في اسرائيل. اما عدد الذين هاجروا الى مناطق مختلفة من العالم فقد بلغ 260 الفا.
ويوجد في مدينة القدس 39 كنيسة مختلفة و14 مجموعة مسيحية، يشكل كل من الارثوذكس والكاثوليك 40 في المئة منهم، كما يشكل كل من الانجيليين (البروتستانت) والارثوذكس الشرقيين 10 في المئة.
ولم يعد يوجد في المخيمات الفلسطينية في غزة والضفة اي مسيحي ولا حتى في القرى وجود لمسيحيي فلسطين فهم متجمعون في المدن فقط: غزة – بيت لحم – رام الله – القدس – الطيبة.
ويمثلهم في السلطة الفلسطينية وزير واحد – كاثوليكي عن بيت لحم – وسبعة اعضاء في البرلمان، خمسة منهم انتخبوا على لوائح حركة "فتح"، وواحد على لائحة حركة "حماس". اما حنان عشراوي فقد فازت على كل الوطن الفلسطيني.
ولكن رغم تضاؤل عدد المسيحيين، فان مؤسساتهم تقدم 30 في المئة من الخدمات الصحية. وهم يديرون 64 مدرسة وجامعتين وكليتين.
على ان ثمة امرا ثالثا غير الهجرة او العزلة او الانطوائية يحتاج اعتماده الى موقف مسيحي مشرقي يعبر عن التجذر في الارض، وعن التمسك بالحق في الشهادة لله على عقيدة المسيحية التي يشكل الايمان بها رسالة سماوية من عند الله ركنا اساسيا من العقيدة الاسلامية ذاتها. كما يحتاج اعتماده الى مبادرة اسلامية تعكس تفهما للمشاعر المسيحية وتحترم هذه المشاعر وتعمل على معالجتها بما تقتضيه من احترام حقوق المواطنة، والمحافظة على العلاقات الاسلامية – المسيحية في المشرق من التراجع والتدهور، وتقديم هذه العلاقات كشهادة حية للعالم، من دون العمل على تحقيق هذا الامر الثالث.
ان البيان الذي صدر عن مجلس البطاركة يضع الاصبع على الجراح التي تنزف من جسد الحضور المسيحي – المشرقي، وهذه الجراح هي:
-1 القلق من تنامي ظاهرة التطرف الديني في بعض المجتمعات الاسلامية. وهي ظاهرة مرضية تعيد احياء ذكرى الذمية على النحو الذي عرفه المسيحيون في عهود الانحطاط والتأخر، وليس في عهود الازدهار والسماحة والانفتاح الاسلامي. صحيح ان الذمية كنظام قد تجاوزها الزمن واصبحت جزءا من التاريخ، وان المواطنة حلت محلها اساسا للعلاقات بين الناس مسلمين ومسيحيين في الوطن الواحد، الا ان ذكراها لا تزال تشكل كابوسا مرادفا وملازما للتطرف المتنامي، بحيث ينمو الشعور بالخوف من الذمية – بما هي تسامحية فوقية – مع نمو التطرف.
-2 القلق من الانتهاكات التي تتعرض لها حقوق الانسان وفي مقدمتها الحرية الدينية، سواء لجهة بناء الكنائس، أو التعليم، أو إحياء المناسبات الدينية المختلفة. وهناك شعور مسيحي عام، بأن أي ممارسة لهذه الحقوق تبدو لدى المتطرفين الاسلاميين وكأنها تحدٍ للاسلام، رغم انها أبعد ما تكون عن ذلك.
-3 القلق من الانتكاسات المتواصلة التي تعاني منها ثقافة التعدد والتنوع الديني والمذهبي والعنصري في العديد من الدول العربية والمشرقية. ان تفكك – أو تفكيك – المجتمعات العربية على أسس دينية (اسلامي – مسيحي)، أو مذهبية (سني – شيعي – علوي – درزي)، أو عنصرية (عربي – كردي أو عربي – امازيغي)، قطعت اشواطاً بعيدة من خلال ما جرى ويجري في السودان والعراق بصورة اساسية.
-4 القلق من الاتهامات الموجهة الى الجماعات المسيحية بالتعاون مع قوى خارجية معادية والتي يطلقها متطرفون اسلاميون اثناء الازمات السياسية المحلية، على النحو الذي جرى بشكل محدود في مصر، وبشكل واسع في العراق.
-5 القلق من استضعاف الجماعات المسيحية لدى نشوب أي مشكلة بين العالم الاسلامي والغرب (مثل نشر الصور الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد (ص) في احدى الصحف الدانماركية، او الاعتراض على بعض ما ورد في محاضرة البابا بينيديكتوس السادس عشر حول الاسلام... الخ) الى هدف يسهل الوصول اليه والانتقام منه، كالاعتداء الذي حدث على كنائس في فلسطين، واغتيال راهبة ممرضة ايطالية في الصومال... ونشر رسوم كاريكاتورية بذيئة عن البابا نفسه. وهذا أمر يعبّر عن مشاعر عدم الثقة بهذه الجماعات المسيحية وعن ربطها جهلاً وظلماً بالغرب المسيحي، أو بالغرب اللامسيحي.
وقد عبّر بطاركة الشرق عن هذا الامر في البند السابع عشر من البيان الختامي بتوجيه نداء "الى المراجع الاسلامية والهيئات العليا ان تدين وبقوة الاعمال الارهابية التي تمارَس أحياناً بتسميات دينية اسلامية، ونحن نعلم ان الاسلام الحقيقي والقرآن الكريم براء منها، ان هذه الممارسات القمعية لا تسيء الى الاسلام فحسب، بل تزعزع ايضاً العيش المشترك القائم منذ أجيال وأجيال بين فئات المجتمع العراقي على اختلاف اديانهم ومذاهبهم".
ان مظاهر القلق هذه لها اسبابها الواقعية. ولأنها لا تنطلق من وهم أو من سوء فهم، فإن على المسلمين تحمّل مسؤولياتهم بجرأة لمواجهتها ومعالجتها. ذلك ان المحافظة على الحضور المسيحي المشرقي هو في مصلحة مسلمي الشرق ومسلمي العالم أجمع. ولتوضيح ذلك لا بد من الاشارة الى ان مقولات صراع الحضارات تحولت – أو كادت – من خلال شعار الحرب على الارهاب الى صراع بين الاسلام... والعالم.
وبموجب هذه الشعارات والتقولات، فان الاسلام ليس متهماً فقط بأنه يدعو الى العنف والقتل، ولكنه متهم ايضاً بأنه يرفض الآخر ولا يحترم الاختلاف ولا يقبل بالتنوع والتعدد. وغني عن القول ان كل هذه الاتهامات باطلة من الاساس. والعقيدة الاسلامية، والتاريخ الاسلامي يشهدان على ذلك. ولكن على طريقة أكذب أكذب فلا بد ان يعلق شيئاً، فان الكذب المتواصل والذي اصبح ثقافة في حد ذاته أدى الى تكريس صورة مشوهة قبيحة عن الاسلام في العديد من المجتمعات الدولية. من هنا فان من شأن هجرة المسيحيين الشرقيين اذا ما صورت على انها تخلٍ عن الشرق المسلم بأكثريته وانها هروب بالعقيدة المسيحية جراء ممارسات قمعية يتعرضون لها، أو جراء حرمانهم من حقوق المواطنة الكاملة والتي يطالب بمثلها المسلمون في الدول الغربية التي هاجروا اليها، ان من شأن هذه الهجرة ان تستخدم كدليل سلبي على ان الاسلام لا يقبل الآخر ولا يحترمه ولا يتعايش معه خلافاً، مرة اخرى، لما تقول به العقيدة الاسلامية، ولما يشهد به التاريخ الاسلامي. واذا كانت الهجرة المسيحية من الشرق تسيء الى صورة الاسلام في الغرب وفي العالم، فان هذه الهجرة تستنزف من المجتمع الشرقي قيماً روحية واخلاقية وثقافية، وقدرات فكرية وانتاجية هو بأمسّ الحاجة اليها. ثم ان انتزاع أي خيط من النسيج القومي في الشرق يؤدي حتماً الى تشوّه هذا النسيج والى انحلاله وانهياره.
ولقد ادرك بطاركة الشرق أهمية رسالة الوجود المسيحي المشرقي عندما أكدوا (البند السادس) على "ان الرسالة تبدأ في مضمونها بالمحافظة على العيش المشترك في وجه تعاظم صراع الثقافات والاديان. بل هي الشهادة الحية للقدرة على العيش معاً في سلام وتكامل خلاق بين المختلفين. فالاديان في جوهرها يجب ان تكون عوامل جمع لا تفريق، لأن الجوهر في كل دين هو عبادة الله وتكريم جميع خلائقه، فالمسيحيون في الشرق شرقيّو الانتماء والمواطنة وملتزمون قضايا بلدانهم".
يقول الأب خليل علوان، أمين عام مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك:
"ان ما يمّيز كنائس الشرق هو انها رسولية أي اسسها الرسل. مرقس في مصر، وبطرس في لبنان وسوريا. نحن نفخر بأننا شرقيون مسيحيون ولسنا مسيحيين في الشرق. نحن من صميم هذه البلاد وجزء من تكوينها وتاريخها. نحن بناة الحضارة العربية وساهمنا في نهضة اللغة والثقافة... المسيحية في هذا الشرق غنى لها وله".
ان هذا الشعور بالانتماء الاصيل والمتأصل لا يستمر ولا يعيش اذا ما تألّبت عليه قوى التعصب والجهل من حيث انها قوى الغائية لكل من لا يشاركها ايمانها أو نظرتها الى شؤون الدين والدنيا.
فالله سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفين. ولو شاء لجعلهم أمة واحدة. هو أراد هذا الاختلاف. ولذلك سيبقون مختلفين. ولذلك دعاهم الى التعارف. والطريق الوحيد الى التعارف والى التعايش هو الحوار. ليس بالحسن فقط، بل بما هو أحسن.
لا بد ان يدرك كل مسلم مشرقي – أو في أي مكان آخر في هذه الدنيا – ان الكنيسة هي بيت من بيوت الله. وان الاعتداء على أي كنيسة هو بمثابة اعتداء على المسجد. وان الله يقول عن كل من الانجيل والتوراة "فيه هدى ونور". وانه يدعو اهل الانجيل كما يدعو اهل التوراة ليحكموا بما أنزل الله فيه.
وان الله يصف المسيحيين بأنهم أقرب مودّة للذين آمنوا، ويفسر ذلك، فان منهم قسّيسين ورهباناً وانهم لا يستكبرون.
ولا بد لكل مسلم ان يدرك ايضاً انه فيما يتعدى هذه الأسس الدينية للعلاقات بين المسلمين والمسيحيين (وهذا غيض من فيض) فان المواطنة والتاريخ الواحد، والمصير المشترك، ترسي اسساً ثابتة ودائمة لعلاقات أخوية في الله وفي الوطن. "فبلداننا – كما ورد في البند السادس عشر من البيان الختامي لمجلس البطاركة – تعيش مرحلة شديدة الخطورة والتوتر، فلا بد من ان نتضامن كلنا في مواجهتها، وهذا عنصر جوهري من حضورنا ورسالتنا".
Reply With Quote
  (#3 (permalink)) Old
Registered Member
 
Picasso's Avatar
 
Offline
Posts: 1,142
Thanks: 42
Thanked 65 Times in 49 Posts
Last Online: 5th October 2009
Join Date: Fri Apr 2006
View Picasso's Photo Album
Default 4th December 2006



في اليــــــــوم العـــــالمـــي للفلسفـــــة
قبـــــول الآخــــــر: بــــين الاســـــم والجــــــوهـــــر


اديب صعب



موضوع قبول الآخر يقتضي مفهومَي الآخر والقبول. لكني ارى من الملائم التوقف اولا عند عبارة "رؤية توليفية" التي صُنّفت كلمتي تحتها. وهي، ضمن السياق الذي نحن في صدده، تعني الجمع او التوفيق بين الدين والفلسفة.

بالنسبة الى كثيرين، ومنهم فلاسفة ومثقفون، هذا التوفيق ينطلق من تسليم بأن الفلسفة تقوم على ارضية عقلية فيما يقوم الدين على ارضية ايمانية، وان العقل غير الايمان والايمان غير العقل. فالايمان، في نظرهم، يعتمد منطق التسليم المنفعل، والعقل يعتمد منطق التحليل الفاعل. وما تستتبعه هذه النظرة تصنيف المواقف التشكيكية تحت الفلسفة وتصنيف المواقف الايمانية تحت الدفاع apology. وهذا احد الاخطاء الشائعة الملازمة لمفاهيم غامضة من نوع "الحداثة" و"ما بعد الحداثة"، التي يمنحها هذا الغموض تبنّي بعض الاوساط الفلسفية لها من غير تدقيق او نقد او تحليل او اعادة نظر، علما ان هذه الخصائص جميعا من مستلزمات الحداثة الفكرية فكيف يعقل ان يوضع كتاب برتراند رصل، مثلا، "لماذا لست مسيحيا"؟ تحت الفلسفة، فيما يوضع كتاب وليم تمبل "الطبيعة والانسان والله"خارج الفلسفة وتحت الدفاع الديني؟

هذا مأزق واحد، لكن رئيسي، من مآزق ما يسمى الحداثة. والخروج منه يتطلب استعادة اصيلة لروح النهضة والحداثة والتفكير النقدي، والنظر الى الفلسفة على انها حيادية بالنسبة الى الدين، بمعنى ان المؤمن وغير المؤمن يستطيعان اللجوء الى الحجة الفلسفية دفاعاً عن موقف. ومما يقتضيه التفكير الفلسفي تحليل مفهومي العقل والايمان، هذا التحليل الذي قد يكشف لنا ان العقل ليس مفهوما جامداً لا بل هو مفهوم نسبي، يختلف باختلاف المعقول. واذا كان المعقول الديني هو الحقائق الروحية، وفي رأسها الله، فلا بد من ان يكون التنبه لهذه الحقيقة والاحاطة بها وادراكها والتعبير عنها، اي عقلها، مختلفا عن الطرائق التي تُعقل بها الحقائق المادية. هكذا نستطيع النظر الى الايمان من حيث هو وظيفة يُعقل بها الله. بكلام آخر، الايمان هو العقل في نطاق الحقائق الروحية.

