غاب الزعيم الوطني الكبير حميد فرنجيه منذ أكثر من ربع قرن، لتبقى ذكراه عند من عرفوه وعاصروه وظلوا يأبون التسليم بانقضاء الزمن، وهم ينظرون اليه ببعده الحقيقي، الزعيم الوطني النظيف الكف، رجل المحادثات الناجحة والنظرة الثاقبة والمواقف السليمة والسلم الاهلي والعيش المشترك، الذي اصبح في نظرهم أقرب الى مفهوم الرمز منه الى مفهوم الرجل السياسي. ومن الذين عرفوه عن قرب وآمنوا بشخصه ونهجه وصفاته المطران يوسف محفوظ، الراهب اللبناني الماروني ومطران البرازيل سابقاً، الذي كلما عصفت بلبنان رياح عاتية تحوّل "حميد بك" في نظره أملاً مفقوداً وفردوساً ضائعاً. التقته "النهار" وسألته بعض ما يعرفه عن الوطني الكبير الذي رفع مستوى الحياة البرلمانية في تاريخ لبنان السياسي المعاصر، فكانت هذه الشهادة:
"وافقت حكومة الرئيس رشيد كرامي في 7 كانون الاول من العام 1955 على قرض من البنك الدولي، بحجة أن لبنان لا يملك الامكانات اللازمة لتمويل مشروع سد الليطاني. هذا كله رغم تحفظ ديوان المحاسبة الذي بيّن الاضرار الكثيرة التي تنجم عادة عن القروض، كما ان أحد الوزراء أقرّ امكان اللجوء الى تمويل داخلي لتنفيذ المشروع، فوراء هذا التمويل تكمن لعبة سياسية أدركها حميد فرنجيه بالطبع، وهي أن الولايات المتحدة تسيطر على البنك الدولي وتدعم حلف بغداد. فبواسطة هذا التمويل كان لبنان ينقاد الى الكتلة الغربية، لذلك لم يكن حميد فرنجيه ضد الولايات المتحدة بل كانت لديه مآخذ كثيرة على سياستها الخارجية. كان يرى أن للبنان ملء المصلحة في إقامة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وهذه العلاقات يجب أن تكون بين دولة ودولة وعلى أسس واضحة ومحدّدة، لا أن تمر بتعرجات مرتكزة على الايقاع بلبنان، بواسطة القرض المذكور، لجعله دولة عديمة الشأن دائرة في فلك قوة الولايات المتحدة من خلال حلف بغداد. فاذا انحاز قسم من اللبنانيين الى الغرب فالقسم الآخر سينحاز الى الشرق وإن اللبنانيين جميعاً سيكونون خاسرين، فالحياد بين الدول وصداقة الدول العربية هما الطريق الصحيح، ومحاولة تثبيت لبنان في معسكر معيّن سيثير ضده معارضو هذا المعسكر، والمعارضة السياسية يمكن أن تتحول معارضة طائفية، فالطائفية كانت المنتصر الوحيد الذي أفرزته مجريات تلك الفترة. لذلك استقال من الحكومة.
وبعد الاستقالة تابع فرنجيه حياته كنائب في البرلمان، فشارك في مناقشات طويلة تتعلق بقوانين المعلمين والمدارس والتربية، كما تدخّل مراراً للحؤول دون تفكك المؤسسات وتصاعد نفوذ المحاسيب. كما آلمه أن يرى مجلس النواب منقاداً لتحقيق رغبات الحكم وليس المجلس الذي يناضل في سبيل الحريات والتقدم، والحكومات حاضرة غائبة، لذلك لم يمنح حميد فرنجيه ثقته لحكومة صديقه عبدالله اليافي في 22 آذار من العام 1956، وقد صرّح امام زوجته وبعض المقربين بأنه سينسحب من الحياة السياسية في العام 1957، أي عند بلوغه سن الخمسين ويتفرّغ لعائلته واعماله ومن بينها التدريس الجامعي. فالبلاد كانت تتجه باتجاه معاكس تماماً لذاك الذي كان ينادي به.
