advanced search
Contact Us tayyar.org
 
The Orange Room - forum.tayyar.org
 



Notices
The Orange Room Discuss anything related to Lebanon, Lebanese Politics, Breaking News and Live Updates on Major Events related to Lebanon & the World

Reply
 
LinkBack Thread Tools Search this Thread
  (#21 (permalink)) Old
Registered Member
 
Secular Lebanon's Avatar
 
Offline
Posts: 781
Thanks: 101
Thanked 167 Times in 78 Posts
Last Online: 1 Day Ago
Join Date: Mon Feb 2005
View Secular Lebanon's Photo Album
Default 16th October 2008

Quote:
Originally Posted by hannaalsayssa View Post
and he lives in france if i am not mistaken.
yes he does
Reply With Quote
Sponsored Links
  (#22 (permalink)) Old
Orange Room Moderator
 
December Rain's Avatar
 
Online
Posts: 742
Thanks: 124
Thanked 245 Times in 147 Posts
Last Online: 2 Hours Ago
Join Date: Sun Mar 2008
View December Rain's Photo Album
Default 19th October 2008

حميد فرنجيه في ذكريات المطران يوسف محفوظ (3 من 4)
عارض مبدأ ايزنهاور لأنه عرف ان القبول به يعني تعميق الانقسام الداخلي
خاض الانتخابات النيابية عام 1957 ضد الحكومة والعهد وأحرز ضدهما انتصاراً كبيرا


غاب الزعيم الوطني الكبير حميد فرنجيه منذ أكثر من ربع قرن، لتبقى ذكراه عند من عرفوه وعاصروه وظلوا يأبون التسليم بانقضاء الزمن، وهم ينظرون اليه ببعده الحقيقي، الزعيم الوطني النظيف الكف، رجل المحادثات الناجحة والنظرة الثاقبة والمواقف السليمة والسلم الاهلي والعيش المشترك، الذي اصبح في نظرهم أقرب الى مفهوم الرمز منه الى مفهوم الرجل السياسي. ومن الذين عرفوه عن قرب وآمنوا بشخصه ونهجه وصفاته المطران يوسف محفوظ، الراهب اللبناني الماروني ومطران البرازيل سابقاً، الذي كلما عصفت بلبنان رياح عاتية تحوّل "حميد بك" في نظره أملاً مفقوداً وفردوساً ضائعاً. التقته "النهار" وسألته بعض ما يعرفه عن الوطني الكبير الذي رفع مستوى الحياة البرلمانية في تاريخ لبنان السياسي المعاصر، فكانت هذه الشهادة:

"وافقت حكومة الرئيس رشيد كرامي في 7 كانون الاول من العام 1955 على قرض من البنك الدولي، بحجة أن لبنان لا يملك الامكانات اللازمة لتمويل مشروع سد الليطاني. هذا كله رغم تحفظ ديوان المحاسبة الذي بيّن الاضرار الكثيرة التي تنجم عادة عن القروض، كما ان أحد الوزراء أقرّ امكان اللجوء الى تمويل داخلي لتنفيذ المشروع، فوراء هذا التمويل تكمن لعبة سياسية أدركها حميد فرنجيه بالطبع، وهي أن الولايات المتحدة تسيطر على البنك الدولي وتدعم حلف بغداد. فبواسطة هذا التمويل كان لبنان ينقاد الى الكتلة الغربية، لذلك لم يكن حميد فرنجيه ضد الولايات المتحدة بل كانت لديه مآخذ كثيرة على سياستها الخارجية. كان يرى أن للبنان ملء المصلحة في إقامة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وهذه العلاقات يجب أن تكون بين دولة ودولة وعلى أسس واضحة ومحدّدة، لا أن تمر بتعرجات مرتكزة على الايقاع بلبنان، بواسطة القرض المذكور، لجعله دولة عديمة الشأن دائرة في فلك قوة الولايات المتحدة من خلال حلف بغداد. فاذا انحاز قسم من اللبنانيين الى الغرب فالقسم الآخر سينحاز الى الشرق وإن اللبنانيين جميعاً سيكونون خاسرين، فالحياد بين الدول وصداقة الدول العربية هما الطريق الصحيح، ومحاولة تثبيت لبنان في معسكر معيّن سيثير ضده معارضو هذا المعسكر، والمعارضة السياسية يمكن أن تتحول معارضة طائفية، فالطائفية كانت المنتصر الوحيد الذي أفرزته مجريات تلك الفترة. لذلك استقال من الحكومة.
وبعد الاستقالة تابع فرنجيه حياته كنائب في البرلمان، فشارك في مناقشات طويلة تتعلق بقوانين المعلمين والمدارس والتربية، كما تدخّل مراراً للحؤول دون تفكك المؤسسات وتصاعد نفوذ المحاسيب. كما آلمه أن يرى مجلس النواب منقاداً لتحقيق رغبات الحكم وليس المجلس الذي يناضل في سبيل الحريات والتقدم، والحكومات حاضرة غائبة، لذلك لم يمنح حميد فرنجيه ثقته لحكومة صديقه عبدالله اليافي في 22 آذار من العام 1956، وقد صرّح امام زوجته وبعض المقربين بأنه سينسحب من الحياة السياسية في العام 1957، أي عند بلوغه سن الخمسين ويتفرّغ لعائلته واعماله ومن بينها التدريس الجامعي. فالبلاد كانت تتجه باتجاه معاكس تماماً لذاك الذي كان ينادي به.

