as soon as i read this thread, i went searching for one of my favourites poems about eyes, i kept if from 1996! so i decided to type it and post it here!
it's written by Khalil El-Khoury
لغة العيون
قالت والبحة تجرّح صوتها:
أحسدكم أنتم ذوي العيون! فلعلّكم تنعمون بما لا يستحقّ الكثيرون منكم. وهي نعمة حُرمناها نحن، معشر العميان.
كان قد مضى على لقائنا بضع دقائق، وأعترف بأنني لم أكتشف خلالها أنها ضريرة. ليس فقط لأن نظارتين سوداوين تغطيان عينيها وتحجبانهما، وإنما لأن حركاتها، وهي جالسة في كرسيها، كانت طبيعية بما يُسقط أي ظن بضعف النظر، فكيف بفقدانه!
وكمن يرمي القفازات، في وجه خصمه، متحدّيا"، مستعدا" للمبارزة، انتزعت نظارتيها بعصبية ونزق، ثم جعلتهما تستقران بهدوءٍ ملحوظ أمامها، وقالت:
حدّق! هوذا وجهي، وهاتان عيناي، فهل ما فيهما يشير الى اختلاف أو غرابة؟
وكمن يرد التّحدي بما يُعجب المتحدّي بعد أن يُفاجئه، أجبتُ:
أجل. إن الإختلاف كلّه فيهما. أما الغرابة فقد استوطنتهما روعة وجمالا". وما همي إن كانتا مقفلتين على المادة، فهما مفتوحتان على الأجمل والأروع.
قالت:
أرجوك! فكثيرا" ما أسمع كلاما" "يجبر خاطري"، وأنا التي ينتابها حنين لا ينتهي الى النور، وشوق مزمن الى عالم الألوان الذي تتحدّثون عنه. يُقال لي أن عينيّ على قدر من الجمال. ولقد تلمّست أعيُن آخرين، فما تكشَّف لي من خلال اللمس أي فرق، فهلّا حدّثتني عن العيون؟
قلت:
إن العيون بابنا الى الآخرين وباب الآخرين إلينا.
قالت:
أما أنا، فقد كُتب عليّ ألا ألِجَ هذا الباب.
قلت: يكفيك أن عينيك باب مفتوح على الدهشة، وإن كان موصدا" دون النور واللون.
قالت:
ما اعتدت أن أكرر الرجاء. فهلا حدّثتني عن العيون؟
... فقلت: إذا كان صحيحا" أن "الأذن تعشق قبل العين أحيانا "، من باب شواذ القاعدة، فإن العين تَعشق وتُعشق في كلّ حين.
وللعيون لغة أين منها اللغات، ولهجة أين منها اللهجات! فحديث العيون حديث شؤونٍ وشجون. إنه حديث الصمت المتكلِّم والسكون الذي يضجّ.
فكم من عيون تزاوج فيها الليل والنهار، فإذا سوادها عميق عمق الليل، ورائع روعته. وبياضها نقي نقاء الثلج، وممتدّ امتداده. والعيون السود التي "قتلت الشاعر وما أحيت قتلاه"، فيها من السحر بريق وسر. وفيها من النشوة تاريخ سكران. وفيها عدّةُ القتل كلها، فهي "أمضى من مضارب حدّ السيف".
وكم من عيون تمور فيها حدائق خضراء. فإذا العيون الخضر نادرة. ومثل كل نادر، ثمينة هي. حتى إذا استسلم الناظر إليها تحديقا"، نقلته على بساط أخضر. وبثّت في فؤاده دفقا" من الأمل الذي تعارفوا على أنه يرادف اللون الأخضر. وما عرفتُ عيونا" خضراء إلا أدركتُ في أصحابها بعضا" من طيبة وكثيرا" من النرجسية.
وكم من عين استمدّت زرقتها من سماء ربيعيّة صافية انعكست على صفحة ماء هادئة، لكأن التحديق فيها تحليق في الفضاء اللامتناهي، أو غوص في محيط عميق الأغوار.
وكم من عين قطفت من شهد النحل وزرعته بين أهدابها. فإذا العيون العسلّية إبر تلسع، وعسل قيل قديما" أنه دواء المرضى.
ولكل من هذه العيون لغة وأسلوب في الأداء. ولكل منها إطار من الحواجب والمحاجر والأهداب والرموش. ولها فوق هذا وقبل ذاك ما لا يوصف ولا تحدّه الكلمات: فهنا تستقّر عين مستديرة واسعة. وهناك تتوثّب عين لوزيّة مستطيلة. وهنالك تتحدّى عين صغيرة ناعسة. وبين هنا وهنالك تستسلم عين، وتهرب عين، وتتجرأ عين، وتجبن عين.
ومن عين تصدم عينا"، الى عين تقاوم عينا"، الى عين تستدرج عينا"، الى عين ترتمي في عين... فعين تغفو في عين.
فيا سبحان الله... ما أكرم الخالق واعظمه في العيون.
تناولت النظارتين بهدوء، وركّزتهما بلطف فوق عينيها، ثم قالت:
بقيت عين واحدة لم تحادثني عنها.
قلتُ:
أجل. أمّا اروع العيون قاطبة فتلك التي تقاوم المخزر
.