قرار المواجهة
لكنه مع ذلك كان ينوي خوض المعركة الانتخابية في العام 1957 اذ كان يعلم أن الرئيس شمعون يريد بعدما وضع مؤسسات الدولة في تصرف الحكم، أن يجمع مجلساً نيابياً مستعداً لتعديل الدستور في اتجاه يسمح له بتجديد ولايته، وحميد فرنجيه كان السياسي الوحيد القادر على قيادة معارضة فاعلة ضد الحكم لا يمكن استغلالها طائفياً.
في تلك الفترة كان نفوذ مصر يتصاعد بقوة، فمواقف الرئيس المصري جمال عبد الناصر وقوّته وتعزيز طاقته العسكرية اسهمت في منح الشعوب العربية تطلعات جديدة. وفي لبنان كان لتثبيت نفوذ مصر صدى بعيد تأثر بالبنية الطائفية للبلاد.
أمّم الرئيس عبد الناصر القناة في 26 تموز من العام 1956، فازداد التوتر الاقليمي والمحلي. فعلى الصعيد الاقليمي كان الاتجاه السائد في الدول العربية تأييد مصر والالتفاف حولها. أما محلياً فالانشقاق بين اللبنانيين كان يزداد خطورة.
في 16 ايلول 1956 اجتمعت في بيروت "اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاستثنائي للشعوب العربية" تأييداً لمصر. وبعد يومين بدأ المؤتمر أعماله في البرلمان السوري في حضور ممثلين لست عشرة دولة عربية، من بينها لبنان. وبعد كلمة الافتتاح انتخب حميد فرنجيه بالاجماع رئيساً لهذا المؤتمر. وعلّقت إحدى الصحف آنذاك بأن "هذه البادرة ما هي الاّ دليل على الثقة بشخصية الاستاذ فرنجيه... وهكذا تشاء الاحداث المتوالية أن تثبت بالبرهان القاطع أن القومية العربية أبعد ما تكون عن الطائفية، فالدول الاسلامية، تركيا وايران وباكستان وقفت ضد مصر وضد العرب... وها هو حميد فرنجيه ابن زغرتا، تنتخبه أحزاب البلدان العربية رئيساً للمؤتمر الوطني العربي بالاجماع... ولبنان كان وما يزال في طليعة قادة الحركات الوطنية...".
العدوان الثلاثي
بدأ العدوان الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، اسرائيل) على القوات المصرية بين 29 تشرين الاول و5 تشرين الثاني من العام 1956، ثم توقف نتيجة ضغط من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. لم يسقط عبد الناصر بل توطدت زعامته في العالم العربي التي أفاد منها السوفيات. أما الولايات المتحدة فقد أقصت حليفتيها بريطانيا وفرنسا عن الشرق الاوسط وانتزعت منهما مركز الصدارة في المنطقة لكي تضع يدها بالكامل على الثروة النفطية. بعد ذلك انعقد في بيروت مؤتمر لرؤساء الدول العربية من 13 الى 15 تشرين الثاني من العام 1956، لم يشارك فيه الرئيس عبد الناصر. وفي الدعوة التي وجهها الرئيس شمعون الى الرؤساء أوضح أن من القرارات التي ستتخذ قراراً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا وفرنسا. لكن الرئيس شمعون عدل عن قراره في النهاية مما سبّب استقالة رئيس الوزراء وحكومته. فتشكلت حكومة جديدة برئاسة سامي الصلح، تولى فيها اللواء فؤاد شهاب حقيبة الدفاع والدكتور شارل مالك حقيبة الخارجية. وكانت البلاد في تلك الفترة تتخبط في مشاكل اجتماعية - اقتصادية في طليعتها ارتفاع نفقات التعليم، الانتاج الصناعي الكاسد بسبب سيطرة السلع الاجنبية على الاسواق اللبنانية، فضلاً عن استغلال التجار لأزمة السويس، إذ رفعوا أسعار السلع والمواد الغذائية واخفوا معظمها من الاسواق الخ...
