القوات وقداديسها: في غياب السياسة الإستعراض يبقى ويستمر
روجيه حدّاد
Tayyar.org
28/09/2009
يحق لأي حزب او تجمع سياسي ان يجعل من الإستعراض محطة أساسية في سياق خطته التعبوية، خصوصا عند الإستحقاقات الإنتخابية، فيظهر بذلك إمتداده الشعبي وقوته التنظيمية وتماسك خطابه. لكن أن يصبح الإستعراض هو النشاط الحصري لهذا الحزب أو ذاك، فإن دلّ على شيئ، فعلى الخواء السياسي التام.
شهر ايلول من كل سنة هو شهر إستعراضات القوات اللبنانية بإمتياز. فتحت عنوان "الشهداء"، يقام عدد كبير من القداديس ينظمها كل من دار او ما زال يدور في فلك الميليشيا المسيحية منذ تأسيسها حتى الآن. لكن مع قوات جعجع بالتحديد يتحول القداس من رتبة دينية إلى مهرجان يختلط فيه المقدس بالمدنس، فلا تعود تعرف هل هو مناسبة للصلاة على ارواح أناس ماتوا، أو تجمع حزبي على النسق النازي الغوبلزي، او مناسبة ليتمكن عدد كبير من الشبان المسيحيين من التنفيس عن إحتقانهم بالسباب والتهريج شبه العسكري. لكن الواضح هو تحويل هذه المحطة السنوية، بصخبها وبذخها وتزويرها المقيت للتاريخ القريب قبل البعيد، إلى ستار يخبئ سمير جعجع وراءه فشله الأكيد في مواكبة اي تبدل سياسي بالطرق الشرعية، مهما كان طفيفا.
فمنذ عام 1989، يستعيض جعجع عن عدم قدرته على التحكم بالحراك السياسي المسيحي، بالمهرجانات التي غالبا ما تكون تمهيدا لمصيبة قيد التحضير. فأمام المدّ البشري الذي ألتف حينها حول العماد عون، والذي رأى فيه نقيضا كاملا للحالة الميليشوية التي كانت كانت قابضة على عنق "المجتمع المسيحي"، اقام جعجع "يوم المقاومة" ليقول انه موجود غصبا عن الأكثرية الساحقة من المسيحيين، ولكي يعلن ان الحرب على ميشال عون قد بدأت. نجح سمير جعجع عام 1990 بالتخلص من الشرعية، بعد حرب إنتقمت فيها "القوات" من شعب إختار بملئ إرادته عدم الخضوع لأبتزازها مجددا، ومهدت بموجبها للجيش السوري لأحتلال المنطقة الحرة.
بعد إنتهاء الحرب، وقبل دخوله السجن، اقام جعجع قداس لتكريم "شهداءه" في قلب كسروان، كان ذلك بمثابة تحدّ بشع لمن ساههم بعض هؤلاء "الشهداء" في قصفهم وقتلهم ووأد حلمهم بالحرية والإستقلال. تحدث حينها جعجع مطولا عن "الشهيد" و"أم الشهيد" في ظل عزلة سياسية تامة على المستوى المسيحي والوطني، فلا المسيحيون نسوا ما كان قد فعل بهم بالأمس ولا الطاقم السياسي الذي إنبثق عن الطائف يريده مشاركا في الحكم، أما الأميركيين والسوريين والإسرائيليين، فكانوا قد نفضوا أيديهم من مرتزق أكمل مهمته بنجاح. ثم عاد العمل الأمني إلى الواجهة: إنفجارات وإغتيالات وصولا إلى مجزرة سيدة النجاة. سارع سمير جعجع إلى التلويح بالأمن الذاتي للمسيحيين فإنتهى الأمر به في السجن.