لذلك اقول بأن الجمع او التوفيق بين الفلسفة والدين، اذا كان المقصود به تقليص الفوارق او المصالحة او التقريب بين وجهتي نظر متعارضتين، هو من قبيل المسائل الباطلة pseudo questions التي يزخر بها التاريخ من نواحيه الفلسفية والدينية والاجتماعية وسواها.

التوفيق يمكن ان يحصل مثلا بين ديانتين او اكثر، او بين نظرتين سياسيتين او اكثر، او بين مفهومين ادبيين او اكثر... وتبرز الحاجة الى التوفيق عندما يكون هناك خلاف، خصوصا من نوع الاختلاف الذي يقتصر على الظاهر ولا يتعداه الى الجوهر. اما التوفيق بين الدين والفلسفة فمسألة زائفة من اساسها، لأن الاثنين ينتميان الى مرتبتين منطقيتين مختلفتين. هكذا نرى ان نشاطات مثل الدين والعلم والسياسة والفن هي نشاطات حياتية، ان جاز التعبير، في حين ان الفلسفة نشاط منهجي او منطقي، يدخل تلك النشاطات ليطرح حولها اسئلة متعلقة بماهيتها وتبريرها والعلاقة بين احدها والآخر.

الا ان التوفيق، في اي حال، امر ضروري بين ما يسمى "الدين الطبيعي"، أي ما يستطيع الانسان بلوغه بفطرته او بعقله المجرد عن رسالة دينية محددة، و"الدين الموحى" اي ما يأتي عبر ديانة معينة.

من هنا انتقل الى محاولة تعريف المفهومين الاساسيين لموضوعنا، وهما: الآخر والقبول. والمنهج الذي اعتمده هو بعض المنهج عينه الذي ارسيت عليه كتبي الاربعة في فلسفة الدين، اي الانطلاق من الدين الطبيعي لا من دين موحى، والاحتكام الى هذا الدين الموحى او ذاك تأييدا لأحكام العقل الديني. هكذا تبدو الرسالة الدينية، كما في مصطلح العديد من اللاهوتيين والفقهاء المسيحيين والمسلمين، "نورا على نور". والنور، في كلتا الحالين، هو النور الذي "يقذفه الله في الصدر" على حد تعبير الامام الغزالي وقبله القديس اوغسطين وسواهما.

من هو الآخر ومن هو اللاآخر؟ في تحديد أولي، اللاآخر هو كل من انتسب واياه تحت خانة واحدة هي خانة "نحن" – كأن يكون من عائلتي او من بلدتي او من بلدي او من ديني او من مذهبي او من لغتي او من اي جماعة ننتمي اليها معا، اما الآخر فهو من كان خارج هذه التصنيفات: فلا هو من عائلتي، ولا من بلدتي، ولا من بلدي، ولا من ديني، ولا من مذهبي، ولا من لغتي، ولا تجمعني به اي رابطة عملية. يتبع من هذا ان القبول، في معنى اولي ايضا، هو قبول اللاآخر الحاصل سلفا بحكم الشراكة في الانتماء التي تكتسب عبارة "نحن" معناها في اطارها.

لكن ماذا عن قبول الآخر؟

من أجل اعطاء مفهوم القبول تحديداً اكثر شمولا، سأتوقف عند الآخر في معناه الديني، اي ذاك الذي ينتمي اسميا على الاقل، الى دين آخر او الى مذهب آخر. كيف يقبل المسيحي المسلم والمسلم المسيحي؟ كيف يقبل السني الشيعي والشيعي السني؟ كيف يقبل الأرثوذكسي الكاثوليكي او العكس؟ كيف يقبل هذان البروتستانتي او العكس؟ كيف يقبل المؤمن اللامؤمن وهذا ذاك؟

طبيعي ان تكون هناك انماط متعددة للقبول، وفق اعتبارات عقلية وعقائدية ونفسية واجتماعية وسواها. لكنها، كما ارى، تنحل الى نمطين رئيسيين. الاول هو قبول الآخر كآخر، اي قبوله بالرغم من آخريته. وما دمنا في نطاق الدين، فان تبريرنا قبول الآخر يمكن أن يكون أن ديننا نفسه، الذي يعتبره هذا النمط الدين الاوحد او الصحيح او الأصح، يحثنا على هذا القبول لأنه يدعونا الى المحبة او العطف تجاه الآخرين. الا ان نظرتنا الى الآخر، في ضوء هذا المفهوم للقبول، تبقى نظرة فوقية، اذ نعتقد، في أحسن الحالات، اننا أصح او اكمل منه دينا، وان قبولنا اياه هو من قبيل الشهامة او العفو عند المقدرة او وضعه في ذمتنا او تحت حمايتنا.

النمط الثاني للقبول يتجاوز العقلية، وبالتالي العلاقة، الفوقية لأنه ينطلق من أن الاختلاف بين ايمان وايمان قد يكون اختلافا محضاً، لا يشير الى اعلى وادنى، او صحيح وغير صحيح، او اكثر صحة واقل صحة، بل يذهب الى اني مقتنع شخصياً بهذا الدين الذي تسلمته من اسلافي او ربما تحولت اليه، والى أن ما استطيع بلوغه عبر ديني يجب ان يستطيع الآخر بلوغه عبر دينه هو، لأننا اذا درسنا الاديان وجدناها متشابهة وظيفيا. علاقة القبول في هذا النمط اكثر نضجا، لارساء التفاهم او المحبة فيها لا على الشفقة بل على المساواة. هذه العلاقة الناضجة هي ثمرة تحويل الآخر الى لاآخر عبر الاقرار بأن الجوهر الواحد الذي يجمعنا يتجاوز المظاهر او الاسماء التي تفرقنا. واذا كانت الحياة داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات لا تقتضي، في ادنى شروطها، اكثر من النمط الاول للقبول، فلا شك ان النمط الثاني يجعل هذه الحياة اكثر سلاما وانسجاماً واستقراراً.

طالما تساءلنا عن حصول صداقات في حياتنا، بينها اعمق الصداقات، من خارج العائلة او الخط السياسي، او من خارج الدين او المذهب. وهي صداقات قد تتعزز وتدوم مدى الحياة، وربما افضت الى تأسيس حياة عائلية. وفي واقع عصري كثر معه الانتقال من مجتمع الى آخر، تعبر هذه الصداقات حدود المجتمع الواحد لتتداخل فيها المجتمعات بثقافاتها ولغاتها وعاداتها واديانها. ليست الصداقة، وخصوصا تلك التي تفضي الى تأسيس عائلة سعيدة، شأنا يستهان به، لا بل اهم اطار تتحرك الحياة السليمة ضمنه. ولا بد للصداقات التي تحصل خارج الاطر المحلية او الحزبية او الدينية التقليدية من ان تعدّل في المفاهيم الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية لدى اصحابها، علما ان صداقات بعضهم، خصوصا ممن يعتنقون مفهوم القبول حسب النمط الاول الذي حددناه، مقررة سلفا بحكم الروابط التقليدية.

ان الصداقات التي تخترق حواجز الانتماءات السلفية او المنغلقة هي اعمق اطار نختبر فيه قبول الآخر بتحويله لاآخر. ولا اجد هنا موقفاً ابلغ من القصة التي رواها يسوع لشخص سأله عما يعنيه بمحبة القريب، وهي الآتية:

إنسان كان نازلاً من اورشليم الى اريحا، فوقع بين ايدي لصوص، فعرّوه وجرجروه ومضوا وتركوه بين حي وميت. فعرض ان كاهناً نزل في تلك الطريق، فرآه وجاز مقابله. وكذلك لاوي ايضا، اذ صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله. ولكن سامرياً مسافراً جاء اليه، ولما رآه تحنن [علماً أن السامريين كانوا اغراباً عن تلك المنطقة ومختلفين عرقيا واعداء لأهله]. فتقدم وضمّد جراحاته، وأركبه على دابته وأتى به الى فندق واعتنى به. وفي الغد لما مضى اخرج دينارين واعطاهما لصاحب الفندق، وقال له: "اعتن به، ومهما أنفقت اكثر فعند رجوعي اوفيك". فأي هؤلاء الثلاثة صار قريباً للذي وقع بين اللصوص؟". فقال: "الذي صنع معه الرحمة". فقال له يسوع: "اذهب انت ايضا واصنع هكذا" (لوقا 10: 30 – 37).

هذا يدعونا الى تعديل معنى الجماعة والجماعية بعيداً عن التزمُّت العقائدي والنظرات المنغلقة. والحق ان المعنى الاعمق للدين هو ذاك الذي يغلب فيه الاعتبار الفردي او الشخصي على الاعتبار الجماعي، هذا الاعتبار الذي اجمعت الرسالات الدينية على شجبه. ففي الانجيل ان "كل واحد منا سيعطي عن نفسه حساباً لله" (رومية 14: 12). وفي القرآن: "يا ايها الناس اتَّقوا ربكم. واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا" (لقمان 31: 33).

الا يدعونا هذا حقاً للذهاب ابعد من المظاهر والاسماء، اي الى الجوهر، بحثا عن المجال الاصيل للانتماء؟ هو يجعلنا نكف عن حصر "الفرقة الناجية" في من تسمى باسمنا، غافلين عن ان بين اولئك كثيرين ممن "قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم" (المائدة 5: 41)، ولعلنا نحن منهم. كما يجعلنا ندرك ان هذه الفرقة هي افراد من كل الفرق في كل الاديان، وحتى من خارج الفرق والاديان، استطاعوا أن يحققوا الشرطين اللذين لخص بهما يسوع المسيح كل النبوءات والنواميس، وهما: أن تحب الرب الهك من كل عقلك وقلبك وارادتك، مبرهنا عن هذا الأمر بمحبة قريبك، وهو الآخر كائنا من يكون، كما تحب نفسك (لوقا 10: 25 – 28). انها الفرقة التي ابعدها الغزالي عن كل اسم حصري اذ دعاها "صفوة الصوفيين".

في لقاء تناولنا خلاله موضوعاً مجاوراً لموضوعنا اليوم، سألني أحدهم تعليقاً على منطق من هذا النوع: "أهذا فلسفة دين أم وحدة وطنية أو اجتماعية أو انسانية؟". كان كلام صاحبنا منطلقاً مما أسميه الغلواء الالغائية، وهي نزعة عقائدية منغلقة ومتطرفة، يرى دعاتها أنهم وحدهم في الحق وسواهم في الباطل، أو أنهم في الحق كله وسواهم في جانب منه. بعد هذا تتفاوت ردود الفعل تجاه الآخر: فمنهم مَن يقبله بهدف إقناعه وكسبه الى جانبه، أي الى "الحق" في اعتقاده، ومنهم مَن يقبله على مضض لأن النظام الاجتماعي يقتضي شيئاً من "التضحية"، ربما على رجاء يوم تزول فيه ظروف التضحية، ومنهم مَن لا يقبل هذا الآخر أبداً بل يجرّد نفسه لمحاربته بكل الوسائل. صحيح أن هناك تنوعات أو أنواعاً للتجربة الدينية كما قال وليم جيمس قبل ما يزيد على القرن. لكن هذا النوع يجعلنا ندرك لماذا بات العديد من العلماء السلوكيين يربطون الدين بالعُصاب على الصعيد النفسي والتعصّب على الصعيد الاجتماعي، كما يجعلنا نتلمّس بعض الدوافع لابتعاد كثيرين اليوم عن الانماط الدينية التقليدية، ربما ليستمد بعضهم عُصابه وتعصّبه من مصادر أخرى بل من أوثان أخرى.

صحيح أن الآخر، بمعنى من المعاني، هو كل من ليس "نحن". لكن الآخر، بمعنى أعمق، هو كل من ليس "أنا". أما القبول الناضج للآخر فيعني رعاية حقوقه، وفي رأسها حريته وكرامته وحقه في الاختلاف، وإن كان ينتمي إسمياً الى كل الجماعات التي أنتمي اليها، كما يعني إدراكي، في الوقت نفسه، أن ثمة هوية واحدة بين البشر، على كل اختلافاتهم، بحكم كونهم بشراً. قبول الآخرين يعني رعاية حقوقهم، في إطار التنوّع ضمن الوحدة والوحدة ضمن التنوّع. أوليست رعايتنا حقوق الانسان هي الوجه الاساسي من الرعاية - إن شئنا استعارة كلام المفكّر الصوفي الكبير الحارث المحاسبي - لحقوق الله؟


(•) أديب صعب فيلسوف لبناني. استاذ الفلسفة لثلاثة عقود في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي، الذي انبثقت منه جامعة البلمند. له رباعية في فلسفة الدين (دار النهار، بيروت): "الدين والمجتمع" (1983)، "الاديان الحية" (1993)، "المقدمة في فلسفة الدين" (1994)، "وحدة في التنوّع" (2003). يصدر له الشهر المقبل كتاب بعنوان "هموم حضارية - في الثقافة والسياسة والنهضة المنشودة".