قرار المواجهة


لكنه مع ذلك كان ينوي خوض المعركة الانتخابية في العام 1957 اذ كان يعلم أن الرئيس شمعون يريد بعدما وضع مؤسسات الدولة في تصرف الحكم، أن يجمع مجلساً نيابياً مستعداً لتعديل الدستور في اتجاه يسمح له بتجديد ولايته، وحميد فرنجيه كان السياسي الوحيد القادر على قيادة معارضة فاعلة ضد الحكم لا يمكن استغلالها طائفياً.
في تلك الفترة كان نفوذ مصر يتصاعد بقوة، فمواقف الرئيس المصري جمال عبد الناصر وقوّته وتعزيز طاقته العسكرية اسهمت في منح الشعوب العربية تطلعات جديدة. وفي لبنان كان لتثبيت نفوذ مصر صدى بعيد تأثر بالبنية الطائفية للبلاد.
أمّم الرئيس عبد الناصر القناة في 26 تموز من العام 1956، فازداد التوتر الاقليمي والمحلي. فعلى الصعيد الاقليمي كان الاتجاه السائد في الدول العربية تأييد مصر والالتفاف حولها. أما محلياً فالانشقاق بين اللبنانيين كان يزداد خطورة.
في 16 ايلول 1956 اجتمعت في بيروت "اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاستثنائي للشعوب العربية" تأييداً لمصر. وبعد يومين بدأ المؤتمر أعماله في البرلمان السوري في حضور ممثلين لست عشرة دولة عربية، من بينها لبنان. وبعد كلمة الافتتاح انتخب حميد فرنجيه بالاجماع رئيساً لهذا المؤتمر. وعلّقت إحدى الصحف آنذاك بأن "هذه البادرة ما هي الاّ دليل على الثقة بشخصية الاستاذ فرنجيه... وهكذا تشاء الاحداث المتوالية أن تثبت بالبرهان القاطع أن القومية العربية أبعد ما تكون عن الطائفية، فالدول الاسلامية، تركيا وايران وباكستان وقفت ضد مصر وضد العرب... وها هو حميد فرنجيه ابن زغرتا، تنتخبه أحزاب البلدان العربية رئيساً للمؤتمر الوطني العربي بالاجماع... ولبنان كان وما يزال في طليعة قادة الحركات الوطنية...".

العدوان الثلاثي


بدأ العدوان الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، اسرائيل) على القوات المصرية بين 29 تشرين الاول و5 تشرين الثاني من العام 1956، ثم توقف نتيجة ضغط من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. لم يسقط عبد الناصر بل توطدت زعامته في العالم العربي التي أفاد منها السوفيات. أما الولايات المتحدة فقد أقصت حليفتيها بريطانيا وفرنسا عن الشرق الاوسط وانتزعت منهما مركز الصدارة في المنطقة لكي تضع يدها بالكامل على الثروة النفطية. بعد ذلك انعقد في بيروت مؤتمر لرؤساء الدول العربية من 13 الى 15 تشرين الثاني من العام 1956، لم يشارك فيه الرئيس عبد الناصر. وفي الدعوة التي وجهها الرئيس شمعون الى الرؤساء أوضح أن من القرارات التي ستتخذ قراراً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا وفرنسا. لكن الرئيس شمعون عدل عن قراره في النهاية مما سبّب استقالة رئيس الوزراء وحكومته. فتشكلت حكومة جديدة برئاسة سامي الصلح، تولى فيها اللواء فؤاد شهاب حقيبة الدفاع والدكتور شارل مالك حقيبة الخارجية. وكانت البلاد في تلك الفترة تتخبط في مشاكل اجتماعية - اقتصادية في طليعتها ارتفاع نفقات التعليم، الانتاج الصناعي الكاسد بسبب سيطرة السلع الاجنبية على الاسواق اللبنانية، فضلاً عن استغلال التجار لأزمة السويس، إذ رفعوا أسعار السلع والمواد الغذائية واخفوا معظمها من الاسواق الخ...
في خضم هذا الواقع القى حميد فرنجيه محاضرة في الندوة اللبنانية في 19 تشرين الثاني من العام 1956 بعنوان "تأملات في الدولة". ومما قاله فيها: "المطلوب هو أن نصلح عاداتنا السياسية، أن نحقق التربية المدنية للانسان اللبناني وأن نحوّل الناخب الى مواطن... علينا أن نعيد الى اللبناني المعنى المفقود لمفهوم المواطن، وأن نقنعه بأنه جزء من كل... علينا أن نستأصل نزعته الفردية الراسخة فيه... وبأن لحريته حدوداً هي حرية مواطنيه والمصلحة العامة...".

مبدأ ايزنهاور


أمام تردي الوضع الداخلي علم في 3 كانون من العام 1957 أن الرئيس ايزنهاور سيعرض على الكونغرس سياسة جديدة متعلقة بالشرق الاوسط عرفت بمبدأ ايزنهاور، ويقوم على تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية من الولايات المتحدة لدول الشرق الاوسط الحرة التي تساهم في محاربة الشيوعية وتقاوم التوغل السوفياتي في المنطقة... وفي اليوم ذاته قدّم اللواء شهاب استقالته من الحكومة، هو الذي كان مجيئه الى الحكم على حد قول حميد فرنجيه "كافياً" للدلالة على خطورة الموقف من انعكاس السياسة الخارجية على الموقف الداخلي. وجاءت استقالة شهاب بعدما أدرك أن البلاد كانت تتجه نحو اضطرابات خطيرة، فقرّر أن يحافظ على تماسك الجيش ووحدته".
كان مبدأ ايزنهاور يتعارض مع الشعور العميق لغالبية المسلمين اللبنانيين. فالاولوية للولايات المتحدة كانت لمحاربة الشيوعية، والمسلمون اللبنانيون كانوا بعيدين عن الشيوعية، ولم يكن مبدأ ايزنهاور ليرضيهم على الاطلاق. أما المسيحيون فكان موقفهم أكثر تنوعاً من موقف المسلمين، فبعضهم كان يعتبر هذا المبدأ مفيداً للبنان. غير أن بعضهم الآخر وفي عداده حميد فرنجيه، كان ينظر الى مبدأ ايزنهاور كسيف ذي حدّين: الحد الاول سيفصل بين اللبنانيين، والحد الثاني سيفصل اللبنانيين عن جيرانهم العرب... إن القبول به كان يعني تعميق الانقسام الداخلي، مع ما يمثّله ذلك من خطر طائفي، وهذا ما فعلته الحكومة التي أعلن وزير خارجيتها شارل مالك أن لبنان استقبل بكل ترحيب مبدأ ايزنهاور. واتهمت المعارضة الرئيس شمعون بأنه يبحث خارج البلاد عن القوة التي تنقصه ليؤمّن تجديد ولايته. فخطوة الدولة كانت في نظر كثيرين قد مهدت لأول حرب أهلية شهدها لبنان بعد الاستقلال. وهنا اتذكر ما قاله حميد فرنجيه "علينا أن ندرك جيداً من نحن وما نحن... أريد أن أنظر الى مصلحتنا كدولة في هذا الشرق، صغيرة وضعيفة".