في خضم هذا الواقع القى حميد فرنجيه محاضرة في الندوة اللبنانية في 19 تشرين الثاني من العام 1956 بعنوان "تأملات في الدولة". ومما قاله فيها: "المطلوب هو أن نصلح عاداتنا السياسية، أن نحقق التربية المدنية للانسان اللبناني وأن نحوّل الناخب الى مواطن... علينا أن نعيد الى اللبناني المعنى المفقود لمفهوم المواطن، وأن نقنعه بأنه جزء من كل... علينا أن نستأصل نزعته الفردية الراسخة فيه... وبأن لحريته حدوداً هي حرية مواطنيه والمصلحة العامة...".
مبدأ ايزنهاور
أمام تردي الوضع الداخلي علم في 3 كانون من العام 1957 أن الرئيس ايزنهاور سيعرض على الكونغرس سياسة جديدة متعلقة بالشرق الاوسط عرفت بمبدأ ايزنهاور، ويقوم على تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية من الولايات المتحدة لدول الشرق الاوسط الحرة التي تساهم في محاربة الشيوعية وتقاوم التوغل السوفياتي في المنطقة... وفي اليوم ذاته قدّم اللواء شهاب استقالته من الحكومة، هو الذي كان مجيئه الى الحكم على حد قول حميد فرنجيه "كافياً" للدلالة على خطورة الموقف من انعكاس السياسة الخارجية على الموقف الداخلي. وجاءت استقالة شهاب بعدما أدرك أن البلاد كانت تتجه نحو اضطرابات خطيرة، فقرّر أن يحافظ على تماسك الجيش ووحدته".
كان مبدأ ايزنهاور يتعارض مع الشعور العميق لغالبية المسلمين اللبنانيين. فالاولوية للولايات المتحدة كانت لمحاربة الشيوعية، والمسلمون اللبنانيون كانوا بعيدين عن الشيوعية، ولم يكن مبدأ ايزنهاور ليرضيهم على الاطلاق. أما المسيحيون فكان موقفهم أكثر تنوعاً من موقف المسلمين، فبعضهم كان يعتبر هذا المبدأ مفيداً للبنان. غير أن بعضهم الآخر وفي عداده حميد فرنجيه، كان ينظر الى مبدأ ايزنهاور كسيف ذي حدّين: الحد الاول سيفصل بين اللبنانيين، والحد الثاني سيفصل اللبنانيين عن جيرانهم العرب... إن القبول به كان يعني تعميق الانقسام الداخلي، مع ما يمثّله ذلك من خطر طائفي، وهذا ما فعلته الحكومة التي أعلن وزير خارجيتها شارل مالك أن لبنان استقبل بكل ترحيب مبدأ ايزنهاور. واتهمت المعارضة الرئيس شمعون بأنه يبحث خارج البلاد عن القوة التي تنقصه ليؤمّن تجديد ولايته. فخطوة الدولة كانت في نظر كثيرين قد مهدت لأول حرب أهلية شهدها لبنان بعد الاستقلال. وهنا اتذكر ما قاله حميد فرنجيه "علينا أن ندرك جيداً من نحن وما نحن... أريد أن أنظر الى مصلحتنا كدولة في هذا الشرق، صغيرة وضعيفة".
