شكلت الاجراءات التي تقوم بها قوى الامن الداخلي لضبط مخالفات السير حدثا في حياة المواطنين، لكنه حدث بدا لدى الغالبية حتى الآن سلبيا لأنه يفرض عليهم التزامات، غابت طويلا عن الطرقات، تقريبا منذ بداية الحرب الاهلية حتى اليوم.
تسمع سائق سيارة يتأفف من اضطراره لشراء طفاية سائلا عن مدى جدواها في حال حصول حريق في سيارته، لأنه لا يعرف كيفية استخدامها أصلا. أو تلمح سائقا آخر يقول إنه لا ضرورة لوضع حزام الأمان داخل طرقات بيروت، لأن ازدحام السير يمنع السائق من القيادة بسرعة، كما تستطيع مشاهدة سائق آخر يتعلم كيف يضع النقود في آلة »بارك متر« وهو ينظر باستغراب الى وضع مستجد على الطريق، بعدما اعتاد على توقيف سيارته في أي مكان فارغ يناسبه.
والاطرف من ذلك كله السؤال الذي يوجهه السائقون العموميون للراكب لدى ركوبه السيارة: هل تريد الجلوس في المقعد الأمامي وتضع حزام الامان، أم تفضل الركوب في المقعد الخلفي؟.
يشير الالتزام بالاجراءات إلى بداية تغير في السلوك اليومي للمواطنين على الطرقات العامة، بما تشكله من حيز مشترك يفرض عليهم التعامل معه بنظام، لذلك يقاومها الكثير منهم، أو يحاول الالتفاف عليها، أو التهرب منها، على الرغم مما تحتمله القيادة في حالة فوضى من مخاطر كبيرة على حياتهم.
وكي لا يبقى التأفف ساريا، يوضح منسق شؤون السير في قوى الامن الداخلي العقيد جوزي الدويهي أن عدد حوادث السير بلغ منذ بداية العام الجاري حتى أول شهر آب الماضي ٢٠٢٤ حادثا أودت بحياة مئتين وستين شخصا وأدت إلى إصابة ثلاثة آلاف ومئتين وخمسين شخصا بجراح، مقارنة بعدد حوادث السير في العام الماضي الذي بلغ ٤٤٢١ حادثا سقط فيها اربعمئة وسبعة وتسعون قتيلا وستة آلاف ومئتان وستة وستون جريحا، في رقم يعتبر الأعلى في حوادث السير في لبنان.
ويظهر الجدول الخاص بحوادث السير الصادر عن قوى الامن أن نصف الضحايا تقريبا جراء حوادث العام الماضي تتراوح أعمارهم بين ١٨ عاما وبين ٣٤ عاما وبلغ عدد القتلى من بينهم مئتين وثلاثة، وهناك خمسة وأربعون قتيلا ممن تتراوح أعمارهم بين ٣٥ و٤٠ عاما، ويمكن تصنيفهم في فئة الشباب، بينما لم يتم إعداد الجدول المفصل للعام الجاري بانتظار نهاية السنة.
نتجت تلك الخسائر في غالبيتها عن تجاوز السرعة المحددة في القيادة. وعلى الرغم من أن نسبة الإصابات مرتفعة، إلا أنه يتم التعامل مع الأمر بطريقة هامشية.
وكي لا يبقى البعض مستغربا فرض حزام الأمان في شوارع بيروت، أفاد قائد سرية بيروت في قوى الامن الداخلي المقدم محمد الأيوبي أن عدد قتلى حوادث السير على طرقات بيروت الادارية، أي العاصمة من دون الضواحي، بلغ منذ بداية العام الجاري أربعة عشر قتيلا، بينما بلغ عدد الجرحى ثلاثمئة وتسعة سبعين جريحا. وفي العام الماضي بلغ عدد قتلى حوادث السير في بيروت ثمانية عشر قتيلا، بينما بلغ عدد الجرحى خمسمئة واثنين وتسعين جريحا، قتل هؤلاء وجرحوا في قلب الازدحام.
ويرى الدويهي أن الاجراءات التي تقوم بها قوى الامن الداخلي أدت الى تراجع نسبة المخالفات، بعدما لاحظ المواطنون جدية في تنفيذها، مؤكدا مرة جديدة أن هدف الاجراءات هو الحفاظ على سلامة المواطنين، وليس تنظيم محاضر مخالفات، مشيرا إلى أن نسبة الالتزام الأكبر كانت باستخدام حزام الامان وبلغت تسعين بالمئة، وربما يعود ذلك إلى الخوف من تسجيل محاضر الضبط، كما تراجع استخدام الخلوي اثناء القيادة بنسبة سبعين بالمئة.
اما بالنسبة للتوقيف المخالف للسيارات فيشير قائد سرية بيروت إلى اضطرار قوى الامن للتغاضي عن مسألة توقيف السيارات في بعض الأماكن المخالفة، في حال كان التوقف لفترة قصيرة من أجل شراء أغراض من المحلات، لأن عددا من أصحاب المحلات أخذ يشتكي لقوى الامن أنها تقطع مورد رزقه، أو وقوف الاهالي أمام المدارس لأخذ اولادهم.
