يـومـيـات الـحـزن الـعـادي" لمـحـمـود درويـش"
لا ذرائـــــع لــلأعـــــــداء كــــلّ الـــذرائــــــع لــكَ
سيلفانا الخوري
السبب الذي جعل محمود درويش يقدّم عمله الاخير "في حضرة الغياب" تحت صفة "نص" كتصنيف نوعي حيادي، هو نفسه على الارجح الذي يجعل التصنيف غائباً عن كتاب "يوميات الحزن العادي" الصادر اخيراً لدى دار "رياض الريس" في طبعة رابعة جديدة ومنقّحة. هو الزمن الراهن الذي لم يعد فيه مكان لتحديدات لا تنفكّ تتبدل وتتغيّر وتسقط مع الوقت بينما يعبر النص بمفرده محققاً "استمراريته"، بحسب التعبير الدريديّ، ومعلناً انتماءه الى لحظة القراءة وحدها: القراءة الديناميكية وغير النهائية.
بعيداً من ضيق صدر الانواع والتصنيفات، وازدواجية الشعر والنثر التي ستبلغ "في حضرة الغياب" ذروة تحققها واقناعها، فإن اسلوبي التعبير الشعري والنثري المستخدمين في "يوميات الحزن العادي" بمتفرّعاتهما المختلفة، ليسا تقنية مغلقة على نفسها، عازلة ومعزولة، بمقدار ما هما حامل يفيض عنه محموله ويتجاوزه. ليس انصهاراً او تزاوجاً ما يحققه الشعر والنثر هنا، ولا هو صراعٌ كذلك، بل عودة بالجملة الى جَذْر التعبير، الى ما قبل التحديد النوعي، يوم كان القول مجرّداً من أحكام التصنيفات ومعاييرها. قول يستدعي التجربة الانسانية بنواحيها العاطفية والذهنية والغرائزية على السواء، من دون الاحتكام الى القيود النوعية المُسقَطة من الخارج.
هنا، هو الخطاب الذي يفرض اسلوب التعبير وليس العكس، مما يفسّر الارتباط العضوي الحميم بينه وبين حامله الاسلوبي. تالياً، تصير العلاقة بين النثر والشعر على صورة العلاقة بين الحلم والواقع الفلسطينيين كما يحددها درويش في الكتاب بقوله: "الواقع على حالته الراهنة – حتى وإن لم يكن قانونياً – لا يعود جزءاً منك بدون رباط الحلم الذي يصير اكثر واقعية من شجرة ثابتة. والحلم على حالته العامة – وإن لم يكن مترفاً – لا يعود حافزاً لك بدون ارتباط بصخرة مهما تتغير أشكالها". من الحاجة الى رفد الحلم بصخرة الواقع اذاً، تولد هذه الصيغة التي تجعل الكاتب شاعراً ومؤرخاً وسياسياً على قدر سواء، ومما يكتبه وليد المخيلة والمنطق والفكر والعاطفة في المقدار نفسه، تماماً كالوطن الفلسطيني الذي هو "حلم في واقعه وواقع في حلمه" بتعبير الكاتب. تنشأ اذّاك منظومة متكاملة تبحث عن حججها في كل ما تقع يدها عليه من الاختبارات الشخصية والداخلية الى الوقائع التاريخية والسياسية.
الا ان هذه الصيغة ليست خياراً جمالياً بمقدار ما هي واقعٌ يفرض نفسه. واقعٌ يفرضه عدوٌّ غازٍ يرغمك للمرة الاولى على ان تجد أجوبة عن سؤالين اساسيين: من انت؟ وما هو الوطن؟ فالانتماء الى الذات والى الارض الذي ظل حتى الامس القريب غريزياً وحدسياً، بات اليوم في حاجة الى برهان عقلي. وبعدما كانت فكرة الوطن لا تحتاج "الى الاجتهاد الفكري والتعبئة الجماعية والتخطيط"، صارت هذه كلها شرط توكيد الوجود المهدَّد الذي كان "صدفة" فبات "ضرورة".