موقفا بكركي والفاتيكان كيف كان موقف بكركي والفاتيكان من التطورات؟
كان البطريرك بولس المعوشي يناهض سياستي العهد الداخلية والخارجية وكانت تصريحاته عنيفة في هذين الاتجاهين. أما في شأن الفاتيكان فقد تلقى حميد فرنجيه في تلك الفترة من الكاردينال رونكالي، الذي اصبح فيما بعد البابا يوحنا الثالث والعشرين، رسالة يبلغه فيها أن البطريرك الماروني سيتلقى قريباً تعليمات الفاتيكان. وبالفعل في 19 شباط من العام 1957 دعا البطريرك حميد فرنجيه وأطلعه على الرسالة التي كانت تتعلق بالموقف الذي يتعيّن على بكركي أن تتخذه حيال خطين متعارضين تماماً: خط حميد فرنجيه من جهة وخط الرئيس شمعون من جهة أخرى. وتعليمات البابا بولس الثاني عشر كانت واضحة وهي: "على بكركي أن تتبنى المواقف التي يدافع عنها حميد فرنجيه". وأذكر عندما نشر نص الاتفاق الذي حصل بين جيمس ريتشاردز، مستشار الرئيس ايزنهاور، والدكتور مالك، صرّح البطريرك مستغرباً تفرّد الحكومة بسياستها الجديدة وهو يقول للمسؤولين: "إنكم تسرّعتم، وكان من الأفضل أن نتريث ونتعاون مع اخواننا وجيراننا الذين نتعاون معهم، قبل الانفراد بأي عمل من هذا النوع". فعبر هذا الاتفاق كان يبدو لقسم من اللبنانيين أن لبنان سيكسب صداقة دولة عظمى ويجد نفسه مغموراً بنعمها، ومن جهة ثانية كان يعمّق الهوة بين اللبنانيين، وكما صرحت المعارضة بأنه سيجعل الحاكمين يسترسلون اكثر فأكثر في انجرافاتهم الاقتصادية والمالية... ومن الامثلة على ردود الفعل ان حزب "النجادة" أعلن منذ 17 آذار من العام 1957 ان هذا الاتفاق يشكل خرقا للميثاق الوطني ويسبّب عزل لبنان. غير ان السلطة اللبنانية تابعت طريقها. ففي 8 آذار من العام 1957 صدّق مجلس النواب على قرار الحكومة برفع عدد النواب من 44 الى 66 نائبا. وفي اليوم التالي انتخب البرلمان لجانه، فأبعد ثلاثة نواب عن لجنة الشؤون الخارجية هم: حميد فرنجيه وعبدالله اليافي ورشيد كرامي. وكان على شارل مالك ان يدافع امام لجنة الخارجية عن اتفاقه.
توحيد صف المعارضة
اثر ذلك رصّت المعارضة صفوفها وشكلت جبهة موحدة هي "جبهة الاتحاد الوطني" قدمت في 2 نيسان من العام 1957 مذكرة الى الرئيس شمعون فور عودته من الزيارة التي قام بها الى المملكة العربية السعودية والعراق، وقّعتها 23 شخصية معارضة في طليعتها حميد فرنجيه، وتتضمن نقاطاً عدة تتعلق بالسياسة الخارجية والانتخابات النيابية (رفع عدد النواب الى 88)، وتشكيل حكومة جديدة الخ...
الاستقالة من النيابة
وتعكر الجو في 4 نيسان من العام 1957 عندما اعلنت الحكومة في ختام بيان عن السياسة الخارجية، انها ستطرح الثقة بنفسها على اساس السياسة الخارجية التي تنتهجها. ولم تكن اهم نقاط البيان الحكومي بعيدة عن مواضيع اصبحت تقليدية مثل: استقلال فلسطين والعلاقات مع سوريا. الا ان آخر نقاط البيان كانت تنص على عدم ايمان الحكم بالشيوعية واعتبارها خطرا يهدد استقلال لبنان القومي كما يهدد السلام. كانت الغاية من هذه النقطة واضحة، وهي الدمج بين الشيوعية والمعارضة بواسطة هذا المنطق: الشيوعية تهدد استقلال لبنان، ووحده التزام لبنان مبدأ ايزنهاور كفيل بانقاذه من هذه الكارثة. بناء عليه فان كل معارض للحكومة، وبالاحرى كل معارض لانضمام لبنان الى مبدأ أيزنهاور، يصبح من جراء ذلك شيوعياً، ويعمل بالتالي للقضاء على استقلال لبنان.