(••) قُدّمت هذه الورقة في اليوم العالمي للفلسفة الذي نظمته الأونيسكو، بيروت 16 تشرين الثاني 2006
.
Reply With Quote
  (#4 (permalink)) Old
Registered Member
 
Picasso's Avatar
 
Offline
Posts: 1,142
Thanks: 42
Thanked 65 Times in 49 Posts
Last Online: 5th October 2009
Join Date: Fri Apr 2006
View Picasso's Photo Album
Default 10th December 2006

الدين والدولة

أديب صعب



إذا كان التعصب والتسامح نمطين من أنماط الحياة الدينية، فمع التعصب تنسجم فكرة الدولة الدينية ومع التسامح فكرة فصل الدين عن الدولة. لكن إذا كان التسامح من خصائص الدين الصحيح والتعصب من خصائص الدين غير الصحيح، فلماذا لا يكون الحكم دينياً؟ ألن يعزّز عندئذٍ فضيلة التسامح وبقية الفضائل الدينية من محبة وخير وعدالة ونظام وسلام؟

لا شك أن الفضائل الدينية تعبّر عن أرفع القيم. لكنها تربط هذه القيم بجماعة معينة هي المؤمنون بهذا الدين أو ذاك. والحكم الديني لن يكون، حسب المفاهيم السائدة، حكماً باسم الدين الطبيعي أو دين الفطرة أو دين البديهة، لكنه سيكون حكماً باسم هذا الدين الموحى أو ذاك – باسم الهندوسية، مثلاً، أو اليهودية أو المسيحية أو الاسلام. وهذا، خصوصاً في المجتمعات المتعددة الأديان، يعني أن تتبنى الدولة عقيدة لا تعبّر عن جميع مواطنيها. وهي إذ ذاك لن تكسب ولاء مواطنيها كلهم، بل ستبقى في المجتمع فئاتٌ تعتبرُ نفسَها مظلومة سياسياً لأن عقيدة الدولة غير عقيدتها. وهذا يجعل من الدولة عامل تفرقة بدل أن تكون عامل توحيد. أما في المجتمعات ذات الدين الواحد، فللحكم الديني مساوئ كثيرة أيضاً، أهمها أن هذا الحكم، الذي يحصل باسم الله، من شأنه أن يتحول إلى نظام مطلق يتبنى مواقفَ جامدة في السياسة والقانون والأخلاق والاقتصاد والفكر والفن، فيغلق على نفسه باب التطور والتعديل، وينتهج سبيل قمع الحريات وفرض إرادته مهما كان الثمنـ ويَطْغَى ويتجبّر ويتكبّر، مبرراً ذلك كله بأنه إرادة الله. هكذا، ليس عسيراً أن يُحَوَّل الله في الدولة الدينية إلى طاغية، ويصبح النظام السياسي طغياناً ينتحل اسم الدين.

ولئن عَرفت أنظمة الحكم الدينية التي قامت خلال التاريخ نجاحاً وإخفاقاً متفاوتَبن، فهناك على الدوام، في المجتمعات ذات الدين الواحد، خطر تحوُّل الحكم الديني إلى طغيان لم تنجُ منه تاريخياً كل أنظمة الحكم التوتاليتارية حيثما قامت، سواء أكانت دينية أم علمانية. ثم إن الحكم الديني ليس، كما يتوهم دعاته، حكم الله على الأرض، لكنه حكم الناس باسم الله وتحميله بالتالي كل مساوئهم وشرورهم ونقائصهم وسقطاتهم ومحدودياتهم. وهذا نوع صارخ من أنواع الشِّرْك، يحاول معه الانسان رفع ذاته المحدودة إلى مقام الألوهة.

النظرة السياسية المنفتحة التي تترجم الحرية والعدالة والمساواة إلى نظام حكم لا يمكن أن تعلن ديناً معيناً، إلهياً أو زمنياً، للدولة، فتحكم باسم عقيدة دينية أو قومية أو سياسية، لأن هذا في ذاته يُشَكّل عزلاً للناس الذين لا يدينون بتلك العقيدة، وطغياناً أو إمكان طغيان يبرر ذاته بالاحتكام إلى الله والدين. في النظرة السياسية المنفتحة تكون الدولة آلة إدارية، لا داعية عقيدة، بحيث يستطيع المواطنون ممارسة عقائدهم بحرية وتبنّي العقائد التي يريدون. وهذا يصح على وجه الخصوص في المجتمعات التعددية، حيث تقضي النظرة السياسية المنفتحة أن تكون الدولة مثالاً للوحدة في التعدد. فالدولة لا يجوز أن تعكس تعددية المجتمع، لان الفوضى تحل عندئذ محل النظام. كما لا يجوز أن تَفرض وحدة تعسفية، دينية أو عرقية أو غير ذلك، على الكل، لأن في هذا انتهاكاً لقيم الحرية والعدالة والمساواة. إذاً، لا بد لهذه الدولة من أن توحِّد الناس من غير أن تقضي على تعددياتهم. وهذا يعني أن تكون الدولة وحدة وسط التعدد والتنوع، فتجسد جوهر الأديان من غير أن تتبنى هي ديناً خاصاً، وتمارس كل الفضائل دون أن تعمّدها تحت اسم معين.

ولئن كانت معظم مجتمعات العالم تعددية ديناً وعرقاً، فهناك معنى يجعل من كل المجتمعات، بلا استثناء، تعددية، هو المعنى العددي. فكل مجتمع تعدديّ بمعنى واحد على الأقل، هو معنى تكوّنه من أفراد. ولا يمكن أن تجسّد الدولة القيم السياسية الحقة، وهي الحرية والعدالة والمساواة، إذا تبنّت عقيدة معيّنة. ولكن ربما كان هذا النظام السياسي الذي نقترحه، وهو أن تعكس الدولة مثال الوحدة في التعدد وتكون آلة إدارية لا داعية عقيدة، أقرب إلى جوهر الدين من النظام الذي يعلن من أحد الأديان ديناً للدولة.

ربما كانت الدولة التي تنتهج الوحدة في التعدد كنظام سياسي هي الدولة الدينية الفعلية لا الاسمية، لأنها أقرب إلى دين الفطرة والطبع. لكن الدولة لا تحتاج إلى أن تكون دينية، بشرط ألا تقوم على إيديولوجية معادية للدين. والنظام الذي اقترحناه لا يمكن أن يعادي الدين أو يشكل تهديداً له، لأنه حيادي من الناحية العقائدية.

ما ندعو إليه، إذاً، هو فصل الدين عن الدولة. وقد اتخذ هذا المنحى مع العديد من المفكرين اسم العلمانية. لكن العلمانية عانت ولا تزال تعاني هجوماً مريراً من بعض الأوساط الدينية تبعاً لإساءة فهمها على أنها الوجه السياسي للالحاد. إلا أن العلمانية تعني، ببساطة، فصل الدين عن الدولة، أي حيادية نظام الحكم بما يخص الدين، مع عدم التعرض للأديان في ممارسة شعائرها ومخاطبة أتباعها والتعبير عن آرائها ونقد المؤسسات السياسية والاجتماعية إذا انحرفت عن خطها القويم، ولكن مع عدم السماح للدين بالتحول إلى نظام سياسي. هذا المفهوم للعلمانية يمثله أناس مثل جون لوك، الذي دعا إلى التسامح الديني بين المواطنين والسماح لكل التنظيمات السياسية والفكرية والدينية بممارسة عقائدها إذا كانت لا تتنافى والمصلحة العامة. وقد قامت الثورة الفرنسية عام 1789 على هذا الأساس الذي ما تزال الدولة الفرنسية، وهي إحدى أهم الديمقراطيات في العالم المعاصر، تعتمده.

لكنّ ثمة نظاماً سياسياً آخر تبنّى لنفسه صفة العلمانية والروح العلمية، وساد سبعة عقود ونيّف من القرن العشرين في روسيا والاتحاد السوفياتي الذي فرط عقده في مطلع 1992، وفي عدد من الدول الدائرة في فلكه. هذا هو النظام الشيوعي الذي تأثر بعدد من المنظّرين، أهمهم على الاطلاق المفكر الألماني كارل ماركس في آرائه في الاجتماع والاقتصاد والعمل والسياسة والدين. ماركس وجد في الدين عاملاً معرقلاً للتقدم البشري، ودعا إلى قيام مجتمع قوي يكون تحقيقاً للحلم الديني في إقامة فردوس، ولكن في المكان الوحيد الممكن حسب ماركس، وهو الأرض. والواقع أن الأديان عانت اضطهاداً واسع النطاق من الأنظمة الشيوعية أينما قامت، سواء في الاتحاد السوفياتي أو الصين أو بلدان أوروبا الشرقية. ولم يكن ممكناً، طوال عقود، اختراق ما سُمِّيَ "الستار الحديدي" لمراقبة أحوال المؤسسات الدينية والمؤمنين عن كثب. ولكن مما لا شك فيه أن الممارسة الدينية عرفت قمعاً كبيراً في الأنظمة الشيوعية قبل أن تباشر هذه الأنظمة تليين مواقفها في النصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين.

هناك، إذاً، نوعان من العلمانية، يمكن أن نطلق على أحدهما اسم العلمانية المتطرفة أو القاسية وعلى الآخر اسم العلمانية الليّنة أو المعتدلة. العلمانية القاسية تذهب أبعد كثيراً من فصل الدين عن الدولة، إلى حد محاربته في المجتمع. أما العلمانية الليّنة فتكتفي بفصل الدين عن الدولة، مع اعتبار الدين من أهم المؤسسات الاجتماعية والحضارية، ومعاملة الأديان كلها على قدم المساواة، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الانتماء الديني أو الايمان.

لكن إذا نظرنا إلى العلمانية المتطرفة في الممارسة، لوجدنا أنها جعلت من مُطْلَقات كالقومية والانسانية والدولة بدائل لله، وأنها، في التحليل الأخير، تترجَم إلى أنظمة سياسية قمعية تهدد القيم الاجتماعية التي قامت العلمانية الصحيحة لحمايتها، وهي الحرية والعدالة والمساواة. فهذه العلمانية هي من نوع الدولة الدينية التي ادّعى النظام العلماني المتطرف أنه جاء كي يصحح أخطاءها، مع فارق أن الايديولوجية التوتاليتارية المنغلقة، ليست، في هذه الحال، إيديولوجية دينية، لكنها إيديولوجية قومية أو اقتصادية أو سياسية او اجتماعية.

وفي يحن لم يَعرف التاريخ دولةً تجعل من الالحاد نظاماً سياسياً غير الدول الشيوعية، فقد عرف أنظمة كثيرة تنتمي إلى العلمانية المعتدلة التى نرى أنها العلمانية الأصيلة، وأن العلمانية المتطرفة تزييف لها. إلا أن المتعصبين المغالين يقفون موقفاً مبدئياً ضد العلمانية من غير أن يكلفوا أنفسهم عناء التمييز بين هذين النوعين من العلمانية. وفي العالم العربي بلغ عداء بعضهم للعلمانية حداً جعل عدداً من المثقفين يستعيضون في الآونة الأخيرة عن العلمانية وكل العبارات المشتقة منها بعبارة "الدولة المدنية". وإذا عرفنا أن مفهوم الدولة المدنية لا يعني، كما يستعمله ويقصده بعضهم، غير ما تعنيه العلمانية، لأدركنا أن جدالنا، هنا أيضاً، لن يكون مع ألفاظ وعبارات وشكليات. وبما أننا لا نجد أي مانع من أن يتعرض مفهوم الدولة المدنية لما تعرض له مفهوم العلمانية من تشويه وسوء فهم، فنحن لن نحاول المفاضلة اللغوية بين مفهومين متساووين، وإن كنا نؤثر المصطلح الشائع، وهو العلمانية، على المصطلح الجديد الذي يكاد يقتصر تداوُله على كتّاب المجلات الثقافية المحدودة الانتشار وقرائها.

إلا أن بعضهم يصر على رفض العلمانية في كل أشكالها والتمسك بفكرة الدولة الدينية. ومنهم عدد من المفكرين المسلمين الذين يذهبون إلى أن الاسلام دين ودولة، أي إلى أن الدولة في الاسلام جزء من الدين وأن الدين لا يكتمل إلا بها. ويحاول هؤلاء تعزيز دعواهم بالاحتكام إلى بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والوقائع التاريخية.

وآيات القرآن المعنيّة هي تلك التي يَردُ فيها ذكرُ الحكْم: "إنّ اللهَ يأمرُكم أن تؤدّوا الأماناتِ إلى أهلها، وإذا حكمتُم بين الناس أن تحكموا بالعدل". ولكن إذا ذكرنا أن كل الفئات المتصارعة في الاسلام بررت نفسها بآيات وأحاديث، كما تفعل المدارس الفلسفية المختلفة إذ تجدُ لنفسها جذوراً في فكر أفلاطون، لأدركنا أن القرآن لا يبرر بالضرورة كل الفِرَق المحتكمة إليه، وإلا لصار كلام الله تبريراً للشيء ونقيضه في آن معاً. وهناك مفكرون مسلمون بارزون وجدوا أن الاسلام لا يدعو إلى الدولة الدينية.

ومن هؤلاء ثلاثة مصريين هم علي عبد الرازق الذي أثار كتابه: "الاسلام وأُصول الحكم" ردودَ فعل قوية لدى نشره عام 1925، وخالد محمد خالد الذي يجد الخلاص في "تغيير القلب الانساني لا تغيير المجتمعات"، ومحمد سعيد العشماوي الذي يذهب إلى أنّ الرأي القائل "بأن السياسة جزء من الدين أو ركن من الاعتقاد... لم يقل به أحد من أهل السنّة والجماعة. غير أن توطيد هذا الاعتقاد في مفاهيم السنّة يخوّلهم الحق في ممارسة السياسة باسم الدين، كما يسوّغ لهم العمل الحزبي تحت لافتة الشريعة".

وفي كتابه "الاسلام السياسي"، يشير العشماوي إلى أن مفهوم الحكم في القرآن لا يعني الحكم السياسي، بل يعني "القضاء بين الناس أو الفصل في الخصومات أو الرشد والحكمة". ولكن "بالتحريف فقط أصبح هذا اللفظ يعني السلطة السياسية، وأصبحت آيات القرآن التي تتضمنه تُستعمَل في أغراض سياسية أو أهداف حزبية بتحريفها عن معناها وتزييفها عن حقيقة التنزيل، ومن ثم تُستخدَم لتأييد قيام الحكومة الاسلامية".

