العربي (كما عرفه القوميون العرب والبعثيون خاصة في الأربعينات ) هو كل من تكلم اللغة العربية ، وعاش على الأرض العربية أو تطلع للعيش فيها ، وآمن بانتسابه للأمة العربية
بداية ..فهذا تعريف يلزم المؤمنين بالفكر القومي العربي (البعثي خصوصاً فيما يخص العبارة الأخيرة) ..لكنه مفيد كأساس لتعريف الانتماء العربي وفق منظور مَن رفع لواءه كشعارات له وأساس فكري ..
شخصياً ..أنا مقتنع بهذا التعريف كأساس للانطلاق نحو إعادة تعريف الانتماء العربي والهوية العربية ، وجعله أكثر معاصرة وتلاؤماً مع الواقع ..
فهو مفهوم
فكري بحت يتخطى الحدود الدينية والطائفية والعرقية والسياسية (إطار يستطيع جمع المسيحيين والمسلمين ، الكرد والأرمن والبربر والعرب -عرقياً- ، المشرقيين والمغاربة والخليجيين والأفارقة) يرتكز قبل كل شيء على الإيمان والاقتناع الفكري ... بعكس ما هو موجود حالياً على أرض الواقع حيث اقتصرعلى وراثة للهوية من الآباء والأجداد أو مجرد انتماء سياسي للدولة (العربية) التي ولد فيها الإنسان (ما يحقق شرطين هو تكلم اللغة العربية والعيش على الأرض العربية)..وهذا -برأيي- لا يكفي ليسمى المرء عربياً .. بل يحتاج المزيد من الشروط ويستوعب المزيد من الاختلافات ..
والعروبة -كما أراها- مفهوم حضاري يستند لمنطقة
جغرافية متصلة تمتد على شمال أفريقيا وغرب آسيا (بلاد الشام والرافدين وشبه الجزيرة) تضم آلاف السنوات من
تاريخ الحضارات المتعاقبة شكل عمادها موجتان أساسيتان تمثلتا بالهجرات السامية (كنعانيين وآراميين وفينقيين وفراعنة .وغيرهم) والفتوحات الإسلامية ، دون أن نغفل مساهمة السكان الأصليين لتلك المنطقة (كالسومريين والسريان مثلاً ) والمجموعات العرقية المهاجرة من المناطق الأخرى سواء كانو غزاة فاتحين أم مجموعات من المهاجرين أم جزءاً من الرعية في مراحل امتداد الحكم العربي وتوسع نفوذه ... وشهد هذا التاريخ صعوداً وهبوطاً (كما حضارات العالم أجمع !) مراحل ألَقِ حَكَم فيه العرب العالم وصدروا العلم والثقافة والحضارة ،ومراحل أخرى حُكموا من قبل الآخرين وكانوا تحت سيطرتهم ونفوذهم وجزءاً من سلطتهم ونفوذهم ..
وهذا المفهوم الحضاري يستطيع أن يستوعب كل الأديان الموجودة (التي كانت هذه المنطقة منبعاً لها ..للتذكير فقط !) ، ويستطيع أن يستوعب أعراقاً عديدة عاشت معاً على هذه الأرض في مراحل تاريخية مختلفة وساهمت في بنائها وفي الدفاع عنها وفي قيادتها وكذلك في خرابها أحياناً من خلال الصراعات الداخلية سواء فيما بينها أو داخل كل منها ..
وأنا هنا
أعترض على حصر العربي بالصورة النمطية السائدة (في كتابات المستشرقين خاصة ! أو الأفلام الهوليودية !) التي تحصره
برجل ذو دشداشة مع الجمل "سفينة الصحراء" ! أو مجرم متعطش للدماء (راكب على حصانو ونازل تقتيل بالعالم وسبي للنساء واغتصابهن !) ...
و
أعترض على حصر العروبة بمفهوم عرقي يستند إلى تصنيف القبائل العربية (وأفخاذها وبطونها !) سواء من لازال منها يعيش حياة البداوة في شبه الجزيرة والبادية السورية-العراقية والصحراء الكبرى،أو من امتزج بحياة المدن محافظاً على "نسبه" (وسلسلة سلالته !! حتى يصل إلى عدناني وقحطاني أو قيسي ويماني ..الخ من التصنيفات القبلية المتفرعة عنها .. )
وأرى من الطبيعي جداً أن نرى هذا التنوع الثقافي والاجتماعي بحكم
الامتداد الجغرافي على مساحة تزيد على 14 مليون كم2 بين قارتين ، تتوزع فيها البيئة الجبلية والساحلية والصحراوية والزراعية والمحيطية وحتى المدارية والاستوائية في بعض المناطق .. وبحكم
الامتداد التاريخي الذي يمتد آلافاً من السنوات تعاقبت فيها حضارات عديدة جداً (منها ما نشأ في هذه الأرض وصٌدّر إلى العالم ،ومنها ما استقبلته هذه الأرض وأضافت إليه ) .. وبحكم
الموقع الجيو-سياسي المتوسط بين 3 قارات ..بين الشرق والغرب ..دون أن ننسى
المقومات البشرية والطبيعية ..وقوامها 300 مليون انسان (طبعاً بحاجة إلى تحسين النوعية بالقضاء على الأمية والارتقاء بمستوى التعليم والحد من نزيف الأدمغة وهجرتها ..وهذا حديث آخر ) وأكبر مخزون وإنتاج نفطي ومن الغاز الطبيعي ومساحات واسعة من الأراضي الخصبة (الأراضي الزراعية في السودان وحده تكفي لإطعام ال300 مليون عربي إذا ما حسن استغلالها !) .. ناهيك عن الثروات المعدنية الأخرى والمياه وغيرها ..والمواقع السياحية الغنية ..الطبيعية منها والدينية والثقافية والتاريخية ..
فكل هذا
التنوع والتعدد هو مصدر غنى وتميز لهذه الأرض ..إذا ما تم إدارته بأيد وطنية مؤمنة بهويتها واثقة من قدراتها وقدرات شعبها ، ونفوس منفتحة على الحوار والاحترام المتبادل سبيلاً لإدارة العلاقات الداخلية بين المجموعات والفئات المتنوعة (سياسياً - طائفياً - فكرياً - اجتماعياً - عرقياً )، وإرادات صلبة في مواجهة التدخلات والاعتداءات والمخططات الخارجية .. ضمن إطار دولة مدنية ديمقراطية (ديمقراطية من إنتاج محلي ،مناسبة للتنوع الموجود!!) تحتضن كل هذه الاختلافات وتديرها وتستفيد منها بما فيه مصلحة الجميع ، يتساوى فيها المواطنون بالحقوق والواجبات ، تأخذ دورها العالمي وتساهم كغيربها في مسيرة الحضارة الإنسانية .
بالطبع فإن
الواقع الموجود حالياً معاكس تماماًَ للصورة المتألقة القوية التي تسمح بها المقومات المذكورة آنفاً (صراعات طائفية ، مخططات تقسيمية ضمن الدول الصغيرة أصلاً ، موجات تعصب فكري وديني ، جهل مستشري وتخلف حضاري وفقر وجوع، قيادات ديكتاتورية متواطئة ضد شعوبها في الأعم الأغلب حفاظاً على الكرسي ، غزو ثقافي وفكري بنوعيه الرأسمالي الغربي والظلامي التكفيري ، انهيار قيم ... وشو بدنا نعد لنعد !!) ..
وهذا ما يفرض صلابة أكبر في مواجهة هذه التحديات (الوجودية) بأنواعها ، ووعياً أكبر بتعريف هذه الأخطار وتحديدها وترتيب أولوياتها ، وجهداً أكبر لنشر هذا الوعي ومواجهة الغزو الثقافي الذي يخرب الانسان من الداخل ويسهل اختراقه عسكرياً وسياسياً واقتصادياً (
حيث يصبح الانسان عدو نفسه ،ولاحاجة للدول الطامعة كي ترسل جيوشاً وتضيق اقتصادياً وتفرض عقوبات ، إن كان الضحية ينفذ حكم الإعدام بنفسه ويسلم رقبته للجلاد ويساعده -من حيث يدري أو لا يدري- على امتصاص دمه وقطع رقبته) وأحد جوانب المواجهة الثقافية وتعزيز الهوية والانتماء هو الحفاظ على اللغة وتطويرها باستمرار بما يتلاءم مع متطلبات العصر (ومن هون ملاحظتي ودعواتي بهالمشاركة ... شوف هالتفصيل الصغير شو ممكن يكون الو دور بالنهضة والتطور ومواجهة محاولات السيطرة الأجنبية )
بالنهاية ..هذا رأيي الشخصي