موقفا بكركي والفاتيكان كيف كان موقف بكركي والفاتيكان من التطورات؟


كان البطريرك بولس المعوشي يناهض سياستي العهد الداخلية والخارجية وكانت تصريحاته عنيفة في هذين الاتجاهين. أما في شأن الفاتيكان فقد تلقى حميد فرنجيه في تلك الفترة من الكاردينال رونكالي، الذي اصبح فيما بعد البابا يوحنا الثالث والعشرين، رسالة يبلغه فيها أن البطريرك الماروني سيتلقى قريباً تعليمات الفاتيكان. وبالفعل في 19 شباط من العام 1957 دعا البطريرك حميد فرنجيه وأطلعه على الرسالة التي كانت تتعلق بالموقف الذي يتعيّن على بكركي أن تتخذه حيال خطين متعارضين تماماً: خط حميد فرنجيه من جهة وخط الرئيس شمعون من جهة أخرى. وتعليمات البابا بولس الثاني عشر كانت واضحة وهي: "على بكركي أن تتبنى المواقف التي يدافع عنها حميد فرنجيه". وأذكر عندما نشر نص الاتفاق الذي حصل بين جيمس ريتشاردز، مستشار الرئيس ايزنهاور، والدكتور مالك، صرّح البطريرك مستغرباً تفرّد الحكومة بسياستها الجديدة وهو يقول للمسؤولين: "إنكم تسرّعتم، وكان من الأفضل أن نتريث ونتعاون مع اخواننا وجيراننا الذين نتعاون معهم، قبل الانفراد بأي عمل من هذا النوع". فعبر هذا الاتفاق كان يبدو لقسم من اللبنانيين أن لبنان سيكسب صداقة دولة عظمى ويجد نفسه مغموراً بنعمها، ومن جهة ثانية كان يعمّق الهوة بين اللبنانيين، وكما صرحت المعارضة بأنه سيجعل الحاكمين يسترسلون اكثر فأكثر في انجرافاتهم الاقتصادية والمالية... ومن الامثلة على ردود الفعل ان حزب "النجادة" أعلن منذ 17 آذار من العام 1957 ان هذا الاتفاق يشكل خرقا للميثاق الوطني ويسبّب عزل لبنان. غير ان السلطة اللبنانية تابعت طريقها. ففي 8 آذار من العام 1957 صدّق مجلس النواب على قرار الحكومة برفع عدد النواب من 44 الى 66 نائبا. وفي اليوم التالي انتخب البرلمان لجانه، فأبعد ثلاثة نواب عن لجنة الشؤون الخارجية هم: حميد فرنجيه وعبدالله اليافي ورشيد كرامي. وكان على شارل مالك ان يدافع امام لجنة الخارجية عن اتفاقه.

توحيد صف المعارضة


اثر ذلك رصّت المعارضة صفوفها وشكلت جبهة موحدة هي "جبهة الاتحاد الوطني" قدمت في 2 نيسان من العام 1957 مذكرة الى الرئيس شمعون فور عودته من الزيارة التي قام بها الى المملكة العربية السعودية والعراق، وقّعتها 23 شخصية معارضة في طليعتها حميد فرنجيه، وتتضمن نقاطاً عدة تتعلق بالسياسة الخارجية والانتخابات النيابية (رفع عدد النواب الى 88)، وتشكيل حكومة جديدة الخ...