ويميز بين نهجين في التفسير ما يزالان مستمرين حتى اليوم، هما نهج الصحابة الصحيح الذي ينزّه الدين عن السياسة ونهج الخوارج المخطئ الذي يقوم على يقوم على اغتصاب السلطة.

الأول "يركن إلى تفسير الثقات"، والثاني "يعمد إلى تهييج البُغاة". وبعد استشهاده بآيات حول الجهاد تَرفع كل نزعة عدوانية عن الاسلام، وتذكيره بآيات مثل "ولو شاءَ ربُّك لآمنَ مَنْ في الأرضِ كلهم جميعاً، أفأنتَ تُكْرِهُ الناسَ حتى يكونوا مؤمنين"، و"لا إكراهَ في الدين"، يقول إن الجهاد الحق حسبَ الاسلام هو "الجهاد الأكبر"، أي "مجاهدة النفس على الشدائد ومكابدة الذات على المَكارِه ومساعدة الخُلق على السمو والرفعة ومعاضدة الروح على البذل والعطاء". وخلاصة القول عنده "أن الاسلام لا يوصي ولا يشترط حكومة من نوع خاص، ولم يضع أو ينظم أي شكل للحكومة. وهو، على الاطلاق، ضد ما يسمى بالحكومة الدينية التي تضفي عصمةً أو قداسة، بأي شكل أو بأي اسم، على الحكام، فيعملون بذلك ضد مصالح الناس وضد الحرية والعدل، مستغلين صفاتهم أو محرفين الدين أو مشوهين الواقع. إن الاسلام يُعنى بالانسان لا بالنظام، بالضمير لا بالأحكام القانونية، بالروح لا بالحرف. والحكومة الاسلامية الحقيقية، المتمشية مع الاسلام نصاً والمتوافقة مع الدين روحاً، هي الحكومة التي تقوم على العدل وتنزع إلى الانسانية. هذه الحكومة، التي توصَف بأنها حكومة مدنية، تصدر على الشعب وتعمل من أجله. إنها حكومة تضم كل الناس في مجتمع واحد لا تستبعد منه أحداً لتفريق عنصري أو لتمييز شخصي أو لاختلاف عقائدي".

ليس صعباً أن نرى أن مؤلف "الاسلام السياسي" يدعو إلى نظام الحكم "المدني" أو العلماني، قائلاً إنه يعبر عن روح الاسلام أكثر مما يفعل نظام الحكم الديني. وتجدر الاشارة إلى أن كلمة "لاووس" اليونانية، التي جاءت منها عبارة "العلمانية"
Laicism
ومشتقاتها في اللغات الاوروبية، تعني "الشعب". فالعلمانية هي النظام السياسي الذي يمثل الشعب كله ويعبّر عن الشعب كله بلا استثناء. أما قيام الدولة الدينية بحجة الدفاع عن الايمان فليس مبرراً. وفي الاسلام، كما رأينا، أنه لو شاء الله لآمنَ كل الناس، وأنه "لا إكراهَ في الدين"، وأن "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فالدين شأن ضميريّ لا يُفرَض بقوانين. إنه فوق القانون وأهم من كل القوانين التي هي، بطبيعتها، نسبية، توجد لزمان ومكان معيَّنَين وتحتمها ظروف معينة، في حين أن الدين لكل زمان ومكان. لكن الايمان شأن خاص بين الفرد وربه، وإلا أُفسح المجال للرياء والكذب وحلول الاعترافات اللفظية الفارغة مكان الايمان الحار النابع من القلب.

وإذا كان في النصوص الدينية المقدسة، في نصوص أي دين، ما قد يشير ظاهره إلى أي انتهاك للقيم، خصوصاً من حيث النظرة إلى الذات وإلى الآخر واحترام الكرامة الانسانية وإجلال خليقة الله، فالبديهة تدلنا فوراً، وبما لا يقبل الشك، على أن عدم فهم حقيقة النص أو إدخال مآرب الشخصية إلى تفسيره هو الذي أعطاه المعنى السلبي.

فالدين محبة ورفق وتفاهم وتسامح وعدل وسلام، ولا مجال فيه للبغض والعداوة والاكراه والظلم. لذلك تقع على عاتق المفكرين الدينيين والمؤمنين المتنوّرين ومعلمي الدين ورُعاته مسؤوليةُ تفسير النصوص التي تحتمل التأويل، لكي تنسجم مع جوهر الدين وروحه.


المصدر: وحدة في التنوع
مَحاور وحوارات في الفكر الديني

تأليف: أديب صعب

الناشر: دار النهار
www.darannahar.com

الطبعة الأولى، تشرين الثاني 2003
Reply With Quote
  (#5 (permalink)) Old
Registered Member
 
coralie's Avatar
 
Offline
Posts: 9,034
Thanks: 275
Thanked 582 Times in 416 Posts
Last Online: 3 Days Ago
Join Date: Thu Apr 2005
View coralie's Photo Album
Default 11th December 2006

i did nt read all cause its in arabic and it will take me like 2 life times to undrstand it i will simply answer the thread title .
religion is Gods words and teachings = Love + tolerence + equality+ forgiveness ..... all good things

tataroff is Man's word = violence + refuse to accept the other+ hatred .....

so basicly those are totaly 2 diffrent things and are not in any way related ..man is using the name of God to fulfill all his bad and God gave his words/teachings so we can live in peace and Love . 2 opposistes !

one give Hope and positif enlightment the other turn it to a hatred killing machine .
Reply With Quote
  (#6 (permalink)) Old
Registered Member
 
Picasso's Avatar
 
Offline
Posts: 1,142
Thanks: 42
Thanked 65 Times in 49 Posts
Last Online: 5th October 2009
Join Date: Fri Apr 2006
View Picasso's Photo Album
Icon7 Merci Coralie - 17th December 2006



المونسنيور بريزار محاضراً في كنيسة الثالوث الأقدس – باريس

ألم يدرك اللبنانيون أنهم ضحية الصراعات على أرضهم؟

من رودني ضو - باريس






"ما هي المخاطر التي تحدق حالياً بالوجود المسيحي في الشرق؟"، عنوان المحاضرة التي ألقاها المونسنيور فيليب بريزار، في كنيسة الثالوث الأقدس - باريس بمناسبة احتفالات الرعية لسنة 2006.

بداية، كان شرح من المونسنيور بريزار لبعض العبارات الاساسية التي تشكّل عنوان المحاضرة فقال: "كلمة الشرق تشير اساساً لبلدان شرق البحر الابيض المتوسط التي كانت تسيطر عليها الامبراطورية الرومانية. يُطلق عليه الانكليز اسم الشرق الاوسط لأنه يشكّل بالنسبة اليهم بداية عبور نحو الهند. أما الفرنسيون فيطلقون عليه اسم الشرق الأدنى لأن البحر الابيض المتوسط يقرب المسافات بين جميع الدول المحيطة به (...)".

"الكنيسة هي ابنة هذا الشرق حيث ولدت. المسيحيون الاوائل هم مسيحيو هذا الشرق؛ إننا ندين لهم بكل شيء خاصة وأنهم نقلوا الينا البشارة الخلاصية والكتب المقدسة. القديس ايريناوس أول أسقف على بلاد الغال، هو من آسيا الصغرى. المسيحيون الشرقيون ليسوا اذاً بغاصبين أو بمستعمرين للشرق بل هم خير ابناء له. خلال الفتوحات العربية والاسلامية مزجوا لغتهم وثقافتهم الآرامية واليونانية باللغة والثقافة العربية مكونين بذلك حضارة متنوعة. هذا المزيج من الأمم والاديان والمذاهب واللغات جعل من هذا الشرق لوحة موزاييك مميزة".

بعد هذا الشرح، أبرز المونسنيور بريزار وبايجاز تاريخ الكنيسة الذي بدأ مع ولادة الكنيسة - الأم كنيسة أورشليم يوم العنصرة. "إن وجود "رجال يخافون الله، من كل الشعوب الذين تحت السماء" (رسل 2/5) في أورشليم يوم العنصرة، وقد غمرتهم نعمة الروح القدس، هو علامة حيّة على أن الكنيسة منذ نشأتها تحمل بشرى خلاصية للعالم كله". على أثر الاضطهادات التي تعرضت لها كنيسة أورشليم بعيد نشأتها، تشتَّتت في أماكن مختلفة حيث عملت على تنظيم رسالتها. فتوزعت ضمن بطركيات خمس: روما، بيزنطيا، الاسكندرية، انطاكيا وأورشليم. اضافة للمصاعب التي كانت تعترض عمل الكنيسة من الخارج، بدأت تظهر مشاكل، داخل الكنيسة أدت الى انقسامها كنائس عدة في الشرق والغرب. ابتداء من القرن السابع، بدأ الاسلام بالانتشار وقد لعب دوراً مهماً في التأثير على مجريات الاحداث في الشرق.

بعد عرض تاريخ الكنيسة، تطرق المونسنيور بريزار للاخطار التي تحدق اليوم بالمسيحيين في الشرق، فقال: "الوضع في الشرق الاوسط خطير ولا يبعث ابداً للاطمئنان والوجود المسيحي هناك في تناقص مستمر. سبب ذلك هو الحروب التي تعصف ببلدان الشرق الاوسط، خاصة الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني، الحرب في العراق، الحرب الاخيرة على لبنان وما ينتج عنها من تنام للحركات الاصولية ومن تعرض لحياة الانسان ولحقوقه الاساسية الدينية والمدنية (...)".

"الكنائس المسيحية في الشرق تتألم اليوم مع المسيح. ربما اليأس بلغ ذروته، والخوف استطاع للقلوب سبيلاً، لكن يبقى لدينا الأمل والايمان بالله. الايمان يساعدنا كي ننظر للأحداث من حولنا على ضوء مشروع الله الخلاصي للبشرية والذي لا يمكن سبر أغواره الا بفهمه على المستويين القريب والبعيد. إن الحقيقة لا تقتصر فقط على ما يرى، بل ايضاً على ما هو أبعد من ذلك. علينا أن نعرف كيف نميّز علامات أزمنة ملكوت السموات كما نميّز حالة الطقس عندما ننظر الى السماء. لن نقبل بأن يكون للحرب والمجاعة والظلم الكلمة الاخيرة، بل للسلام والعدالة والمحبة. إن حبة الحنطة إن لم تقع في الارض وتمت لا يمكنها أن تعطي الحياة.

وأضاف: "المسيحيون الشرقيون الذين كانوا دائماً جسر عبور بين الشرق الاسلامي والغرب المسيحي، يواجهون اليوم مشكلة حقيقية في الاستمرار بلعب هذا الدور مع تنامي الحركات الاسلامية المتشددة في الشرق وتزايد الالحاد في الغرب. تعبيراً عن رغبتهم في الانتماء للوطن العربي، كانوا وراء النهضة العربية ومعظم الاحزاب والتيارات السياسية العلمانية التي تهدف الى الدفاع عن الانتماء العربي للفرد واحترام حريته الدينية. وقد لاقت هذه الاحزاب والتيارات نجاحاً كبيراً في بداية انطلاقتها في مصر والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان.

للأسف، إن اقامة دولة اسرائيل على أساس علماني في الظاهر وديني في الباطن، أعاق تطور كل عمل وتحرك عربي لاطائفي لصالح الحركات المتشددة يهودية كانت أم اسلامية. المسيحيون الشرقيون يتساءلون اليوم عن حقيقة انتمائهم لهذا الوطن العربي، وقسم كبير منهم يهاجر أو يعدّ العدّة لذلك. وما يزيد في الامر سوءاً هو تعرضهم المتزايد للمضايقات في حقوقهم المدنية والدينية".

للخروج من هذه الازمة، طالب المونسنيور بريزار في ختام محاضرته بإيجاد حل سريع وعادل للقضية الفلسطينية وللوضع المتأزم في العراق. كما وطالب بالحفاظ على لبنان الرسالة لأن الرهان الاساسي عليه من اجل ضمان العيش المشترك في الشرق والعالم.

حوار

ثم دار حوار خصب مع الحاضرين.

• الوجود المسيحي في الشرق هو بتناقص مستمر. المسيحيون اليوم اقلية في جميع بلدان الشرق الاوسط. ماذا تفعل الكنيسة للحد من هجرة المسيحيين؟

- الكنيسة تتألف من رجال دين ومن علمانيين لهم دور أساسي في المجتمع وفي عيش "المحبة الاجتماعية". الكنيسة هي ايضاً الرعية والابرشية والبطريركية والكنيسة الجامعة. يجب على كل رعية أن تحاول النهوض بنفسها وفق امكاناتها المتوافرة وبتضامن جميع أبنائها. هكذا تغتني الرعية فالابرشية فالكنيسة. يجب أن نعمل سوياً، رجال دين وعلمانيين، رعايا وأبرشيات، من أجل الخير العام.

للأسف فإن مسألة الخير العام أصبحت ثانوية لدى المسيحيين الشرقيين. أتوجه بوجه خاص الى المسيحيين في لبنان لكي أطلب منهم العودة في هذا الامر لما قاله السينودس من أجل لبنان والارشاد الرسولي: "رجاء جديد للبنان".

• يكثر الحديث في هذه الايام عن الفيديرالية في العراق وفي لبنان. ما هو رأي الكنيسة في هذا الموضوع؟

- إن تقسيم العراق لثلاثة اقسام بين الشيعة والسنّة والاكراد هو كارثة للمنطقة وللوجود المسيحي بشكل خاص. أما بالنسبة للبنان فهو جغرافياً، اصغر من أن يقسم.