نتساءل هنا، لماذا أثيرت هذه المسألة قبل ثلاثة اشهر من الانتخابات النيابية وفاجأت عدداً من النواب، ولاسيما انها لم تكن مدرجة على اي جدول اعمال؟
طالبت المعارضة بتأجيل مناقشة البيان الوزاري وكان في طليعة المطالبين حميد فرنجيه، فتأجلت الى اليوم التالي اي الجمعة 5 نيسان. كان الجو محموماً، وقد قرر نواب المعارضة تقديم استقالاتهم اذا فرض التصويت على الثقة بشأن السياسة الخارجية. فتكلم حميد فرنجيه مطولا مبدياً رأي المعارضة في هذا الموضوع. ومما قاله في نهاية البيان: "اين هو برنامجكم لمحاربة الشيوعية؟ هاتوا البرنامج، واذا لم نقبله من الفه الى يائه فحقّكم علينا... كيف تتعامون عن محاربة الشيوعية في الداخل وتنادون مهللين لمحاربتها في الخارج لوحدكم من دون سائر البلاد العربية؟" وقال موجهاً كلامه الى وزير الخارجية الدكتور مالك بما معناه: "سمعت تصريحا لك قلت فيه انك بعد اليوم الذي تم فيه الاتفاق بين لبنان والولايات المتحدة يوما عظيما من ايام لبنان. كلا ليس هذا هو اليوم العظيم، هناك يوم اعظم، يوم مثقل بالثمار والاعمال الوطنية، هو ذلك اليوم الذي يتصافى فيه اللبنانيون ويقررون مواجهة المصاعب حزمة واحدة. تذكر هذا اليوم... واطلب تأجيل طرح الثقة، واذا لم تفعل ذلك، فاني اعد انضمامي الى زملائي واعلن استقالتي".
من البديهي انه لم تكن لدى حميد فرنجيه وشارل مالك الاولويات نفسها، فالاول كان يعطي الاولوية المطلقة لوحدة اللبنانيين، فيما يتبنى الثاني افكار الادارة الاميركية، الى حد انه نسي ان لبنان ليس الولايات المتحدة، وإن ما يمكن ان تجيزه لنفسها دولة كبرى قد يوجّه ضربة قاضية لدولة صغيرة، وخصوصا اذا كانت بنيتها هشة كبنية لبنان.
وعندما اعلن رئيس المجلس عادل عسيران أنه سينتقل الى التصويت على الثقة غادر ستة نواب القاعة من بينهم حميد فرنجيه ونالت الحكومة الثقة بثلاثين صوتا مقابل صوت واحد. وفي 9 نيسان، اطلع المجلس على كتاب الاستقالة الجماعية المقدم من سبعة نواب. وفي العشرين منه، وجهت "جبهة الاتحاد الوطني" نداء الى الشعب لينظم ايام تحرك ويعرب عن رفضه السياسة المتبعة من قبل المسؤولين اللبنانيين.
في المقابل أعلنت الحكومة مواعيد الانتخابات بدءا من 9 حزيران، وفي 30 منه حدد موعد انتخابات محافظة لبنان الشمالي. لكن منذ 8 ايار قررت الحكومة منع المرشحين من عقد اجتماعات انتخابية خارج دوائرهم. وكان هذا التدبير يرمي الى اهداف عدة، من بينها: وضع حد لتحرك حميد فرنجيه السياسي بغية منعه من قيادة المعركة من اجل وحدة اللبنانيين وضد العهد خارج دائرة زغرتا، وتحاشي ان يشكل نفوذ نائب زغرتا وشعبيته في لبنان الشمالي كما في مناطق اخرى خطرا على المرشحين الرسميين.
بدء التحركات
ادركت المعارضة ان هذه المحاولة هي لتهميش دور النائب معلنة انها تعتبر التدبير المتخذ من الحكومة مخالفا للدستور، ودعت الشعب الى تظاهرة كبرى في 12 ايار 1957 احتجاجا على اصرار الحكومة على تطبيقه. وقد عقدت المعارضة مؤتمرا صحافيا في مقرها في 9 ايار اوضحت فيه للناس احداثا كانت الرقابة قد اخفتها او شوهتها.