بعد دخول جعجع السجن، أصبحت القداديس والمهراجانات مناسبة لتأكيد براءته فقط، بحيث لم تطلق فيها صرخة واحدة من قبل الجعجعيين ضد الإحتلال السوري واعوانه. فأصبح عنوان الإعتقال السياسي منطلقا لعملية إعادة تدوير سياسية لقائد "القوات"، ووجدت أطياف المعارضة المسيحية نفسها تشارك في قداديس تبييض صفحة "حصان طروادة" المنطقة الحرة. عادت "القوات اللبنانية" إذا إلى الساحة السياسية المسيحية عن طريق "إستعراض" عناوينه التضحية والفداء والشهداء. فنتج عن ذلك تزويراً رهيباً للتاريخ. فبحجة ان جعجع أصبح ضحية وأن حزبه يزخر "بالشهداء"، تم الإستغناء كليا عن قراءة صحيحة لتاريخه وتاريخ الميلشيا التابعة له. يقول التاريخ ان طوني فرنجية قتل غدرا اما القوات فتقول ان قتله، مع الإعتذار طبعا، هو بمثابة "واجب وطني". يقول التاريخ انه في لحظة تقاطع اميركي سوري إسرائيلي ضد العماد عون، إنقضت "القوات" قتلا وقصفا وقنصا على الجيش اللبناني وعلى الشعب المسيحي الذي أيد ودعم بأغلبيته الساحقة هذا الجيش في دفاعه عن المنطقة الحرة، أما "القوات" فتقول ان عون إعتدى على رهبانها المسالمين وهم في لحظة خشوع. نتيجة لذلك، لا يمكن لأي قواتي اليوم تقبّل واقعة ان سليمان فرنجية وميشال عون يتمتعان بحيثية سياسية، وانه من الممكن مناقشتهما ومناقشة جمهورهما، حول صوابية أو عدم صوابية ما يطروحنه. فأضحى ذكر اسم ميشال عون امام شباب القوات هو مناسبة للسباب وللإهتياج الشديد. الظاهرة مخيفة بالطبع! أن يقف شاب مسيحي تحت راية الصليب في كنيسة للعذراء في الأشرفية ويعلن بصوت عال عبر أبشع الألفاظ كم هو حاقد على اكثر من نصف اللبنانيين مسيحيين وشيعة، يظهر كم هو مستعد للمجزرة الأتية .
خرج سمير جعجع من السجن وإستمرت القداديس الإحتفالية. يقولون انه لتحسين الصورة. لم ينتبه القواتيون إلى أنهم الوحيدين الذين ما زالوا يحتفلون بالحرب الأهلية وأبطالها. ولم ينتبهوا ايضا إلى ان إحتفالهم "بالشهداء" هو مثابة تذكير اللبنانيين بكامل فصول الحرب الأهلية. فهؤلاء "الشهداء" الذين يحتفل بذكراهم، قتلوا في الأسواق التجارية وفي حرب الجبل وفي شرق صيدا وفي المعارك بين الميليشيات المسيحية وفي الإنتفاضات المتكررة وفي الحرب على الجيش اللبناني، إلخ. فكيف لإحتفال بالحرب ان يحسن صورة مشوهة بالأساس من جراء هذه الحرب ؟ كل نشاطات القوات تشي بحنين جارف إلى زمن مضى، إلى ما قبل عام 1988. والتحضيرات جارية على قدم وساق للعودة بالمجتمع المسيحي إلى الوراء. حتى في كلمة جعجع نفسه في جونية حين قال ان "القوات" اصبحت على "قاب قوسين من ان تتحول الى مؤسسة نحو المستقبل بكل ما للكلمة من معنى"، إستعادة لشعار قواتي قديم ظهر بعيد إنتهاء الحرب الأهلية، في ظل إحباط مسيحي عام وتخبط قواتي سبق إنهيار المليشيا التام. أما خلال التحضير للقداس القواتي الأخير فقد اعلن عدد من مسؤولي الميليشيا من دون مواربة ان القداس هو لإظهار الحجم الحقيقي للحزب وان على الجميع ان ينتبهوا إلى الحشد الإستثناثي وأن القوات عادت لتأخذ مكانها الطبيعي، إلخ. وهنا إيضا إستعادة للتهديد الجعجعي القديم "مهلا مهلا نحن هنا".
المصيبة هنا هي في هذا الربط لدى القوات ما بين زمن الحرب الأهلية والزمن الراهن. ما زال سمير جعجع مصرا على ان القوات يجب ان تكمل من حيث انتهت: ميليشيا تفرض نفسها بالقوة على المجتمع وعلى الجميع الإنصياع، والا "علي وعلى اعدائي". المعادلة ما زالت هي هي: عام 1988 إنفرط عقد القوات الإيديولوجي والتعبوي والمالي، فجمع سمير جعجع ما بقي له من عسكر ودمر "الشرقية" من عين الرمانة إلى جبيل، وسهّل الإجتياح السوري في 13 تشرين. عام 2009 لم يتمكن جعجع من الحصول إلا على خمسة نواب مقابل اكثر من عشرين لخصمه الأبدي، فجمع بضعة آلاف من المراهقين في ملعب فؤاد شهاب تحضيرا لهم لحفلة تدمير جديدة