• الاتحاد الاوروبي هو الممول الاساسي لعملية السلام في الشرق الاوسط. سياسته حول النزاع في المنطقة تتقارب كثيراً مع مواقف الكنيسة وهي غالباً مرحب بها من المسلمين والمسيحيين. ولكن نلاحظ بأنه ليس للاتحاد الاوروبي اليوم النفوذ الكافي للتأثير على مجريات الامور في المنطقة. ما هو موقف الكنيسة من ذلك؟

- الاتحاد الاوروبي يتميّز عن غيره من الدول الفيديرالية العظمى في طبيعة تكوينه وطريقة عمله. إنه يتكون من مجموعة دول مستقلة لم تستطع حتى اليوم ايجاد الحلول للكثير من المسائل السياسية والاقتصادية العالقة بينها. أما بالنسبة لطريقة عمله فهي تقتصر بشكل اساسي على نشر الثقافة الاوروبية والقيم الانسانية والدفاع عنها، ما يتعلق تحديداً بسياسة الشرق أوسطية، فهو يتدخل أحياناً من أجل فرض تعديل في السياسة المطبقة، كما حصل في الحرب الاخيرة على لبنان، في معارضتها، كما حصل في الحرب الاخيرة على العراق، أو في دعمها، كما حصل في حرب الخليج عام 1991.

• ما هو موقف البابا بينيديكتوس السادس عشر من مسألة وحدة الكنائس ومسألة الحوار بين الاديان؟

- في مسألة وحدة الكنائس، لا مستقبل حقيقياً للمسيحيين من دون وحدة الكنيسة. إن عدد الاساقفة في حلب، في بيزنطيا وفي أورشليم هو كبير جداً بالنسبة لعدد المسيحيين هناك. أورشليم التي تضم 2 في المئة من المسيحيين فيها 13 كنيسة.
إن المسؤولين عن هذه الكنائس يعون تماماً خطورة هذا الانقسام ويعون جاهدين للتقريب بين وجهات النظر المختلفة. على سبيل المثال، اتفقت الكنائس المسيحية في الاراضي المقدسة على الاحتفال بعيد الفصح وفق الرزنامة التي تضعها الكنيسة التي تضم العدد الأكبر من المؤمنين ضمن نطاق ابرشيتها (أورشليم: روزنامة الكنيسة اللاتينية، طيبة: روزنامة الكنيسة الأرثوذكسية). بالنسبة للحوار بين الاديان، المشكلة مع إخوتنا المسلمين هي أنهم يعتبرون أن ديانتهم خاتمة الوحي الإلهي. لذلك أعتقد بأنه على المستوى اللاهوتي، لا يمكن للحوار أن يعطي نتيجة. يمكننا أن نجد قواسم مشتركة على المستوى الثقافي لأنه في النهاية غاية الاديان هي الانسان مهما اختلف في دينه ولونه وعرقه.

• هل لديكم ما تقولونه بالنسبة لرحلة البابا الى تركيا؟

- لهذه الرحلة ثلاثة أهداف: وحدة الكنيسة، زيارته تقع خلال عيد القديس اندراوس (30 ت2)، شفيع كنيسة القسطنطينية، لذلك سيلتقي البطريرك برتلماوس الاول من أجل اعادة إحياء الحوار المسكوني مع الكنيسة الأرثوذكسية. كذلك سيلتقي بالمسيحيين هناك لكي يشجعهم على البقاء في ارضهم بالرغم من المضايقات التي يتعرضون لها على المستويين الديني والمدني. الهدف الثاني للزيارة هو الحوار بين الاديان وكيفية تفعيله لأن الرهان الاساسي هو الاسلام المنفتح والمعتدل. أما الهدف الثالث، فهو دخول تركيا في الاتحاد الاوروبي من ناحية حقوق الاقليات والحرية الدينية.

• احترام الحرية الدينية لكل انسان هو حق اساسي تنص عليه القوانين في جميع البلدان الغربية وتعترف به الكنيسة. الحد الادنى من هذه الحريات هو غير متوافر في معظم الدول العربية. ماذا تفعل الكنيسة اليوم من أجل طمأنة المسلمين بالنسبة للحضور المسيحي في الشرق الذي يجب أن يكون كاملاً وفاعلاً؟

- وفق التقليد الاسلامي، لم يتردد الرسول محمد بالطلب من المسيحيين العرب الذين قصدوه من أجل الحصول على موافقته لبناء كنيسة لهم، بالطلب اليهم الاحتفال بالذبيحة الإلهية يوم الاحد في المسجد كون إخوتهم المسلمين يجتمعون للصلاة يوم الجمعة، [لأن بيت الله هو بيت لكل المؤمنين].

عندما سمح البابا يوحنا بولس الثاني ببناء جامع قرب الفاتيكان، كان ذلك بادرة حسن نية على أمل أن تبدأ الدول الاسلامية المعاملة بالمثل.

للأسف، المشكلة ما زالت موجودة في معظم الدول العربية، حيث حق ممارسة الشعائر الدينية غير محترم وحقوق المسيحيين الدينية والمدنية منتقصة.

لا بد من الاشارة الى بعض الخطوات المهمة التي اتخذتها اخيراً بعض الدول العربية مثل عمان، البحرين وقطر بالسماح للمسيحيين المقيمين على أراضيها ببناء الكنائس. المسلمون واعون لأهمية العيش المشترك بينهم وبين المسيحيين. لا بد من التذكير هنا بما قاله ملك المملكة العربية السعودية فهد بن عبد العزيز متوجهاً الى جميع المسيحيين في الشرق طالباً منهم عدم ترك هذه الارض لأن وجودهم غنىً للثقافة العربية.

• ماذا يمكن للمسيحيين الشرقيين أن يقدموا لإخوتهم المسلمين؟

- إنهم صلة وصل بين الطوائف المتعددة داخل الدين الاسلامي. خلال إحدى زياراتي للشرق الاوسط، لاحظت في بعض البلدان العربية مناطق تسكنها أكثرية شيعية، أو أكثرية سنية أو أكثرية مسيحية. كما ولاحظت ايضاً وجود مناطق مختلطة ما لفتني فيها هو تركيبة هذه المناطق المختلطة حيث التقارب هو سني - مسيحي، شيعي - مسيحي أو درزي - مسيحي، وليس تقارباً سنياً - شيعياً أو شيعياً - درزياً. يمكنهم ايضاً أن يكونوا صلة وصل بين الشرق والغرب فيشجعوا "حوار الثقافات" في وجه من يريدون "صدام الثقافات".

• أمين معلوف يشبه لبنان بشجيرة الورد التي يزرعها الكرامون في بوردو والبورغونيي - فرنسا عند اول ثلم الكرمة لكونها شديدة الحساسية على الامراض التي يمكن أن تصيب الكرمة فتكون بذلك بمثابة الانذار المبكر الذي يسمح للكرامين بحماية كرمتهم.
• لبنان اليوم هو في العناية الفائقة. ما هو الانذار الذي يعطيه للمنطقة؟

- أنني حزين جداً لرؤيتي هذا الانقسام في لبنان، خصوصاً داخل الصف المسيحي، حول مسائل مصيرية تهم الوطن. ألم يدرك الشعب اللبناني بعد أنه في معظم الاوقات هو ضحية صراعات دول تنفذ حروبها على أرضه. على كل لبناني أن يجتهد لأن يكون، ليس فقط مواطناً صالحاً، بل رسولاً أميناً لوطنه الرسالة. يجب أن نناضل كلنا من أجل لبنان الرسالة، الذي بدونه لا سلام في المنطقة.


الاحد 17 كانون الأول 2006
Reply With Quote
  (#7 (permalink)) Old
Registered Member
 
Picasso's Avatar
 
Offline
Posts: 1,142
Thanks: 42
Thanked 65 Times in 49 Posts
Last Online: 5th October 2009
Join Date: Fri Apr 2006
View Picasso's Photo Album
Default 9th January 2007



رسالة الى الإمام الحسين
عـــن مــــديـــح الـــــذل العــــــالي


علي مراد


السلام عليك يا ابن بنت النبي العدناني العربي

تحية جنوبية عاملية صادقة

لست على الارجح من معشر المؤمنين، فانا لاديني الهوى والانتماء. اشعر وامارس سيادتي المطلقة على نفسي وعلى فكري. جل ما افعله واصنعه خاضع لرقابة العقل والذاكرة والاخلاق ولا اي شيء آخر سوى ذلك. رغم هذا، لا اذيعك سرا اني كنت ومنذ الطفولة، مفتونا بملحمتك وملاحم اهل البيت. لقد عشت، كما كل اولاد الجنوب، تفاصيل معاركك بكل حذافيرها. لعبناها اطفالا وتسابقنا يومها على من سيكون الحسين، مع علمنا المسبق ان صاحب هذا الشرف عليه ان يدعي الموت وسيتألم حكما تحت صرير السيوف الخشبية

كم كنت يومها متواضعا وقنوعا بعظمتك. كم كنت حينها عظيماً في قبولك للموت... لم تتوسله يوما، لم يكن هدفك ان تذبح بسيوف اعداء دين جدك واباك. لكنك يوم افترضت ان دين رسول الله لن يستقيم الا بموتك، ندهت على السيوف لتأخذك معها الى سراديب الاقدار. لم يكن الموت غاية بل فرصتك الاخيرة للذود عن كل ما حييت وعشت من اجله. يومها كان رحيلك الدموي اعلانا صارخا في عشق الحياة وجمالها وألوانها...

هل تألمت كثيرا؟ هل نظفت طويلا قبل ان تقابل وجه ربك؟ قل لي، كيف نتحمل كل العذابات؟ اسألك عن كل هذا، فأنا ابن وطن يتماثل مع جراحاتك، كيف السبيل لتحمل الذبح المتواصل جنوبا منذ عقود على يد برابرة الشرق؟ لقد اذابوا اطفالنا بالزيوت الحارقة ولم يتورعوا عن السعي لابادتنا، لم يضيعوا فرصتهم الاخيرة متى يصبوا نار حقدهم من طيورهم الحديدية المتوجة بنجمتهم المسدسة

يا ابا عبدالله الهاشمي القَرَشِيّ،
يوم تدحرج مغول الالفية الثالثة عنا بعد اكثر من ثلاثين يوما من الحقد والدماء، خرج جنوبك منهمكا، متعبا مذهولا! لم يستشرنا احد، لم يسألنا اي كان. لا نعلم لماذا وكيف والى متى؟ نحن فقط، ضحايا سيل الاسئلة المتناثرة بين الدمار والموتى...

نعم، نحن مهزومون بالموقع، بالظرف، بالموت، بالدمار، بالله... اننا مهزومون بانتصارهم، هم حتما مهزومون بنصرهم الافتراضي

لقد حرمنا من حقنا في البكاء على موتانا، او من الحزن على قرانا... لقد منعونا من البكاء على شهدائنا في عيترون وعلى امتداد الوطن. كما بات من المحرم عليّ انا، ان احزن على منزل حلمت يوما ان يكون لي في قريتي بعد طول احتلال

ان بعض احفادك قد اصبغ نفسه بهالة من القداسة، وجعل نفسه عصيا عن المساءلة والانتقاد. له الحق بتخوين من هم يريد واصباغ النظافة والطهارة على من اراد. قل لهم ان عصر الانبياء قد ولى منذ قرون... قل لهم انهم بشر ويخطئون... ولا بد يخطئون كثيرا. اسألهم كذلك، لماذا عقدوا العزم على حماية يزيد عصرنا، ابن معاوية زماننا؟ هي عائلة تحكم دمشق بسحر الدم وصور العذاب المتقدم منذ عقود وتصفعنا بثياب الحداد شهرا بعد آخر.
اما انت ايها اللبناني فما عليك سوى الانصياع الى ذاك الطقس الاجتماعي المهلل للانتصار والمحكوم بقوة الدم والشهادة، ما عليك سوى القفز فوق انسانيتك فداء... لحذاء

ما اعرفه، انك حين هزمت بكتك شيعتك وما زالت. فلبنان اليوم، ارض عاشوراء المتجددة، بسوادها الفحمي كل عقد من الزمن هو الآخر عرضة لشتى انواع التنكيل... نبكيك بكاء مُرّاً منذ قرون وحين سالت دموع الحكام والقادة فداء للوطن المسلوب، سحر احفادك من تلك القطرات الصادقة والمالحة. دعني اقول لك، كم كان بكاء ذلك الرجل في ايام الوغى صرخة مدوية هزت العالم واعادت الاعتبار للدمع كقيمة حسينية قاسية بوضوحها، ناصعة بقوتها وساطعة بصمودها

ما اعرفه كذلك، كم احب اهل جبل عامل الحسين وآل بيت رسول الله حتى تماثلوا مع عذاباتهم وخيباتهم وهزائمهم. لقد كان بكاؤنا لكم صامتا، هادئا، حنونا، حزينا. اما اليوم فقد سرقوا منا حتى هزيمتكم. فكأني بك قد قطعت الشمر وجماعة يزيد اربا. لا اراك قد مت، اراك تنتصر كل يوم ولا يسمح لنا باستعادة الحزن التاريخي عليك سيد المهزومين

ما اعرفه ايضا، انك قهرت على ارض المعركة فجنيت التاريخ والمجد والخلود في مسار الانسانية. ان عظمتك نابعة من فعل تأييد الهزيمة... من ادعى انتصارا، ربما، ربما يبدو ساطعا اليوم، لكنه حتما هو مهزوم في لعبة التاريخ الذي لا يرحم ولا يسأم. هو منكسر امام دروس الجغرافيا. فمهما يكن، ستطل ابعد زاوية في هذا الوطن اقرب الينا من مفاعل بوشاهر وسراديب قصر المهاجرين الاسود

ما اعرفه اليوم اني لم اعد اعرف جبل عامل...
يا سيدي: هم غلاة الشيعة الصفويين وقد هبت ريحهم النووية المسمومة والموسومة بالحقد فغطت جبل عامل. حولته من ساحة التسامح والتنوع والابداع الى معارض للموت المتنقل وساحة لتقديس الاستشهاد كمسعى قائم بذاته ولذاته. لقد اصبح الجنوب مربطا للموتى المنتظرين. انت تولد كي تموت والموت عليك حق طبعا، ولا حق لك الا عند انعقاد ساعة موتك. ان جنوبك اليوم قد غرق في مستنقعات فارسية، وها هو يهوي الى حيث اقبح اشكال الطائفية والعنصرية ونبذ الآخر. اني بك اليوم امام ردة شعبوية عن كل تراثنا العاملي اللبناني المتناثر فوق تلالنا لقرون خلت. ففي هذا الجنوب "تمركس" الشيوخ وتمشيخ الملحدون. لكنهم اليوم، وفي حروبهم من اجل معارك ملتبسة يأخذون وطنا بأكمله رهينة لوعودهم الغيبية الصادقة دوما وابدا

يا سيد الشهداء
لست معنيا بحروب طواحين اليورانيوم وزعم البعض عن اقتراب يوم الدينونة او من منافسة مفاعل ديمونة. اريد فقط وطنا حرا لا اشعر فيه بعبق بظلاميتهم، فيعمى ببصري عن رؤية الحقائق الناصعة. اريد، وببساطة، جنوبا لا اشعر فيه بالاغتراب عن باقي الوطن

فان كان على الشيء يبنى مقتضاه، فهل تبنى دولة مع حزب لا آدمي، يحمد الله يوميا، ومنذ عقدين من الزمن، انه دائماً على حق؟

عذرا منك يا سيد الكينونة الاسود، لكنها حتما القداسة في تدحرجها الى فوق...