الاستقالة من النيابة


وتعكر الجو في 4 نيسان من العام 1957 عندما اعلنت الحكومة في ختام بيان عن السياسة الخارجية، انها ستطرح الثقة بنفسها على اساس السياسة الخارجية التي تنتهجها. ولم تكن اهم نقاط البيان الحكومي بعيدة عن مواضيع اصبحت تقليدية مثل: استقلال فلسطين والعلاقات مع سوريا. الا ان آخر نقاط البيان كانت تنص على عدم ايمان الحكم بالشيوعية واعتبارها خطرا يهدد استقلال لبنان القومي كما يهدد السلام. كانت الغاية من هذه النقطة واضحة، وهي الدمج بين الشيوعية والمعارضة بواسطة هذا المنطق: الشيوعية تهدد استقلال لبنان، ووحده التزام لبنان مبدأ ايزنهاور كفيل بانقاذه من هذه الكارثة. بناء عليه فان كل معارض للحكومة، وبالاحرى كل معارض لانضمام لبنان الى مبدأ أيزنهاور، يصبح من جراء ذلك شيوعياً، ويعمل بالتالي للقضاء على استقلال لبنان.
نتساءل هنا، لماذا أثيرت هذه المسألة قبل ثلاثة اشهر من الانتخابات النيابية وفاجأت عدداً من النواب، ولاسيما انها لم تكن مدرجة على اي جدول اعمال؟
طالبت المعارضة بتأجيل مناقشة البيان الوزاري وكان في طليعة المطالبين حميد فرنجيه، فتأجلت الى اليوم التالي اي الجمعة 5 نيسان. كان الجو محموماً، وقد قرر نواب المعارضة تقديم استقالاتهم اذا فرض التصويت على الثقة بشأن السياسة الخارجية. فتكلم حميد فرنجيه مطولا مبدياً رأي المعارضة في هذا الموضوع. ومما قاله في نهاية البيان: "اين هو برنامجكم لمحاربة الشيوعية؟ هاتوا البرنامج، واذا لم نقبله من الفه الى يائه فحقّكم علينا... كيف تتعامون عن محاربة الشيوعية في الداخل وتنادون مهللين لمحاربتها في الخارج لوحدكم من دون سائر البلاد العربية؟" وقال موجهاً كلامه الى وزير الخارجية الدكتور مالك بما معناه: "سمعت تصريحا لك قلت فيه انك بعد اليوم الذي تم فيه الاتفاق بين لبنان والولايات المتحدة يوما عظيما من ايام لبنان. كلا ليس هذا هو اليوم العظيم، هناك يوم اعظم، يوم مثقل بالثمار والاعمال الوطنية، هو ذلك اليوم الذي يتصافى فيه اللبنانيون ويقررون مواجهة المصاعب حزمة واحدة. تذكر هذا اليوم... واطلب تأجيل طرح الثقة، واذا لم تفعل ذلك، فاني اعد انضمامي الى زملائي واعلن استقالتي".
من البديهي انه لم تكن لدى حميد فرنجيه وشارل مالك الاولويات نفسها، فالاول كان يعطي الاولوية المطلقة لوحدة اللبنانيين، فيما يتبنى الثاني افكار الادارة الاميركية، الى حد انه نسي ان لبنان ليس الولايات المتحدة، وإن ما يمكن ان تجيزه لنفسها دولة كبرى قد يوجّه ضربة قاضية لدولة صغيرة، وخصوصا اذا كانت بنيتها هشة كبنية لبنان.
وعندما اعلن رئيس المجلس عادل عسيران أنه سينتقل الى التصويت على الثقة غادر ستة نواب القاعة من بينهم حميد فرنجيه ونالت الحكومة الثقة بثلاثين صوتا مقابل صوت واحد. وفي 9 نيسان، اطلع المجلس على كتاب الاستقالة الجماعية المقدم من سبعة نواب. وفي العشرين منه، وجهت "جبهة الاتحاد الوطني" نداء الى الشعب لينظم ايام تحرك ويعرب عن رفضه السياسة المتبعة من قبل المسؤولين اللبنانيين.
في المقابل أعلنت الحكومة مواعيد الانتخابات بدءا من 9 حزيران، وفي 30 منه حدد موعد انتخابات محافظة لبنان الشمالي. لكن منذ 8 ايار قررت الحكومة منع المرشحين من عقد اجتماعات انتخابية خارج دوائرهم. وكان هذا التدبير يرمي الى اهداف عدة، من بينها: وضع حد لتحرك حميد فرنجيه السياسي بغية منعه من قيادة المعركة من اجل وحدة اللبنانيين وضد العهد خارج دائرة زغرتا، وتحاشي ان يشكل نفوذ نائب زغرتا وشعبيته في لبنان الشمالي كما في مناطق اخرى خطرا على المرشحين الرسميين.

بدء التحركات


ادركت المعارضة ان هذه المحاولة هي لتهميش دور النائب معلنة انها تعتبر التدبير المتخذ من الحكومة مخالفا للدستور، ودعت الشعب الى تظاهرة كبرى في 12 ايار 1957 احتجاجا على اصرار الحكومة على تطبيقه. وقد عقدت المعارضة مؤتمرا صحافيا في مقرها في 9 ايار اوضحت فيه للناس احداثا كانت الرقابة قد اخفتها او شوهتها.
وفي 12 ايار احتشد اكثر من 75 الف نسمة في "ارض جلول" المجاورة آنذاك لمحطة الحرج الكهربائية في بيروت. وكان حميد فرنجيه من اهم ممثلي المعارضة في هذه التظاهرة، الى جانب احمد الاسعد وعبدالله اليافي وصائب سلام وفيليب تقلا وعلي بزي. والقى فرنجيه الخطاب الافتتاحي الذي حدد فيه الاهداف الرئيسية للتحرك وهي: استقلال لبنان الحقيقي التام والمطلق، حماية الميثاق الوطني والعودة الى سياسة خارجية متفقة مع سياسة الدول العربية. وقد ساهمت هذه التظاهرة في توضيح نقاط عدة. فالمعارضة ربما كانت اقلية في البرلمان، لكن الشعب أمن لها اكثرية واضحة. وكان للمعارضة برنامج يضمن وحدة اللبنانيين رغم تنوع طوائفهم او توجهاتهم السياسية آنذاك. وللمرة الاولى منذ نضالات الاستقلال كان هناك إمكان حقيقي لوضع اشخاص محكوم عليهم بانتمائهم الطائفي والاجتماعي او المناطقي على الطريق الكفيلة بتحويلهم مواطنين مسؤولين. ومن السهل ان نتصور الخطر الذي كان يمثله امكان مثل هذا التطور بالنسبة الى سلطة تتناقض خياراتها وعملها السياسي مع الاصلاحات التي يطالب بها حميد فرنجيه والمعارضة.
وفي 23 ايار من العام 1957 أصدرت المعارضة منشوراً كشفت فيه المداخلات الحكومية ووسائل الضغط التي تعمد اليها السلطة للتأثير على الناخبين في المناطق المختلفة ودعت "جبهة الاتحاد الوطني" من جديد الى تظاهرة في 30 ايار من العام 1975احتجاجا على الوضع. لكن التظاهرة التي ارادتها المعارضة سلمية، شهدت اعمال عنف وصدامات دامية بين الدرك والشرطة وانصار العهد من جهة والمعارضين من جهة ثانية، فكانت بيروت في غليان والوضع على وشك الانفجار العام. لكن تدخل الجيش عند الظهيرة بجنوده ومصفحاته انقذ البلاد من الكارثة.
وعند انتهاء التظاهرة، حدد حميد فرنجية مجددا في تصريح صحافي، الاهداف التي تسعى اليها المعارضة، والتي تختصر بضمان حريات اللبنانيين الأساسية.