، وأنا منفتح ومتعطش لسماع الآراء المختلفة المؤيدة والمعارضة ،حتى نصل -ربما- إلى تصور مشترك حول هذا الموضوع نرى فيه الحقيقة من جوانبها كافة

..
ومشان داني بك
وأنا مؤمن بانتمائي إلى هذه الأرض وشعبها إيماناً مطلقاً -حتى الآن- ، وأحس بروحي طيفاً يختزل كل الحضارات والشعوب التي مرت عليها خلال آلاف من السنين ، وبذاتي نوراً ينبع من هذه الأرض من واجبه أن يمتد ليملأ سماء العالم بأسره ..
ومن هذا المنطلق فأنا لست فخوراً بالواقع المؤلم المظلم (والمطفي طفي !!) الذي نعيشه اليوم ، لكن هذا الواقع المزري لا يدفعني للاستسلام لليأس والإحباط (الذي أصاب به أحياناً كثيرة كسائر البشر !) بل يزيدني إصراراً على بذل مزيد من العمل والجهد بما أمتلكه من قدرات وإمكانات -كفرد- لأساهم برصف حجر في بناء هذه الحضارة ودفعها ولو خطوة واحدة إلى الأمام في مسيرة طويلة ، مدركاً أن عمر الحضارات والشعوب لا يقاس بالسنوات بل بآلافها وهي تمر بمراحل من الازدهار والانهيار على مدى هذا العمر ، وأن انبعاثها من تحت الرماد رهن بإرادة أبنائها وما يبذلونه من جهد وعمل وتضحيات لتحقيق هذا الهدف (وأنا فرد واحد منهم أعمل ما بوسعي لأضيف ما أستطيعه وما تسمح به قدراتي كفرد ..أو كجزء من مجموعة أكبر أشترك معها بالفكر والهدف كل فيها له دوره بما يمتلكه من مواهب وإمكانات )
أعتذر على الإطالة

.. وأشكر كل من قرأ التعليق كاملاً
وأؤكد أني أنتظر منكم أفكاراً وآراء في هذا الموضوع تثريه وتغنيه وتلونه ، لأني موقن أن العديد يشاطرونني الرأي ، والكثير منكم لهم وجهات نظر أخرى أتشوق لسماعها (مستغلاً هذه الطلب الصغير ، لأفتح موضوعاً كبير يستحق المناقشة وإبداء الرأي )
بانتظاركم
..