اقول قولي هذا، واعوذ بالوطن من كل التباس



كاتب لبناني - رين فرنسا

السبت 30 كانون الأول 2006
Reply With Quote
  (#8 (permalink)) Old
Registered Member
 
Picasso's Avatar
 
Offline
Posts: 1,142
Thanks: 42
Thanked 65 Times in 49 Posts
Last Online: 5th October 2009
Join Date: Fri Apr 2006
View Picasso's Photo Album
Icon3 13th May 2007

سؤال النهضة والتجديد في الفكر العربي الديني المسيحي

وجيه قانصو





في آخر مؤلفات الأب الدكتور مشير عون: "الفكر العربي الديني المسيحي: مقتضيات النهوض والتجديد والمعاصرة" (دار الطليعة)، يطل علينا الأب عون من جديد، بأسئلة وعي وواقع، وجود وكينونة، لم تستطع أجوبة الفكر واللاهوت الجاهزة إشباعها.

أسئلة مفعمة بقلق فكري ووجع روحي، يخلقان في داخلك طاقة توثّب تقفز بك الى منطقة التحدي وخطوط التخوم الخطرة، وتوقظك من سُبات يقينك وتشل عصب طمأنينتك وتُعرّي أوهام الأمان فيك، وتنقلك من جديد الى لحظة تلقيك الاولى للعالم، وهي اللحظة التي تسبق تشكلات الضرورة وسلطة المعنى، والتي تستعيد معها لاتناهي إمكانات الإنوجاد وخيارات التحقق، وتضعك فوق نقطة التوتر الشديدة بين توقك الحرّ نحو المطلق وتوق المطلق للظهور بك والتجلي من خلالك.

وإذا كانت المقاربة السياسية أو الفكرية في معالجة الواقع المتأزم، تركّز على توليد ثقافة تكيف (إيديولوجيا)، وابتكار أطر إجرائية لامتصاص تناقضات الواقع وكبح الصراعات فيه، وخلق كيانات عليا ذات قوة رادعة سلطة آمرة. وهي مقاربة تقوم على التخارج بين الشكل والمضمون، والفصل بين الارادة والنية، بين الفعل ودوافعه أو محركاته الباطنية، بين الانسان والمؤسسة الجامعة.

فإن مقاربة الوعي الايماني بالمقابل، وبالتالي اللاهوتي عند الأب مشير عون، تكمن في التعاكس المرآتي بين الباطن والخارج، بين المرئي والمخفي، فلا تعود إشكالية الواقع منحصرة في خلق شروط خارجية أو موضوعية لعيش الأغيار بسلام، بل تصبح إشكالية وعي الذات لذاتها والعالم والله، ومعضلة تمثل الآخر، عبر انوجادك بداخلك. أي يرتد السؤال اللاهوتي من البحث عن الشرط الخارجي للحياة، الى البحث عن حقيقة الحياة نفسها والنظر في التكوين الباطني لحقيقة الذات ووجود العالم. وهنا مفارقة الاجراء الايماني، بكونه يحتجب مع الاستحواذ والغلبة، وتخنقه الحصريات والسيادة، ويتناقص مع كل تهليل بالازدياد، ويضعف مع كل رغبة بالانتصار، ويتداعى مع كل ادعاء.

نتلمس مقاربة الأب عون اللاهوتية، لمعضلة الوجود والوعي المسيحيين في الشرق والعالم العربي، بالارتكاز على ضرورة "التجانس بين فحوى الايمان وبنية الوجود، والانتقال من مستوى الابلاغ من الايمان الى مستوى جعل هذا الايمان فعلاً تاريخياً، والخروج من استبداد القول الى حرية الفكر"، أي تحويل المقولة الدينية الى حدث، والذات الى موضوع، والفكرة الى عيان، وتكثير المطلق وجزأنته من دون أن يخرج عن واحديته أو إطلاقه وشموله.

موضوع علم اللاهوت، كما يقول الأب عون، يفضي بالانسان الى اكتشاف هويته الفاعلة، ومهمته هي أن "يخدم الايمان في استثمار طاقاته الدفينة، لا ان يخدم خطاب المؤسسة الدينية أو السياسية أو الاجتماعية"، إذ إن "حقائق الكلام الإلهي لا تنكشف الا في انغراسها في سياق الزمن الذي تحياه جماعة المؤمنين".

وهذا لا يتحقق الا بانبثاق القول اللاهوتي العربي، بحسب الأب عون، من معاناة المسيحيين الوجودية، حيث يقتضي بالشهادة الانجيلية أن تستخلص مضامين الحقائق الخلاصية في نسيج المجتمع الذي يحيا فيه شهود السيد المسيح، إذ ان الاختبار المسيحي قابل للإنغلال في جميع الثقافات الانسانية. ولما كان المسيحيون العرب يحيون في مجتمع عربي تسوده حقائق المرجعية الدينية القرآنية وعناصر المرجعية الثقافية العربية، فإنهم مدعوون الى تكييف شهادتهم الايمانية وفكرهم تكييفاً يوائم مقتضيات الانتماء الى مثل هذا المجتمع، والى تأهيل العقل العربي المسيحي اللاهوتي تأهيلاً تتحقق به الشهادة المسيحية الاصيلة في ارض الشرق العربية، والى الإفصاح عن تجربتهم الوجودية بصياغات عربية بحتة، بدل الاقتصار على تعريب نتاجات اللاهوت الغربي أو اقتباس بعض من خلاصاته في صورة الصياغة العربية اللاهثة.

داخل هذا الفضاء العربي، تجبه الوعي المسيحي، بحسب الأب عون، ثلاثة حقول، تشكل مجتمعة عماد نشاط التفكير الديني المسيحي. أولها حقل الدين، الذي يدفع الى توليد لاهوت حوار بين الاسلام والمسيحية في سبيل تعزيز التعددية الدينية. ثانيها حقل الثقافة، الذي يحث على إنتاج لاهوت للعروبة يُعنى بتجديد معاني العروبة الفكرية وتحرير الثقافة العربية جمعاء من مخاطر الانغلاق والتقوقع في حركة الفكر العالمي وربطها بمكتسبات الحداثة الكونية، وثالثها حقل الاجتماع، بابتكار لاهوت تحرر يعنى بالشهادة للحرية الانسانية وتوطيد اسباب العيش الكريم وتأصيل الكرامة والمساواة والاخوّة الانسانية.

هذا يعني أنه ينبغي للخطاب اللاهوتي المزمع أن يولد في الشرق العربي، أن يعنى بمهمتين خطيرتين:

الاولى الافصاح عن مضامين الاختبارات الايمانية المسيحية في معترك الشرق العربي وتحسس حضور الروح الإلهي في عمق التاريخ الانساني. وهذا يكون بالانخراط بعمق في المسعى والمعاناة العربيين، لتحقيق خير الفرد والمجتمع وصون الكرامة والحرية وتحسين شروط العيش وضمان أسباب التقدم. وتوليد خطاب لاهوتي شرقي عربي، يجيب عن تساؤلات الواقع العربي وقضاياه ومحنه ومعاناته واختباراته. فعلى الفكر العربي المسيحي اللاهوتي، يقول الأب عون، "أن يغدو لاهوت الجمع الحصيف بين الالتزام الايماني والالتزام السياسي في معترك النضال الانساني العربي الأرحب". فالمسيح: "إما أن يكون مسيح الوجود التاريخيّ في معترك النضال العربي، وإما أن ينقلب تحفة للتاريخ".

ثانيتهما: الحفاظ على النواة الايمانية الأساسية في الدين المسيحي وابلاغها بشكل ملائم لمقولات الفكر العربي المقبل. وهذا يتطلب من الفكر المسيحي ان يتلمس الى المسيح سبيلا من التعبير اللاهوتي، يوفق في مقولاته بين انتمائه الى فكر الإنجيل، وبين المستلزمات التي تتطلبها مصاحبة المسلمين في تصورهم الخاص لهوية السيد المسيح.

وهنا ينبه الأب عون الى أن مجادلات الماضي اللاهوتية، التي رام من خلالها اللاهوتيون الى إكراه المسلمين على التثبت اليقيني من صحة المعتقد المسيحي، أصبحت مسلكا بلا فائدة، بل لعلها أفسدت قسطاً من العلاقات المسيحية – الاسلامية، لما انتشر بين العقول المجادلة من التباس في إدراك مقولات الجوهر والطبيعة والأقنوم، وما سبّبه من سوء فهم، وصعوبة منطقية في استيعاب معاني التجسد والثالوث والفداء.

هذا يتطلب كما يرى الأب عون، أن يعترف الفكر المسيحي بخصوصية الاسلام الدينية، واعتبار محاورته جزءاً لصيقاً بأيّ إنتاج لاهوتي مسيحي في الشرق العربي. فالقول اللاهوتي قابل للتغير والتحول، لأنه يأتي ثمرة الاختبار المستمر لحدث المسيح والاكتشاف الدائم لحقيقة المسيحانية الكامنة في كل سلوك إيماني. وتعليقاً على قول يحيى بن عديّ: "بأن علماء النصارى وأهل التُقى منهم يعتقدون ان كيفية اتحاد الابن الأزلي بالإنسان ليس يعرفها البشر على كنهها، وانما يشبهها من يشبّهها بما ذكروه على التقريب لا على التحقيق والاستقصاء". يقول الأب عون: "اذا كان الكلام اللاهوتي الذي ينحته المسيحيون في مبحث المسيح هو على وجه التقريب، فلِم لا يجرؤون اليوم، وشهادتهم ناشبة في تربة التجسد العربية، فيربطون المسيح الكلمة بالله كما يربط المسلمون القرآن الكلمة بالله، من خلال التوفيق الفطن بين إيمان الاسلام بنزول الكلمة في القرآن وإيمان المسيحية بنزول الكلمة في شخص يسوع المسيح، حيث يقتضي منهم هذا التوفيق الجرأة على تجديد المقولات اللاهوتية المسيحية المتعلقة بالأبوة والولادة والبنوة. حملُ التجسد المسيحي على معنى تجلي كلام الله، لا يُفقر العقيدة المسيحية او ينزع عنها خصوصيتها، بل يضعها في موازاة الانسجام مع عقيدة التنزيل القرآني، ويعزز المبدأ القائل بتنوع التدبير الخلاصي الذي يشمل في وجوه شتى جميع ابناء الارض، ويحقق الاعراض عن التشبث بالفوقية المسيحية.

صلب رسالة الأب عون في هذا الكتاب، هو التأكيد على ان البشارة المسيحية لا يمكن حصرها داخل تصور او مقولة، بل هي سعي تاريخي ينغرس في عمق الحياة، وعلى ان فاعلية الوعي العربي المسيحي، تكون بالانخراط العضوي في الاله الوجودي العربي، وفي المشاركة الإيمانية التي تستجلي مسيحانية الدعوة الاسلامية، كما تستجلي اسلامية الحقيقة المسيحية. ولعل هذا هو السبيل الوحيد الذي يحقق امتلاء الزمان الإلهي واكتماله في كلتا منظومتي الدين. فلا يسع الفكر العربي الديني المسيحي المعاصر، يقول الأب عون، أن يتحدث عن تجلي الله في شخص يسوع المسيح الا على قدر ما يعاين في سيرة يسوع المسيح علامات التجلي الالهي، وعلى قدر ما يرسم في لوحة حياته الانسانية الفردية والجماعية خطوط الافصاح الصادق عن حقيقة هذا التجلي.

الكتاب مبادرة جريئة وعميقة في آن، ومسعى تواصلي يقتحم مواقع الخصومة، ويقلب مشهد المغايرة الى لوحة تعاكس انساني، وجهد استكشافي لتجلي وتمظهر التدبير الالهي في واقع الانسان المتعدد.



الاحد 13 أيار 2007
النهار
Reply With Quote
  (#9 (permalink)) Old
Registered Member
 
Picasso's Avatar
 
Offline
Posts: 1,142
Thanks: 42
Thanked 65 Times in 49 Posts
Last Online: 5th October 2009
Join Date: Fri Apr 2006
View Picasso's Photo Album
Default 10th June 2007

المنظومة الفكرية والقيمية للسلفية الجهادية التكفيرية

هلا رشيد أمّون


لا بد من الاقرار أولاً أن الاسلام واحد يتجسّد في نصوص القرآن والسُنّة، أما الخطاب الديني الاسلامي فمتعدّد متباين، لأنه يعكس تفسيرات متعددة ومتباينة لهذه النصوص، تعبيراً عن تباين مواقف ومواقع ومطامح تتخذ من تأويلها للقرآن والسُنّة متكأ لمشروعيتها: وحاملاً لقيمها، وسنداً لممارساتها. وما أكثر التيارات والاتجاهات التي تشكّل الناتج الحي لهذا الخطاب.