الانتخابات


بدأت الانتخابات في 9 حزيران في بيروت ولبنان الجنوبي، فسقط ثلاثة من أبرز زعماء المعارضة. عبدالله اليافي وصائب سلام وأحمد الأسعد.
وفي 16 حزيران كان موعد انتخابات جبل لبنان، فسقط كمال جنبلاط مع جميع اعضاء لائحته في الشوف، كما سقط مرشحو المعارضة في دائرتي بعبدا وكسروان.
وفي اليوم الذي جرت فيه انتخابات جبل لبنان، وقبل اسبوعين من اجراء انتخابات لبنان الشمالي وقعت حادثة مزيارة المؤسفة. كان حميد فرنجية خلال ذلك متوجها الى هناك من طرابلس، وما إن وصل الى مفرق الطرق المؤدي الى البلدة حتى قيل له: "من المستحسن الاّ تواصل المسير"، ولما علم بالخبر قفل عائداً الى العاصمة، وسرعان ما وافاه اليها ما لا يقل عن 65 شخصا من مناصريه خوفا من ملاحقة القوى الامنية، فاهتم بهم كل الاهتمام مؤمناً لهم كل حاجياتهم، مستعملا نفوذه لدى السلطات المختصة لمنع توقيفهم. وفي 19 حزيران من العام 1975 شرح حميد بك في مؤتمر صحافي مجريات الكوارث التي تسارعت بهذا الشكل المأسوي.
وفي 23 حزيران جرت انتخابات محافظة البقاع، لكن السلطة لم تستطع اسقاط الزعيم المعارض صبري حماده ولائحته. وفي 26 حزيران، قرر مجلس الوزراء إلغاء قانون 8 ايار 1854 الذي يمنع التوقيف الاحتياطي للصحافيين. ولم يبق امام الحكومة الاّ مواجهة الزعيم حميد فرنجية الذي احرز انتصارا كبيرا مساء 30 حزيران من العام 1975 في آخر معركة انتخابية خاضها. وفي اول تموز صدرت جريدة التلغراف المعارضة بعنوان: "انتصر حميد فرنجيه على العهد".

د. شارل رزق الله
( الأحد المقبل: الجزء الرابع والأخير )
Reply With Quote
  (#23 (permalink)) Old
Orange Room Moderator
 
December Rain's Avatar
 
Online
Posts: 742
Thanks: 124
Thanked 245 Times in 147 Posts
Last Online: 2 Hours Ago
Join Date: Sun Mar 2008
View December Rain's Photo Album
Default 28th October 2008

حميد فرنجيه في ذكريات المطران يوسف محفوظ (4 من 4)

تقاعد الزعيم الكبير في سن مبكّرة نتيجة مرض لكن العشب لم ينبت على طريق منزله
اطلق فكرة الرابطة المارونية وشهامته منعته من الاقتراع لابنه ضد ابن اخيه
!

غاب الزعيم الوطني الكبير حميد فرنجيه منذ أكثر من ربع قرن، لتبقى ذكراه عند من عرفوه وعاصروه وظلوا يأبون التسليم بانقضاء الزمن، وهم ينظرون اليه ببعده الحقيقي، الزعيم الوطني النظيف الكف، رجل المحادثات الناجحة والنظرة الثاقبة والمواقف السليمة والسلم الاهلي والعيش المشترك، الذي اصبح في نظرهم أقرب الى مفهوم الرمز منه الى مفهوم الرجل السياسي. ومن الذين عرفوه عن قرب وآمنوا بشخصه ونهجه وصفاته المطران يوسف محفوظ، الراهب اللبناني الماروني ومطران البرازيل سابقاً، الذي كلما عصفت بلبنان رياح عاتية تحوّل "حميد بك" في نظره أملاً مفقوداً وفردوساً ضائعاً. التقته "النهار" وسألته بعض ما يعرفه عن الوطني الكبير الذي رفع مستوى الحياة البرلمانية في تاريخ لبنان السياسي المعاصر، فكانت هذه الشهادة:

"لم يكن حين 1957 مريحاً بالنسبة الى لبنان وحميد فرنجيه. فقد زار القاهرة قبل 23 تموز 1957 بدعوة من الرئيس المصري جمال عبد الناصر لحضور الاحتفال بذكرى الثورة. وتطرق معه الرئيس المصري الى مشروع الوحدة المزمعة بين مصر وسوريا واليمن، فعارض حميد فرنجيه الفكرة، معتبراً ان هذه الوحدة سابقة لأوانها ومنضوية على أزمات محتملة. وقد برهنت الايام اللاحقة صدق توقعاته. وعلى الصعيد الداخلي اصبح حميد بك زعيم المعارضة، بعد انتخابه امينا عاماً لجبهة الاتحاد الوطني، فرفض في حينها منح الثقة لحكومة سامي الصلح الجديدة والتي تسلم فيها الدكتور شارل مارك وزارة الخارجية، هذا في وقت كان فيه الصراع الاقليمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يزداد تفاقماً، وكانت سوريا احدى ابرز النقاط المهمة التي كان يدور حولها هذا الصراع وبالتالي التهديدات المتبادلة بين الطرفين. ولم يكن مجيء المبعوث الاميركي الجديد الى الشرق لوي اندرسن الا ليزيد الوضع توتراً. وكان لهذا الصراع انعكاساته الخطيرة على لبنان. بدأ حميد بك يشعر في ذلك الصيف، ولاسيما بعد حادثة مزيارة بأنه اصبح منهوك القوى، فلم يعد يتحمل فكريا وجسدياً، رغم صلابته، هذه الأجواء المشحونة. ففي صباح 2 تشرين الأول من العام 1957 انفجر بشكل مفاجىء الشريان السباتي في عنقه، مما دفع بطبيب العائلة الدكتور صهيون الى نقله الى مستشفى الجامعة الاميركية في بيروت. وبما ان الاختصاصات الطبية كانت آنذاك في لبنان قليلة او شبه نادرة، فضلا عن افتقار المستشفيات الى الآلات الضرورية لمعالجة مثل هذه الحالات الدقيقة الطارئة، تقرر استدعاء ثلاثة اطباء من ذوي الاختصاص في هذا المجال، من باريس ولندن ونيويورك، بينما أمر كل من الرئيسين ايزنهاور وخروتشوف فريقه الطبي الخاص بالاستعداد للتوجه الى بيروت، اذا لزم الامر.
كان الطبيب الفرنسي اول الآتين، وبعد المعاينة قرر عدم اجراء عملية جراحية بل اخضاع حميد بك لعلاج يداوم عليه فترة زمنية يتحسن خلالها تدريجا ليعود الى حالته الطبيعية، وعاد الطبيب الى بلاده. اما الطبيب البريطاني، فبعد اجراء الكشف امر بأجراء عملية جراحية مستعجلة، فوقع الدكتور صهيون وزوجة حميد فرنجيه السيدة برت في حيرة، غير انهما عادا ورضخا للأمر الواقع امام اصرار الطبيب. وخلال الاستعدادات وبدء اجراء العملية وصل الطبيب الاميركي، وبعدما اطلع على الامر قال: "كيف تقدمون على اجراء عملية دقيقة وخطرة في غياب المعدات اللازمة؟ عليكم بنقله فورا الى لندن".
هذا من دون ان يخفي معارضته لاجراء العملية كما قال الطبيب الفرنسي. ونقل حميد فرنجيه الى لندن ليغادر غرفة العمليات، وهو مصاب بشلل في الجهة اليمنى. هل لعب القدر لعبته القذرة مسطرا بحروفه السوداء المستقبل السياسي لأبرز زعيم افرزته السياسة اللبنانية في القرن العشرين؟ هل ما كتب لحميد فرنجيه مجرد مصادفة؟ ام هناك امور اخرى... ما زالت كامنة وراء الكواليس او تلاشت واضمحلت في مخابىء الايام؟
تقاعد مبكر