انطلاقاً مما سبق، ينبري درويش على طول الكتاب الى ايجاد فلسفة الكيان الفلسطيني، هوية ووطناً وانتماءً، ويروح، في مسعى معاكس، يبني لوجود الاشياء بالفعل، وجوداً بالقوة. ذلك ان طبيعة الصراع تفرض ذلك، تفرض منك استنفار كل اسلحتك الفكرية في مواجهة عدوّ، صراعك معه اخلاقي وفلسفي ووجودي ووجداني بمقدار ما هو عسكري. لم تعد الحجج البديهية الاولى تكفي، حتى قولك ان الوطن هو المكان الذي عاش فيه اجدادك بات مخيفاً، ذلك انك ترفض "ذريعة اعدائك". في الواقع، نحن ازاء علاقة مع المحتلّ لا تشبه اي علاقة عرفها التاريخ، فمواجهة هذا النوع من الاحتلال تعني قبل كل شيء التصدي للنفي الذي يمارسه على وجودك اولاً: "لا انا مواطن هنا – ولا انا مقيم. اين انا ومن انا. تفاجأ بأن القانون معهم، وبأنه يترتب عليك ان تبرهن وجودك. تقول لوزارة الداخلية: انا موجود او غائب؟ أعطوني خبيراً في الفلسفة لأثبت له انني موجود. ثم تدرك انك موجود فلسفياً، وغائب قانونياً".
هنا تكمن المعضلة اذاً، في هذا الوجود الاشكالي الذي يفرض ان تكون "قدرتك على تحديد "ما هو وطنك؟" برهاناً على شرعية انتمائك الى هذا الوطن". في حين ان طفل البروة الذي عاد الى مكان ولادته ولم يجد شيئاً، "لم يدرك انه مطالب بفلسفة الاشياء، ولم يدرك ان الرياضة الفكرية معيار لجدارة الانتماء او الانتماء بلا جدارة". يقول درويش: "ان احساسك بالحاجة الى البرهان لا يعطيك اولوية الانتماء على من يعرف ميعاد المطر من رائحة الصخرة. فتلك الصخرة، بالنسبة اليك، اجتهاد فكري. وهي، بالنسبة الى صاحبها، سقف وجدار".
فالفلسطيني الذي لطالما كانت رائحة الصخرة دليله الى ميعاد المطر، سيجد نفسه مضطراً تحت طائلة نفي وجوده الى تبرير تلك الصخرة. يدخل درويش في اللعبة وقد ادرك شروطها الا انه في سعيه الى اثبات ذاته ووطنه، لا ينفكّ يجد نفسه في دوامة لا سبيل للخروج منها. هو يبحث "عن شيء حين ضاع ضيّعني. وان مجرد البحث عنه دليل على انني أرفض الاندماج في ضياعي. وعلى الطرف الثاني من المحاولة دليل على انني ضائع طالما لم أجد الشيء الذي أضعته". هكذا تصير التساؤلات المتبقية كلها نوعا من الدوران المتاهي نفسه. تساؤلات لا توفر شيئاً من "الولادة المعادية" كما يسمّيها، و"الفرق التاريخي بين ولادة محمود ويسرائل في مكان واحد الآن"، عودةً الى تساؤلات بديهية حتى حدود السذاجة المرّة: "من ذهب الى لبنان وعاد بعد عام او عامين لا يعود مواطناً. ومن جاء من وارسو بعد ألفي سنة يملك الحق والوطن!".
يكتب درويش سيرتين سريعاً ما تتلاحمان لتصيرا واحدة، الشخصي فيها جزء من الجماعي والعكس صحيح. تعود محطات المأساة الفلسطينية كلها، من الخروج "الموقت" في 1948، الى العودة تسللاً، فالهجرات والانتفاضات والمجازر والقرى الممحوة والبيوت التي تستبدل سكانها والمفاتيح التي تتكدس في المنافي والخيبات المتتالية، لتتقاطع وتتلاحم مع الذكريات الشخصية، وذلك في سردٍ يسجّل الواقعة بوجدانية تأملية ومفكِّرة لا تكتفي برصد الاشياء بل تبحث عن "وعي" هذه الاشياء كذلك. وفي كل مرة لا يتوانى عن العودة الى جذور العنف الاسرائيلي الايديولوجية والدينية والفلسفية والفكرية منذ "استلّ هرتسل سيفه من التوراة وأشهره في وجه الشرق" ليدشّن تاريخاً من الكراهية لن يتوقف عند حد: ""كن اخي والا قتلتك". هكذا يضيف فيلسوف الجريمة. وليس في وسع العربي الواقع في الأسر الاسرائيلي ان يؤاخي قاتله. وهكذا تبقى حلقة القتل مفرغة بلا نهاية".
اخيراً، بعد أربع وثلاثين سنة من صدوره الاول، لا يمكن ان نقرأ "يوميات الحزن العادي" في السياق السياسي والفكري والايديولوجي الراهن من دون ان نتساءل عند بعض محطاته عما اذا كان لا يزال في الامكان اليوم ان نغنّي لغزة انها "برتقال ملغوم، واطفال بدون طفولة، وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات" بالبراءة القديمة نفسها. وعما اذا كان في وسعنا القول "انا أنتحر اذاً انا اعيش" ونكون نتحدث عن الانتحار والعيش اياهما.
الأربعاء 01 آب 2007
النهار