التيار السلفي الجهادي هو امتداد لكل التيارات السلفية التي شهدتها الساحة العربية والاسلامية. فهو يحمل في داخله أبرز الطروحات والمفاهيم التي نادت بها، وروّجت لها، وعملت على تأصيلها، وعلى رأسها رفع شعار الالتزام بالدليل الشرعي، والدعوة الى اتّباع السلف الصالح الذي يشمل - بعد النبي الرسول - الصحابة والتابعين وتابعيهم. ولكنه مع ذلك يتميز عنها بانتقاله من الجانب التنظيري الى الجانب العملي والسياسي أي نقل المفاهيم السلفية(1) من مستوى الايمان الى مستوى الفعل، وتوظيفها توظيفاً معرفياً وعقائدياً للثورة على الانظمة، والعمل على اسقاطها(2). ومنظّرو هذا التيار يصرّحون برفض الانظمة الحاكمة، ويقطعون بعدم شرعيتها علناً، ويدعون الى مقاومتها وازالتها بالقوة، ويحكمون بكفر الانظمة والأمة وجاهلية المجتمعات الاسلامية.

وتذهب السلفية الجهادية الى أن النموذج السياسي الاسلامي في الحكم ليس الاّ نموذج "الخلافة الاسلامية" التاريخي، وتحشد لإثبات ذلك العديد من الآيات والاحاديث الدالّة على وجوب اقامتها، وتنطلق من مبادئ اساسية، لعل أبرزها: أ- النظر الى الاسلام على أنه عقيدة وشريعة ونظام حياة، بغضّ النظر عن الزمان والمكان والبيئة والظروف، أي شمولية العقيدة والشريعة لمناحي الحياة كافة؛ ب- الولاء هو للعقيدة وللاسلام، وليس للمسلمين، أو للوطن، أو لأي افكار بشرية أو وضعية، كالاشتراكية والليبرالية والقومية والعروبة والديموقراطية والحرية والعلمانية، وما شاكلها؛ ج- التبرؤ من أنظمة الكفر السائدة في العالم الاسلامي وفي الغرب، والايمان بأن الجهاد لإزالتها والقضاء عليها حتمي في كل زمان ومكان، والاعلان عن عداوتها والتبرؤ منها وممن يواليها(3).

ويمكن صياغة أبرز مفاهيم هذه السلفية على المستويين النظري المعرفي، والعملي الجهادي، بما يلي: الحاكمية لله، جاهلية المجتمع، كفرانية النظم، الجهاد سبيلاً للتغيير. وقد سعى منظّرو هذا التيار، في سبيل تأصيل هذه المفاهيم، الى توظيف كل المرجعيات العقائدية والفقهية، لإقامة الدليل النقلي والعقلي عليها:


أولاً: الحاكمية لله

يمثّل هذا المفهوم مرتكزاً اصولياً، ويمكن اعتباره مفتاحاً معرفياً لقراءة وتحليل المنهجية السلفية الجهادية التي ازدهرت في النصف الثاني من الستينات على يد سيد قطب، الذي أضفى على هذا المفهوم طابعاً متشدّداً، بعد ان استعاره من الداعية الاسلامي أبو الاعلى المودودي، الذي يُعتبر اول مَن أدخل هذا المفهوم في الاستخدام السياسي المعاصر، كأداة سياسية واجتماعية، وسلاحاً معرفياً لرفض أنماط العيش والاجتماع والنظم السائدة في الهند وفي العالم، ولرفض الفكر الغربي وفلسفته، وذلك عندما أكد انه "لا تستقيم المعايير والاخلاق، ولا تعود القيم الى نصابها الطبيعي الاّ بالاسلام، لأنه الطريق الوحيد الموحى به من الله تعالى. لذلك يجب الرجوع في جميع أمورنا الى "رسل الله الكرام، ويجب أن نؤمن برسالتهم، ونختار في حياتنا المنهاج الذي يرسمونه لنا... إن عبودية الانسان لله واتّباع شريعته هي اساس الائتلاف والتعاضد بين الناس، لا ما يخترعه الانسان من تلقاء نفسه، من روابط كالوطن أو القومية او السُلالة"(4).


ثانياً: جاهلية المجتمعات

هذا المفهوم مرتبط ارتباطاً عضوياً بمفهوم "الحاكمية لله". والمودودي ايضاً هو أول مَن استخدم هذا المصطلح، ثم قام سيد قطب بتوظيفه في منظومة فكرية متكاملة، والتيار السلفي الجهادي قام بتأصيل هذا المفهوم سياسياً وعملانياً. فقط ربط المودودي بين مفهومي "الوحدانية" و"الاستخلاف"، ليخلص الى إخفاء الطابع الإلهي والقداسة الدينية على السلطة، والتأسيس لمفهوم "الحاكمية الإلهية". فهو يعتبر أن الدولة الاسلامية تقوم على اساس "حاكمية الله الواحد الأحد"، ذلك "أن الارض كلها لله وحده، وهو ربها والمتصرّف في شؤونها. فالحكم والامر والتشريع كلها مختصة بالله وحده، وليس لفرد أو اسرة أو طبقة أو شعب، بل ولا للنوع البشري كافة شيء من سلطة الامر أو التشريع. فلا مجال في حظيرة الاسلام ودائرة نفوذه، الاّ لدولة يقوم المرء فيها "بوظيفة خليفة الله"(5).

المجتمع الجاهلي - أو مجتمع الشرك - هو المجتمع الذي ينهض بنيان السياسة والدولة فيه على دعامة "حاكمية البشر"، سواء كانت حاكمية فرد أو أسرة أو طبقة أو جمهور. وهذا المجتمع هو مصدر لكل الشرور والرذائل، لأن الانسان يستقل بشؤونه، ويختار منهاج حياته، بدون رادع يردعه، أو زاجر يزجره "فهو قائم بأمره، وهو الذي يتولى التشريع والتقنين لنفسه، وبيده كل زمام أمره، وإن كان مسؤولاً أمام أحد، فبين يدي نفسه وشهواته وأهوائه"(6).

وقد أكمل سيد قطب ما بدأه المودودي، فاعتبر أن العالم يعيش اليوم جاهلية مدمّرة، ويرجع ذلك الى تجاهل مفهوم "لا إله الاّ الله"، الذي يجعل الحاكمية لله وحده، وذلك استناداً الى النص القرآني "ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"(7). وهو يعتبر أن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين، معناه الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، لأن الحكم الذي مردّ الامر فيه للبشر، يجعل بعضهم أرباباً من دون الله. ويخلص الى أنه "لا بد من تحطيم مملكة البشر لاقامة مملكة الله في الارض... ومملكة الله في الارض... تقوم بانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد، وردّه الى الله وحده، وسيادة الشريعة الالهية، وإلغاء القوانين البشرية"(8).


ثالثاً: كفرانية النظم

انطلاقاً من فلسفة التوحيد التي تقضي بالايمان بالله وحده، ورفض اي قانون وضعي أو نظام سياسي لا يحكم بالشريعة ومحاربته، يعلن هذا التيار وجوب جهاد الحكام الكفّار المرتدين الحاكمين بغير شرعية الاسلام، الموالين لليهود والنصارى، والذين يعطّلون حكم الشريعة الالهية، ويخترعون حكماً جيداً (الديموقراطية)، ويجعلونه تشريعاً ملزماً للناس. ومن هنا ضرورة قتالهم حتى يرجعوا الى حكم الله ورسوله، عملاً بالآية القرآنية"، أفَحُكم الجاهلية يبغون، ومَن أحسن من الله حكماً لقوم يؤمنون"(9).


رابعاً: الجهاد المسلّح

وسيلة التغيير

إن القول بالحاكمية لله، وبجاهلية المجتمعات المعاصرة، كان المقدمة مسألة تكفير الحكام وكفرانية النظم، وهذه كانت مقدمة للدعوة الى خلع هؤلاء الحكام وتغيير أنظمتهم من طريق العنف والقتال والجهاد، الذي يعتبرونه واجباً، بل فرض علي عين كل مسلم من اهل هذه البلاد المحكومة بغير شرعية الاسلام، لازالة السلطان الكافر (الطاغوت)، بل وقتال الاجهزة الامنية من شرطة وجيش وحرس، وغير ذلك من انصار السلطان، حتى ولو كانوا مسلمين(10).

ان الانظمة الحالية، هي انظمة جاهلية، لأن مرجعيتها علمانية تستبطن العداء للاسلام والمسلمين، وهي موالية لأعداء الاسلام وتأييد هذه الأنظمة او مهادنتها يضفي الشرعية عليها، مع ان الحكم الشرعي يقضي بمقاومتها والخروج عليها، او في الحد الادنى، نبذها وعدم طاعتها، لأن المسلم الحقيقي والصادق يكون آثما، اذا تعاون مع اي حكم كافر، وعليه ان ينضم الى الجهاد او الكفاح المسلح، ضد الدولة الكافرة (11). فالجهاد المسلح سبيل اوحد للتغيير لأنه حكم شرعي مؤيد بالنص والاجماع. لذلك فهي ترفض اي طريق سلمي آخر، لاقامة نظام الخلافة الاسلامية، كالدخول في البرلمانات (الشرعية) او طرق التربية والتثقيف وما شاكلها، وتعتبر ان اي نوع من انواع المشاركة في العملية الديموقراطية هو اقرار بشرعية الديموقراطية والانظمة الحاكمة، والذي يعني في نهاية المطاف، اقرارا بفكر الكافر وحكم الكافر بل وتعاوناً على الكفر والعدوان. لأن الديموقراطية هي نظام يجعل السيادة للشعب، بمعنى ان رأي غالبية نواب الشعب، هو الشرع الملزم للأمة، وهو المرجع الفاصل في كل أمر وشأن. يقول الظواهري: ان الإقرار بالديموقراطية هو إقرار بمنح حق التشريع لأحد من دون الله، ومَن أقر بهذا فهو كافر، ومَن شرّع للبشر شيئاً، فقد نصّب نفسه الهاً، ومن أقر له بهذا فقد اتخذه إلها. ومن هنا تحريم الديموقراطية واعتبارها دينا جديدا يجب محاربته(12).

هذه هي باختصار المنظومة الفكرية والقيمية التي قدمها هذا التيار، الذي لجأ الى التاريخ والماضي الغابر بحثا عن الحلول والمخارج للمأزق الحضاري. ولا يخفى على احد ما يحمله هذا الفكر المتشدد والتكفيري من قيم سلبية، هي في صلبها "تقويض وهدم لأسس المجتمع والعلائق الاجتماعية والانسانية، وليس لبنائه. اننا هنا امام لوحة من قيم العنف والقوة والجهاد المسلح، قيم الانغلاق وكراهية الآخر والتبرؤ منه، قيم القطيعة والمفاصلة والتقويض.

وهذه المنظومة التي تستمد المشروعية من خارج المجتمع، من مصدر مفارق علوي مقدس، تتألف من نوعين متصارعين من القيم، وجود احدهما، يلغي حتما وجود الآخر ويقصيه، بحيث يستحيل تجاورهما، او المصالحة والوساطة بينهما. فقد شطرت العالم الى شطرين: الحق والباطل، الله والطاغوت، الخير والشر، الشرك والتوحيد، الايمان والكفر، القيم الاسلامية والقيم الجاهلية، مملكة الله ومملكة الارض، الحاكمية لله والحاكمية للبشر، عبودية الله وعبودية العباد للعباد. طهرانية المجتمعات السالفة، وكفرانية المجتمعات الحاضرة، دار السلم ودار الحرب، الاسلام والمادية، الثابت والمتحول، الالهي والتاريخي، الاتّباع والابداع، العقيدة الدينية المطلقة والعلم الإنساني النسبي...
لم يعد اصحاب هذا التيار دعاة يأمرون بالخير والعدل، وينهون عن الفحشاء والمنكر، بالوسائل السلمية التي تعتمد سلاح الكلمة والمنطق والحجة والبرهان النقلي والعقلي، بل تحولوا الى قضاة يحاكمون الناس في ظاهرهم وباطنهم، والمجتمعات وانظمتها وقيمها، ويسعون الى ادانتها وتقويضها، املاً في بنائها من جديد على صورة تطابق المثال او النموذج المتخيل او الموهوم. لذلك فقد قللوا من قيمة كل الروابط التي تشد الناس بعضهم الى بعض في المجتمع، واحلّوا الرابطة الدينية وحدها مكانها، لأن الرابطة الوطنية والقومية بالنسبة اليهم، ما هي الا مجرد دعوة عصبية وقبلية وجاهلية، انها مجرد ولاء للأرض والتراب.

نعم لقد رفعوا الله الى اعلى سلمهم التقويمي، وجعلوه القيمة العليا، ومصدر كل تقويم. وحتى تظل هذه القيمة هناك، والى جانبها قيم نقاء الدين وصفاء العقيدة وقداسة النص، ومثالية الماضي وعصمة السلف... فقد ظهرت قيم اخرى تساندها، لا تقل عنها اهمية في هذه المنظومة، لعل ابرزها "الجهاد" الذي له معنى واحد هنا، وهو الكفاح المسلح، الذي يستخف بقيمة الحياة، بل ويحرض على قتل النفس استنادا الى بعض البحوث الفقهية والكلامية، متجاهلين ما ورد في القرآن الكريم من آيات صريحة تنهى عن قتل النفس.