اشارة الى ان ما حدث لحميد فرنجيه اصاب الرئيس الاميركي ايزنهاور في العام 1960، فلم يخضعه الاطباء الاميركيون لعملية جراحية بل لعلاج لمدة ثلاثة اسابيع غادر بعدها المستشفى معافى تماما ليتابع نشاطاته كما كان في السابق، وبقي الى آخر يوم من عهد رئاسته. هذا ما حدث بعد مرور ثلاث سنوات على حادث حميد فرنجيه، فالطبيبان الفرنسي والاميركي كانا على صواب. لكن السيدة برت لم تيأس، فتوجهت بزوجها الى باريس لاخضاعه للعلاج الفيزيائي، آملة في ان يتعافى بعد اشهر عدة. لكن حميد فرنجيه ظل مصابا بشلل جزئي، اي في الجهة اليمنى، بينما ظلت الجهة اليسرى سليمة، ولاسيما يده التي كانت تسمح له بقضاء حاجاته ومن بينها لعب الطاولة في ما بعد مع الاصدقاء، ومن بينهم شقيقي الخوري الياس.
عاد فرنجيه الى لبنان في اوائل الستينات وهو يقوى على السير ولكن بمؤازرة عكاز. ظل لفظه واضحا رغم خفوت صوته وعندما كان يثيره امر ما يتعثر الكلام في فمه. اما الذاكرة فظلت حادة، الى درجة انه ظل يتذكر الارقام والتواريخ والاشخاص وكأنه في عمر الشباب. وعندما كنت ازوره كنا نجلس طويلا متطرقين الى مواضيع شتى، ولاسيما ذكريات المرحلة التي عاشها كل منا في فرنسا.
وظل حميد فرنجيه متديّناً يمارس واجباته الدينية على اكمل وجه كما كان في السابق. وقد سمح راعي ابرشية بيروت المارونية آنذاك المطران اغناطيوس زيادة لشقيقي الخوري الياس بأن يحتفل بالذبيحة الالهية في منزل فرنجيه ساعة يشاء الاخير.
تقاعد الزعيم الكبير والوالد العطوف على عائلته التي كان يفتخر بها. تغيّرت مجريات حياته، فكم وكم من مرة كان يعود الى المنزل ويجلس مع زوجته واولاده الستة الصغار يداعبهم ويمازحهم، رغم انشغاله الدائم بالقضايا السياسية والنيابية والوزارية والاتفاقات الدولية. كما كانت زوجته السيدة برت البطلة، نعم البطلة، تسهر على راحة اولادها وترافق زوجها في السراء والضراء بأمانة واخلاص ولاسيما بعدما اقعده المرض اعواماً طويلة، ظلت معه وبقربه، لم تتقاعس يوما عن اداء واجباتها مؤمّنة له كل ما يرتاح اليه وما يسرّه وما يفيده. كانت زوجته وملاكه الحارس في الليل والنهار على مدار السنة، وانا شاهد عيان على ما كانت تقوم به من واجبات نحوه، واستقبال كل من يزوره ويتردد اليه، بابتسامة ورحابة صدر. ومعاملتها له جعلته يتحمل مرضه بصبر، اذ لم تفارق الابتسامة يوما شفتيه وظل وجهه دائما وضاحاً.
وفاء اقوى من السياسة