وفي 12 ايار احتشد اكثر من 75 الف نسمة في "ارض جلول" المجاورة آنذاك لمحطة الحرج الكهربائية في بيروت. وكان حميد فرنجيه من اهم ممثلي المعارضة في هذه التظاهرة، الى جانب احمد الاسعد وعبدالله اليافي وصائب سلام وفيليب تقلا وعلي بزي. والقى فرنجيه الخطاب الافتتاحي الذي حدد فيه الاهداف الرئيسية للتحرك وهي: استقلال لبنان الحقيقي التام والمطلق، حماية الميثاق الوطني والعودة الى سياسة خارجية متفقة مع سياسة الدول العربية. وقد ساهمت هذه التظاهرة في توضيح نقاط عدة. فالمعارضة ربما كانت اقلية في البرلمان، لكن الشعب أمن لها اكثرية واضحة. وكان للمعارضة برنامج يضمن وحدة اللبنانيين رغم تنوع طوائفهم او توجهاتهم السياسية آنذاك. وللمرة الاولى منذ نضالات الاستقلال كان هناك إمكان حقيقي لوضع اشخاص محكوم عليهم بانتمائهم الطائفي والاجتماعي او المناطقي على الطريق الكفيلة بتحويلهم مواطنين مسؤولين. ومن السهل ان نتصور الخطر الذي كان يمثله امكان مثل هذا التطور بالنسبة الى سلطة تتناقض خياراتها وعملها السياسي مع الاصلاحات التي يطالب بها حميد فرنجيه والمعارضة.
وفي 23 ايار من العام 1957 أصدرت المعارضة منشوراً كشفت فيه المداخلات الحكومية ووسائل الضغط التي تعمد اليها السلطة للتأثير على الناخبين في المناطق المختلفة ودعت "جبهة الاتحاد الوطني" من جديد الى تظاهرة في 30 ايار من العام 1975احتجاجا على الوضع. لكن التظاهرة التي ارادتها المعارضة سلمية، شهدت اعمال عنف وصدامات دامية بين الدرك والشرطة وانصار العهد من جهة والمعارضين من جهة ثانية، فكانت بيروت في غليان والوضع على وشك الانفجار العام. لكن تدخل الجيش عند الظهيرة بجنوده ومصفحاته انقذ البلاد من الكارثة.
وعند انتهاء التظاهرة، حدد حميد فرنجية مجددا في تصريح صحافي، الاهداف التي تسعى اليها المعارضة، والتي تختصر بضمان حريات اللبنانيين الأساسية.
الانتخابات
بدأت الانتخابات في 9 حزيران في بيروت ولبنان الجنوبي، فسقط ثلاثة من أبرز زعماء المعارضة. عبدالله اليافي وصائب سلام وأحمد الأسعد.
وفي 16 حزيران كان موعد انتخابات جبل لبنان، فسقط كمال جنبلاط مع جميع اعضاء لائحته في الشوف، كما سقط مرشحو المعارضة في دائرتي بعبدا وكسروان.
وفي اليوم الذي جرت فيه انتخابات جبل لبنان، وقبل اسبوعين من اجراء انتخابات لبنان الشمالي وقعت حادثة مزيارة المؤسفة. كان حميد فرنجية خلال ذلك متوجها الى هناك من طرابلس، وما إن وصل الى مفرق الطرق المؤدي الى البلدة حتى قيل له: "من المستحسن الاّ تواصل المسير"، ولما علم بالخبر قفل عائداً الى العاصمة، وسرعان ما وافاه اليها ما لا يقل عن 65 شخصا من مناصريه خوفا من ملاحقة القوى الامنية، فاهتم بهم كل الاهتمام مؤمناً لهم كل حاجياتهم، مستعملا نفوذه لدى السلطات المختصة لمنع توقيفهم. وفي 19 حزيران من العام 1975 شرح حميد بك في مؤتمر صحافي مجريات الكوارث التي تسارعت بهذا الشكل المأسوي.
وفي 23 حزيران جرت انتخابات محافظة البقاع، لكن السلطة لم تستطع اسقاط الزعيم المعارض صبري حماده ولائحته. وفي 26 حزيران، قرر مجلس الوزراء إلغاء قانون 8 ايار 1854 الذي يمنع التوقيف الاحتياطي للصحافيين. ولم يبق امام الحكومة الاّ مواجهة الزعيم حميد فرنجية الذي احرز انتصارا كبيرا مساء 30 حزيران من العام 1975 في آخر معركة انتخابية خاضها. وفي اول تموز صدرت جريدة التلغراف المعارضة بعنوان: "انتصر حميد فرنجيه على العهد".
د. شارل رزق الله
( الأحد المقبل: الجزء الرابع والأخير )