ولأن السلفية هي حركة دفاع عن صفاء العقيدة ضد آخرين، ينوون تحريفها وتوظيفها في اشكال فكرية مغايرة لطبيعة الدين، فقد تحول كل من يخالف طروحاتها واهدافها ورسائلها الى خصوم يُرمون بشتى التهم التكفيرية. وقد اتسعت دائرة هؤلاء الخصوم لتشمل القريب والبعيد، المسلم وغير المسلم، السني والشيعي، الليبرالي واليساري والقومي والاسلامي المنفتح... اي ان اطروحتهم الاساسية قد جعلتهم في حالة عداء وكراهية وقطيعة وعزلة عن كل الناس، لا فرق في ذلك بين عربي واعجمي. ولا شك في ان نزعة التكفير قد خلقت الاساس الموضوعي للعنف والقتل والفرز العقائدي بين الناس، الى جانب الفرز الموجود اصلا سياسيا واجتماعيا. فالناس اما كفار، او مؤمنون، ولا منزلة وسطى بين المنزلتين. والمسلم الحقيقي الصادق هو الذي ينتمي اليهم، ويؤيد افكارهم، اما ما عداه فهو كافر، يجب قتاله. ولا عجب بعد ان رأينا ان بعض هذه الجماعات قد كفّر بعضها الآخر، فقط لأنهم مختلفون في المنهج والوسيلة وليس في الدين والعقيدة(13).

في هذه المنظومة الفكرية يتداخل السياسي والاجتماعي مع المدني والاخلاقي، فالقيم والمقولات لا تقف عند الاطار النظري، بل تتعداها الى صلب الممارسة العملية، لذلك يمكن القول انه تم – من خلال ثنائية العقيدة والسياسة – توظيف ما هو ديني ومقدس لأغراض سياسية ظرفية، وتم تسخير العقيدة كمبرر ايديولوجي، لخدمة اهداف محددة.

_____________________


الهوامش:

(1) هذه المفاهيم التي استقاها من التراث السلفي الذي ساهم في صياغته كل من أحمد بن حنبل، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية، ومحمد بن عبد الوهاب، ولاسيما أبو الاعلى المودودي وسيد قطب اللذان أسّسا الارضية الفقهية للجهادية بصورتها الحالية.

(2) يُذكر هنا محاولة الاخوان المسلمين بقيادة سيد قطب الانقلاب على حكم جمال عبد الناصر، وإسقاط ثورة 23 تموز، ثم المواجهات التي حصلت مع النظام السوري في الثمانينات، والنظام الجزائري في التسعينات. ثم اتخذت لاحقاً شكلاً جديداً بنقل المعركة من الداخل الى الخارج، لاسيما بعد انشاء الجبهة الاسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين"، برئاسة السعودي الوهابي اسامة بن لادن، والمصري القطبي أيمن الظواهري. وكانت ساحتها افغانستان (حركة طالبان والافغان العرب)، والآن ساحتها الاساسية العراق.

(3) رغم ارتباط الحركات الجهادية بالفكر السلفي الوهابي المتشدّد الحاكم في السعودية، الاّ ان هذه الاخيرة نفسها قد دخلت في معارك دموية ضد هذه الحركات التي باتت تشكل خطراً، وتهديداً حقيقياً على المملكة السعودية ونظامها.

(4) أبو الأعلى المودودي، الإسلام والجاهلية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د.ط، د.ت، ص41.

(5) أبو الاعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، دار الفكر - دمشق، 1969، ص78.

(6) أبو الأعلى المودودي، الإسلام والجاهلية، ص111.

(7) القرآن الكريم، المائدة: 44.

(8) سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، بيروت، 1983، ص68، وكذلك العدالة الاجتماعية في الإسلام، دار الشروق - بيروت، 1993، ص182.

(9) القرآن الكريم، المائدة: 50

(10) الى هذا المفهوم يمكن رد العمليات العسكرية والاغتيالات التي طاولت بعض الانظمة والرموز السياسية والامنية في بعض الدول العربية، والتي قادتها هذه التيارات (الجهاد والجماعة الاسلامية) في مصر، والجزائر، ضد انظمة الكفر والمرتدين، حسب توصيتهم. ثم وسّعت دائرة المواجهة المسلحة الى خارج العالم العربي والاسلامي، فبدأت هذه الجماعات (تنظيم القاعدة، الجهاد الاسلامي) عملياتها الحربية ضد الاميركيين، عسكريين ومدنيين، ومن يحالفهم من اليهود والنصارى، مستخدمة اسلوب العمليات الانتحارية، بعد ان اوجدت المبرر الفقهي، لجواز اتلاف النفس لمصلحة اظهار الدين، وهذا ما حدث في 11 ايلول في الولايات المتحدة، ومن يموت في العراق، والمغرب العربي، وفي احداث شمال لبنان الحالية (طرابلس ونهر البارد).

(11) قتل الرئيس المصري انور السادات باعتباره حاكماً بغير ما انزل الله. ومحاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في اديس ابابا.

(12) أنظر أيمن الظواهري، الحصاد المر، الإخوان المسلمون في ستين عاماً مطبوعات جماعة الجهاد.

(13) أيمن الظواهري مثلا قد كفّر جماعة الإخوان المسلمين، لأنهم- بعد إجرائهم ما يسمّى بالمراجعات – شجبوا العنف، وأعلنوا التزامهم بالشرعية الدستورية، ونادوا بالديموقراطية وسيلة شرعية لتغيير الأوضاع.


(أستاذة جامعية)
الأحد 10 حزيران 2007

قضايا النهار
Reply With Quote
  (#10 (permalink)) Old
 
Omeros's Avatar
 
Offline
Posts: 5,770
Thanks: 341
Thanked 110 Times in 84 Posts
Last Online: 18th April 2009
Join Date: Mon Jan 2005
View Omeros's Photo Album
Default 21st June 2007

i will continue the work .....if picasso dnt mind



أحاديث الأبواب

قصيدة : للشاعر احمد مطر

(1)

(كُنّا أسياداً في الغابة.

قطعونا من جذورنا.

قيّدونا بالحديد. ثمّ أوقفونا خَدَماً على عتباتهم.

هذا هو حظّنا من التمدّن.)

ليس في الدُّنيا مَن يفهم حُرقةَ العبيد

مِثلُ الأبواب !





(2)


ليس ثرثاراً.

أبجديتهُ المؤلّفة من حرفين فقط

تكفيه تماماً

للتعبير عن وجعه:

( طَقْ ) *!



(3)



وَحْدَهُ يعرفُ جميعَ الأبواب

هذا الشحّاذ.

ربّما لأنـه مِثلُها

مقطوعٌ من شجرة !



(4)



يَكشِطُ النجّار جِلدَه ..

فيتألم بصبر.

يمسح وجهَهُ بالرَّمل ..

فلا يشكو.

يضغط مفاصِلَه..

فلا يُطلق حتى آهة.

يطعنُهُ بالمسامير ..

فلا يصرُخ.

مؤمنٌ جدّاً

لا يملكُ إلاّ التّسليمَ

بما يَصنعهُ

الخلاّق !



(5)



( إلعبوا أمامَ الباب )

يشعرُ بالزَّهو.

السيّدةُ

تأتمنُهُ على صغارها !



(6)



قبضَتُهُ الباردة

تُصافِحُ الزائرين

بحرارة !



(7)



صدرُهُ المقرور بالشّتاء

يحسُدُ ظهرَهُ الدّافىء.

صدرُهُ المُشتعِل بالصّيف

يحسدُ ظهرَهُ المُبترد.

ظهرُهُ، الغافِلُ عن مسرّات الدّاخل،

يحسُدُ صدرَهُ

فقط

لأنّهُ مقيمٌ في الخارِج !



(8)



يُزعجهم صريرُه.

لا يحترمونَ مُطلقاً..

أنينَ الشّيخوخة !



(9)



ترقُصُ ،

وتُصفّق.

عِندَها

حفلةُ هواء !



(10)



مُشكلةُ باب الحديد

إنّهُ لا يملِكُ

شجرةَ عائلة !



(11)



حَلقوا وجهَه.

ضمَّخوا صدرَه بالدُّهن.

زرّروا أكمامَهُ بالمسامير الفضّية.

لم يتخيَّلْ،

بعدَ كُلِّ هذهِ الزّينة،

أنّهُ سيكون

سِروالاً لعورةِ منـزل !



(12 )



طيلَةَ يوم الجُمعة

يشتاق إلى ضوضاء الأطفال

بابُ المدرسة.

طيلةَ يوم الجُمعة

يشتاقُ إلى هدوء السّبت

بابُ البيت !



(13)



كأنَّ الظلام لا يكفي..

هاهُم يُغطُّونَ وجهَهُ بِستارة.

( لستُ نافِذةً يا ناس ..

ثُمّ إنني أُحبُّ أن أتفرّج.)

لا أحد يسمعُ احتجاجَه.

الكُلُّ مشغول

بِمتابعة المسرحيّة !



(14)



أَهوَ في الدّاخل

أم في الخارج ؟

لا يعرف.

كثرةُ الضّرب

أصابتهُ بالدُّوار !



(15)



بابُ الكوخ

يتفرّجُ بكُلِّ راحة.

مسكينٌ بابُ القصر

تحجُبُ المناظرَ عن عينيهِ، دائماً،

زحمةُ الحُرّاس !



(16)



(يعملُ عملَنا

ويحمِلُ اسمَنا

لكِنّهُ يبدو مُخنّثاً مثلَ نافِذة.)

هكذا تتحدّثُ الأبوابُ الخشَبيّة

عن البابِ الزُّجاجي !



(17)



لم تُنْسِهِ المدينةُ أصلَهُ.

ظلَّ، مثلما كان في الغابة،

ينامُ واقفاً !



(18)



المفتاحُ

النائمُ على قارعةِ الطّريق ..

عرفَ الآن،

الآن فقط،

نعمةَ أن يكونَ لهُ وطن،

حتّى لو كان

ثُقباً في باب!



(19)



(- مَن الطّارق ؟

- أنا محمود .)

دائماً يعترفون ..

أولئكَ المُتّهمون بضربه !



(20)



ليسَ لها بيوت

ولا أهل.

كُلَّ يومٍ تُقيم

بين أشخاصٍ جُدد..

أبوابُ الفنادق !



(21)



لم يأتِ النّجارُ لتركيبه.

كلاهُما، اليومَ،

عاطِلٌ عن العمل !



(22)



- أحياناً يخرجونَ ضاحكين،

وأحياناً .. مُبلّلين بالدُّموع،

وأحياناً .. مُتذمِّرين.

ماذا يفعلونَ بِهِم هناك ؟!

تتساءلُ

أبوابُ السينما.



(23)



(طَقْ .. طَقْ .. طَقْ )

سدّدوا إلى وجهِهِ ثلاثَ لكمات..

لكنّهم لم يخلعوا كَتِفه.

شُرطةٌ طيّبون !



(24)



على الرّغمَ من كونهِ صغيراً ونحيلاً،

اختارهُ الرّجلُ من دونِ جميعِ أصحابِه.

حَمَلهُ على ظهرِهِ بكُلِّ حنانٍ وحذر.

أركَبهُ سيّارة.

( مُنتهى العِزّ )..قالَ لنفسِه.

وأمامَ البيت

صاحَ الرّجُل: افتحوا ..

جِئنا ببابٍ جديد

لدورةِ المياه !



(25)



- نحنُ لا نأتي بسهولة.

فلكي نُولدَ،

تخضعُ أُمّهاتُنا، دائماً،

للعمليّات القيصريّة.

يقولُ البابُ الخشبي،

وفي عروقه تتصاعدُ رائِحةُ المنشار.

- رُفاتُ المئات من أسلافي ..

المئات.

صُهِرتْ في الجحيم ..

في الجحيم.

لكي أُولدَ أنا فقط.

يقولُ البابُ الفولاذي !



(26)



- حسناً..

هوَ غاضِبٌ مِن زوجته.

لماذا يصفِقُني أنـا ؟!



(27)



لولا ساعي البريد
لماتَ من الجوع.

كُلَّ صباح

يَمُدُّ يَدَهُ إلى فَمِـه

ويُطعِمُهُ رسائل !



(28)



( إنّها الجنَّـة ..

طعامٌ وافر،

وشراب،

وضياء ،

ومناخٌ أوروبـّي.)

يشعُرُ بِمُنتهى الغِبطة

بابُ الثّلاجة !



(29)



- لا أمنعُ الهواء ولا النّور

ولا أحجبُ الأنظار.

أنا مؤمنٌ بالديمقراطية.

- لكنّك تقمعُ الهَوام.

- تلكَ هي الديمقراطية !

يقولُ بابُ الشّبك.



(30)



هاهُم ينتقلون.

كُلُّ متاعِهم في الشّاحِنة.

ليسَ في المنـزل إلاّ الفراغ.

لماذا أغلقوني إذن ؟!



(31)



وسيطٌ دائمٌ للصُلح

بين جِدارين مُتباعِدَين !



(32)



في ضوء المصباح

المُعلَّقِ فوقَ رأسهِ

يتسلّى طولَ الليل

بِقراءةِ

كتابِ الشّارع !



(33)



( ماذا يحسبُ نفسَه ؟

في النّهاية هوَ مثلُنا

لا يعملُ إلاّ فوقَ الأرض.)

هكذا تُفكِّرُ أبواب المنازل

كُلّما لاحَ لها

بابُ طائرة.



(34)



من حقِّهِ

أن يقفَ مزهوّاً بقيمته.

قبضَ أصحابُهُ

من شركة التأمين

Last edited by lebanesecanadian; 22nd June 2007 at 01:01 AM.. Reason: Please leave one sapce between in each line not 4 for readability purposes.
Reply With Quote
Reply

  The Orange Room - forum.tayyar.org FPM Community Forums Self Improvement


Currently Active Users Viewing This Thread: 1 (0 members and 1 guests)
 
Thread Tools Search this Thread
Search this Thread:

Advanced Search

 
Posting Rules
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is On
Smilies are On
[IMG] code is On
HTML code is Off
Trackbacks are On
Pingbacks are On
Refbacks are On

Forum Jump

Forums Directory