ظل حميد بك على هذه الحالة حوالي ربع قرن مقيما مع عائلته في شارع المتحف في بيروت من دون ان تنقطع علاقاته بأحد. لم ينبت العشب على طريق المنزل الذي ظل مفتوحاً لجميع الزائرين، وما كان اكثرهم. كانوا يأتون من المناطق كلها، بحيث كنا نجد في هذا البيت صورة مصغّرة عن لبنان، بتعدّده وغناه ومشاكله. الا ان هذه المشاكل كانت تعالج في هذا المنزل بروح مختلفة عن تلك السائدة في موضع آخر، لأن الكل كان يعرف ان لا مجال فيه للحجج الطائفية. بقي حميد فرنجيه كما كان قبل اصابته، الزعيم الوطني الذي يحظى باحترام الجميع. ففي اعياد الاستقلال والميلاد ورأس السنة والفصح، ولاسيما في اليوم السادس من شهر آب يوم عيد التجلي الذي تصادف فيه ذكرى ولادته، كان معظم اعضاء مجلس النواب وجميع زعماء بيروت ووجهائها من مسلمين ومسيحيين يؤمون دارته لتهنئته. ومن بين الذين زاروه في احد اعياد الاستقلال خصمه السياسي الدكتور شارل مالك، كما كان هناك سياسيون معارضون في الماضي ثم جاؤوا يعترفون بصحة مواقفه. ظلت ايضاً تربطه صداقات حميمة بعدد من الشخصيات الاسلامية سواء في بيروت او صيدا او طرابلس وغيرها. وكان يقصده ايضا الاصدقاء، اولئك الذين كانوا يأبون التسليم بانقضاء الزمن ومن بينهم ثلاثة من رجال الكنيسة، مثاليين في صداقتهم واخلاصهم: المونسنيور يوحنا مارون والاب عبدالله داغر وشقيقي الاب الياس محفوظ، فكان فرنجيه يلتقيهم جميعا بالفرح ذاته.
وهو ظل على اطلاع يومي على مجريات الحوادث يطالع الصحف ويتتبع نشرات الاخبار المسائية، فيحلل الاحداث مؤيداً حينا ومعارضاً احياناً اخرى، مبدياً رأيه من دون أن يخفي الحلول التي يطرحها من خلال عقل نيّر وبصيرة نافذة. واذكر عندما عُيّن شقيقه سليمان وزيراً للداخلية في الحكومة التي ستشرف على الانتخابات النيبية في العام 1968 في عهد الرئيس شارل حلو، كان الصراع في حينها محتدماً لاسيما في جبل لبنان بين الحلف الثلاثي الذي كان يضم احزاب، الكتائب والوطنيين الاحرار والكتلة الوطنية من جهة والنهج الشهابي الذي كان يتمثل بالجبهة الديموقراطية البرلمانية وحلفائها، من جهة ثانية، فاتصل حميد فرنجيه بمدير الامن العام آنذاك محمود البنّا قائلاً له: "اتمنى ان تبلغ أخي سليمان بأن لا يتزحزح عن مبادىء بيتنا، وأن يملأ مركزه ويتصرف كرجل دولة وأن يكون حيادياً مترفعاً بعيداً عن كل التجاذبات في هذا الظرف الدقيق". علما ان الوزير سليمان فرنجيه كان ينتمي مبدئياً آنذاك مع صائب سلام وكامل الاسعد الى ما كان يسمى بتكتل الوسط المناوىء للشهابية وأجهزتها. وليلة اعلان نتائج انتخابات جبل لبنان، التي حصد فيها الحلف الثلاثي اكثرية المقاعد، ولاسيما في كسروان حيث منيت الشهابية بهزيمة في عقر دارها، توجه حميد فرنجيه من دون موعد، رغم اشتداد المرض الى دارة الرئيس الاسبق فؤاد شهاب في جونيه. ولتعذر نزوله من السيارة، ارسل الى الرئيس بطاقة مع احد الجنود المولجين حماية المنزل تنبىء بحضوره. فاسرع الرئيس لموافاته في السيارة، فبادره حميد فرنجيه: "يا فخامة الرئيس مهما جارت عليك الايام ودارت دواليب السياسة، فحميد فرنجيه باق الى جانبك، وسيبقى كما كان في الماضي". فما اجمل الوفاء وحده ينتصر على السياسة والمكاسب الفردية والوجوه المقنعة.

"هذا ابني... وذاك ابني"

ثمة حادثة اخرى تدل على شهامة حميد فرنجيه وترفّعه. فبعد انتخاب نائب زغرتا سليمان فرنجيه رئيسا للجمهورية في 17 آب من العام 1970، كان لا بد من اجراء انتخابات نيابية فرعية لملء المركز النيابي الشاغر، فرشح رئيس الجمهورية نجله طوني بينما رشّح حميد فرنجيه نجله قبلان، فاحتدمت معركة البيت الواحد. وعند حلول موعد الانتخابات توجه حميد فرنجيه الى زغرتا برفقة زوجته برت للادلاء بصوتيهما. ولما ترجلا من السيارة امام مركز الاقتراع التفت حميد فرنجيه الى زوجته قائلاً: "لماذا نحن هنا يا برت، هذا ابني وذاك ابني! فلنعد الى البيت"، وقفلا عائدين من دون أن يقترعا".
كان حميد فرنجيه كبيراً وشهماً ومتواضعاً في آن واحد. كان الزعيم اللبناني شبه الوحيد الذي يرفض توجّه انصاره الى مطار بيروت لملاقاته واستقباله بأعداد كبيرة ثم مواكبته الى مسقط رأسه وذلك بعد عودته من الخارج. فكان يدخل صالون الشرف منتظراً مجيء سائقه لاصطحابه في سيارته الخاصة بكل بساطة الى منزله في بيروت. كما كان يرفض الاستقبالات الشعبية الحاشدة والمهرجانات الشخصية خارج بلدته. لقد احترمه الجميع لأنه كان يحترم الجميع، رغم انه عند الضرورة لم يكن يوفّر أبداً بنظراته الغاضبة وكلماته الحادة والمهذبة، كل من لم يكن سالكاً الطريق الوطني المستقيم. وذات يوم، قيل له إن ثمة من سيقترح اطلاق اسمه على جادة جميلة في بيروت، فرفض رفضاً قاطعاً، مثلما سبق له أن رفض تلقي أي وسام لبناني.
الرابطة المارونية

ويعتبر حميد فرنجيه مطلق فكرة انشاء "الرابطة المارونية". فعندما اصبح البطريرك عريضة عاجزاً عن القيام بمسؤوليته، بسبب تقدمه في السن وتعرضه لوعكة صحية لازم بعدها الفراش، عيّن الفاتيكان لجنة اسقفية لتدير شؤون الطائفة، برئاسة المطران بولس المعوشي وعضوية المطرانين بطرس ديب وعبدالله خوري. يومها توجّه الى بكركي وفد من اعيان "الكتلة الوطنية" و"الكتلة الدستورية" ليطرح على اللجنة الرسولية المذكورة فكرة انشاء مجلس ملّي للطائفة المارونية على غرار الكنائس الملكية. نوقش الموضوع بجدية من النواحي المختلفة حتى توقف البحث عند نقطة مهمة وهي أن المارونية لم يكن عندها يوماً مجلس مماثل. عندئذ انبرى حميد فرنجيه طارحاً إنشاء رابطة مارونية علمانية متعلقة بالصرح البطريركي لتسانده في الامور المختلفة لاسيما السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهكذا ولدت فكرة "الرابطة المارونية" في لبنان واعترفت بها الدولة اللبنانية ولا تزال قائمة. والفضل يعود الى حميد فرنجيه صاحب الرأي السديد
.