وبموجب الاحصاءات التي أعدتها مفرزة شؤون السير في قوى الامن الداخلي تم منذ بدء التشدد بالاجرءات، أي منذ الخامس من أيلول حتى الخامس عشر من تشرين الاول نظم ٢١٧٤١ محضر مخالفة على جميع الاراضي اللبنانية، بينها ١٤٧٨٦ محضر مخالفة يشمل عدم وضع حزام الامان، و١٨٠٦ محاضر بسبب تجاوز السرعة المحددة، و٦٧٧ محضرا بسبب تجاوز الاشارة الحمراء. ويلفت الدويهي هنا إلى أنه لم يتم الانتهاء من تركيب جميع الاشارات الضوئية، وإلا لكان عدد المخالفات أكبر، يضاف إلى ذلك تنظيم ١٦٠٩ محاضر بسبب القيادة عكس السير، و٢٧٥٦ بسبب استخدام الهاتف الخلوي و١٠٧ مخالفات بسبب عدم استخدام الخوذة اثناء قيادة الدراجة النارية.
أما عدد محاضر المخالفات التي تم تسجيلها منذ بداية العام الجاري فبلغ ما يقارب الاربعين ألف محضر على جميع الاراضي اللبنانية.
وتعتبر القيادة على الاوتوسترادات هي الاكثر عرضة للحوادث، وفي الوقت نفسه يبدو السائق أكثر تفلتا من الرقابة، لذلك يقول الدويهي إنه سوف يتم البدء بإجراءات جديدة لضبط مخالفات السير على الاوتوسترادات، تجري بموجبها مراقبة السائقين على الطرقات بواسطة رادارات متنقلة، كي لا يعرف السائق أنه يوجد في ذلك المكان المحدد رادار ويتصل بصديقه ليخبره عنه كما يفعل السائقون حاليا.
وبالنسبة للوحات المزورة، يؤكد الدويهي ان الاجراءات تشمل حاليا المخالفات التي تتعلق بسلامة المواطنين، مشيرا إلى أن اللوحات المزورة متروكة للقرار السياسي، وقد جرى العام الماضي حجز ستمئة وست وخمسين سيارة تحمل ذلك النوع من اللوحات.
وتدل ملاحظة السير في الضاحية الجنوبية إلى أن إجراءات قوى الأمن أقل تشددا منها في بيروت، حيث لا حزام أمان شامل ولا خوذات لسائقي الدراجات، بينما تشهد طرقات الضاحية زحمة سير مثل بيروت لا بل أكثر.
يقول الدويهي إن الاجراءات في الضاحية مثل جونية، لكن يوجد نقص في عديد قوى الأمن المختصة بشؤون السير، مشيرا إلى تسجيل ثمانمئة وتسعة عشر محضر مخالفة منذ تشديد الاجراءات في الضاحية وستمئة وتسعة محاضر في جونية.
إذ يبلغ عدد ضباط وعناصر قوى الأمن في لبنان ثلاثة وعشرين ألف ضابط وعنصر، بينهم ستمئة وواحد وسبعون ضابطا وعنصرا فقط يعملون في شؤون السير، بينما المطلوب ألف وسبعمئة وخمسون عنصرا.
لماذ لا تسري تلك الاجراءات على مواكب المسؤولين؟ سؤال يردده الكثير من المواطنين ويتشبهون بالمسؤولين من خلاله، يجيب عنه الدويهي قائلا إن الظروف الأمنية التي يعيشها لبنان تفرض على المسؤولين السير بسرعة على الطرقات، لأن قوى الأمن لن تتحمل مترتبات اغتيال مسؤول مثلا، بسبب اضطراره للسير وسط الازدحام، وعندما تنتهي تلك الظروف سوف يتم التعامل معهم مثل بقية المواطنين، مضيفا: نأمل أن يتم التعامل معهم مثل بقية المواطنين.
وهناك مسألة يثيرها منسق شؤون السير هي عدم التنسيق بين المسؤولين في وزارة الاشغال وفي مجلس الانماء والاعمار وبين قوى الامن الداخلي في موضوع شق أو تأهيل الطرقات والانفاق والجسور من أجل معرفة أي طريق أو جسر أو نفق يساهم في تسهيل السير أو في إعاقته، وتلك مسألة ضرورية، مشيرا إلى أنه التقى أحد الضباط الفرنسيين الكبار في قوى الأمن الفرنسي وسأله ما إذا كان يحصل مثل ذلك التنسيق في فرنسا فرد: بالتأكيد، بل أكثر من ذلك، لا تقوم الهيئات المختصة بشؤون الطرقات في فرنسا بشق أي طريق أو نفق أو جسر إلا بعد استشارة قوى الامن، بوصفها تملك الخبرة العملية في حركة تنقل السكان.
tayyar.org