المشوار الاخير

لم يغادر حميد فرنجيه وعائلته الشطر الغربي من العاصمة طوال الحرب اللبنانية التي اندلعت في نيسان من العام 1975. تلك الحرب وما جرّته من ويلات وانقسامات كانت بالنسبة اليه كارثة بل ضربة مؤلمة. إذ تأكد له، وهو الذي قاد معاركه من أجل بناء وحدة اللبنانيين، أن ما كرّس له حياته وطاقته قد تلاشى. ومما قاله لانجاله والمقربين منه: "لا تحاولوا أن تعيدوا إلصاق أجزاء الماضي، فسيكون على جيلكم أن يحلّ من جديد مشكلة إعادة توحيد اللبنانيين، وعليكم أنتم أن تجدوا الوسيلة المناسبة لذلك".
ربع قرن من الزمن ثبّت عظمة حميد فرنجيه الحقيقية، تلك التي اكتسبها من المرض والشدة والألم. وقد أكد ايضاً ان الألم يبقى اقصر طريق يهدي الانسان الى خالقه. وفي 5 ايلول من العام 1981، توفي حميد فرنجيه والحرب اللبنانية مشتعلة، وقبل أن يشهد انهيار الليرة اللبنانية ليرته. فاتصلت السيدة برت بي وبشقيقي الخوري الياس. فتوجهنا فوراً الى منزله في بيروت الغربية آنذاك.
وبعد تلاوة الصلاة، اضطر شقيقي الى العودة الى المنزل، لأنه كان يشكو من آلام حادة إثر تعرضه لحادث اصطدام. فكان عليّ اذاً ان أقوم بما يتطلبه الظرف بالنسبة اليّ ونيابة عنه. فرافقت الجثمان من المنزل الى كنيسة مار شربل في محيط الاونسكو حيث احتفلت مع الأب عبدالله داغر بالذبيحة الالهية وسط حشد كبير يتقدمه المطران نصرالله صفير ممثلاً البطريرك الماروني انطونيوس بطرس خريش، وبطريرك الروم الكاثوليك مكسيموس الخامس حكيم وراعي ابرشية بيروت المارونية المطران اغناطيوس زيادة وبعض الكهنة.
بعد الصلاة توجهنا في موكب كبير الى إهدن، وبناء على طلب من العائلة لازمت جثمان حميد فرنجيه في السيارة المعدّة له. يومها فوجئت ونحن نجوب شوارع بيروت المنقسمة، بالجموع الكبيرة التي احتشدت يوم وفاته. لازم حميد فرنجيه منزله خمساً وعشرين عاماً، فمن الطبيعي أن ينساه الجميع.
ذكّرتنا تلك الحشود بحميد بك الاربعينات والخمسينات، وكأنه توفي فجأة وهو في القمة، فمسلمو بيروت قاموا بكل ما يمليه عليهم الواجب عند مرور الموكب، وكذلك الزعيم وليد جنبلاط الذي وضع كل طاقاته تكريماً للراحل الكبير. وعندما مررنا في الاشرفية جعلتنا المظاهر التي اقامها الشيخ بيار الجميل، نشعر وكأن حميد فرنجيه حيّ بيننا. وتوالت الاستقبالات على طول الطريق المؤدية الى الشمال، في جونيه وجبيل والبترون وسائر البلدات الساحلية. اثبتت ردود فعل اللبنانيين أنهم لم ينسوا حميد فرنجيه، وقد جاء حزن عامة الناس، بصدقه وعفويته، ليذكر من خانته الذاكرة بأن الجميع كانوا يعترفون يومذاك بأن الطريق التي سلكها حميد فرنجيه طوال حياته السياسية كانت بالضبط طريق الوفاق والتقدم والخلاص.
ولما وصلنا الى جسر المدفون رافقنا في السيارة ضابط من آل فرنجيه، ثم انطلقنا الى إهدن مروراً بالبلدات والقرى الشمالية التي تجمهر ابناؤها على طول الطريق ليؤدوا التحية الاخيرة للراحل الكبير. وعندما بلغنا ساحة إهدن، حيث كان الرئيس سليمان فرنجيه في انتظارنا وسط حشود هائلة والدمع في عينيه، ترجلت من السيارة، وبعدما تعانقنا، تسلّم الاهالي نعش زعيمهم الكبير الذي لُفّ بالعلم اللبناني، ورفعوه على الأكف. في تلك اللحظة تذكرت ما كتبته إحدى الصحف يوم تشييع الرئيس فؤاد شهاب صديق حميد فرنجيه، في نيسان من العام 1973: "الحمل ثقيل على فتيان المدرسة الحربية، ففي النعش جبل من لبنان"، وفي ذلك اليوم كان أبناء زغرتا والجوار ينوءون تحت حملهم الثقيل لأن في النعش جبلاً آخر من لبنان.
حميد بك فرنجيه ابن لبنان وابن البطريركية المارونية، كان في حياته أرزة شامخة وبعد مماته لا يزال أرزة خالدة. أجل هكذا يعيش الرجال العظام وهكذا يموتون. وكأني بلبنان اليوم يقول لنا: "هؤلاء هم ابنائي، فأتوني بمثلهم".

د. شارل رزق الله
Reply With Quote
Reply

  The Orange Room - forum.tayyar.org The Orange Room Main Forums The Orange Room

Tags
and#, article, interesting


Currently Active Users Viewing This Thread: 1 (0 members and 1 guests)
 
Thread Tools Search this Thread
Search this Thread:

Advanced Search

 
Posting Rules
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is On
Smilies are On
[IMG] code is On
HTML code is Off
Trackbacks are On
Pingbacks are On
Refbacks are On

Forum Jump

Forums Directory