اضواء على بعض اجتهادات اخوان الصفا
أن بعض أعضائها كتبوا في العلوم الجيولوجية رسالتين من الرسائل الاثنتين والخمسين. فالرسالة الثامنة عشرة كانت عن " الآثار العلوية " أو ما يسمى الآن " علم المتيورولوجيا " Meteorology) )، والرسالة التاسعة عشرة كانت عن " بيان تكوين المعادن".
أن رسائل إخوان الصفا تحتوي على أقدم ذكر للظواهر والعمليات الجيولوجية الآتية: التَّسهُّب (peneplanation) ـ تطور المستنقعات (pond evolution) البحار الفوققارية ( epicontinental seas) ـ التجوية (weathering) ـ التحات والنقل (erosion and transport) بواسطة الأنهار والرياح.
وفيما يلي إلمامة أولية بالموضوعات الجيولوجية التي عالجها الإخوان في الرسالتين بحسب ترتيب ورودها في المتن :
ـ ص 65 ـ 67: وصف للتركيب النطاقي للكرة الأرضية، وعلى الأخص التركيب النطاقي للغلاف الجوي الذي كان يسميه الإخوان "كُرة الهواء" وقسَّموها ثلاثة نطاقات متتالية من الأرض إلى الخارج وهي:
ـ كرة النسيم " وهى محيطة بالقشرة الأرضية، وتكافئ ما يسمى الآن: (The Troposphere)
ـ ثم " كرة الزمهرير "وتكافئ ما يسمى الآن(The stratosphere )
ـ ثم " كرة الأثير " وتكافئ ما يسمى الآن(The Ionosphere)
ويصاحب هذا التقسيم وصف مستفيض دقيق لهذه النُّطق الثلاثة من حيث طبائعها وديناميكياتها وعلاقاتها بعضها ببعض وبالأرض، وتقدير سمكِ كل منها. وفي هذا الجزء أيضًا تكلم صاحب الرسالة عن التسخين غير المتكافئ للأرض والغلاف المائي والغلاف الهوائي في نطاق التروبوسفير " كرة النسيم " وما يسببه هذا التسخين غير المتكافئ من إحداث للظواهر الطبيعية الديناميكية والكهربائية في الماء والهواء كالرياح، والتيارات، والأمواج، والأمطار، والصواعق، والمد والجزر وغير ذلك .
ص 72: تأثير الجبال العالية في توزيع الرياح والأمطار، والتأثير في المناخ عمومًا، وذلك بكونها حوائل فعَّالة تغير من مسالكها ويشتمل هذا الجزء أيضًا على وصف لما تحتويه الجبال من كهوف ومغارات وأهوية (Voids).
كذلك أورد الكاتب وصفًا لتسرب مياه الأمطار إلى هذه المعالم، وخزنها فيها، وكيفيات خروجها منها على هيئات مختلفة، وبأسباب مشروحة شرحًا مفصلاً. كما تحتوى هذه الصفحة على شرح لنظام الدورة الطبيعية للماء؛ من تبخُّر مياه المحيط إلى تصاعد البخار مع التيارات، إلى التكثُّف والسقوط على الأرض، والجريان على ظهرها، والتسرُّب إلى جوفها في مسالك طويلة للعودة إلى المحيط ، وهَلُمَّ جرا .
ص 90: بها لمحة عن تصنيف المعادن والجواهر على حسب الخصائص الفيزيقية، وبيئة التكوُّن مع شرح لهيئات وجودها في التربة، وفي العروق، والكهوف، والمغارات … إلخ.
ص 92: حديث عن تغير مواقع البر والبحر على طول الزمان، يحسن اقتباس ما جاء بشأنه للأهمية القصوى للعبارات الواردة فيه، وقد ميزناها بوضع خطوط تحتها، يقول كاتب الرسالة: " واعلم يا أخي أن هذه المواضع تتغير وتتبدل على طول الدهور والأزمان، وتصير مواضع الجبال براري وفلوات، وتصير مواضع البراري بحارًا وغدرانًا وأنهارًا ، وتصير مواضع البحار جبالاً وتلالاً وسباخًا وآجامًا ورمالاً، وتصير مواضع العُمران خرابًا، ومواضع الخراب عمرانًا، فوجب أن نذكر طَرَفًا من هذه الأوصاف؛ إذ كان هذا الفن من العلوم الغريبة البعيدة عن أفكار كثير من أهل العلم المرتاضين، فضلاً عن غيرهم … ويعرِف ما قلنا الناظرون في علم المجسطي، وعلوم الطبيعيات، فتصير بهذه العلل والأسباب مواضع العمران خرابًا، ومواضع البراري بحارًا، ومواضع البحار براري وجبالاً … لكن نريد أن نصف طرفًا من كيفية تكون الجبال في البحار، وكيف يصير الطين اللين أحجارًا؟ وكيف تنكسر الأحجار فتصير حصى ورملاً؟ وكيف تحملها سيول الأمطار إلى البحار في جريان الأودية والأنهار؟ وكيف ينعقد من ذلك الطين والرمال في قعور البحار حجارة وجبالاً "؟ .
ص 93ـ94: أول بادرة في تفسير نشأة الجبال على أساس نظرية تكوُّن الحنائر الجيولوجية أو الجيوسنكلينات (Geosynclines)، وهذا لم يتعرض له التعليق العلمي في بحث الدكتور سعيد، وهذا هو النص: " …وإن البحار، لشدة
أمواجها، وشدة اضطرابها، وفورانها، تبسط تلك الرمال والحصى في قعورها سافًا (1) على سافٍ بطول الزمان والدهر، ويتلبَّد بعضها فوق البعض، وينعقد، وينبت في قعور البحور جبالاً وتلالاً. كما تتلبد من هبوب الرياح أدعاص (2) الرمال في البراري والقفار. واعلم يا أخي أنه كلما انطمَّت(3) قعور البحار من هذه الجبال والتلال التي ذكرنا أنها تنبت، فإن الماء يرتفع ويطلب الاتساع، وينبسط على سواحلها نحو البراري والقفار... في صفحة 94 حديث عن استمرار التجوية والنقل الذي يؤدي إلى تسهُّب المرتفعات (peneplanation) والاقتراب من نهاية الدورة الجيومورفولوجية التي تعيد الكرَّة من جديد.
ص 96 : بها شرح لعلاقة المد والجزر بمنازل القمر، وتأثير المد على الشواطئ ومصبات الأنهار. ويلاحظ أن مؤلف الرسالة سجَّل تكافؤًا بين حركات القمر وحركات المد والجزر، لكنه عزاها خطأً إلى تسخين القمر لقاع البحر فيكون تمدد الماء وحدوث المد والعكس بالعكس، دون أن يفطن إلى جاذبية القمر للغلاف المائي للأرض. ويبدو أن هذه النظرية الخطأ أقدم من زمن أصحاب الرسائل، وقد تكلم عنها الكندي في رسالته عن المد والجزر أيضًا. وفي الصفحة نفسها إشارة إلى أن الجبال العالية لها جذور راسخة في الأرض؛ وقد جاء في ذلك تفصيل أكثر في رسالة الجغرافيا، وتنطوي هذه الإشارات على مولد التفكير في نظرية توازن القشرة الأرضية (Isostasy).
ص 99: بهذه الصفحة وصف مقتضب لبعض البراكين في قمم الجبال ولما يخرج منها .
ص 100ـ101: عَود إلى وصف منابع الأنهار وجيومرفولوجيتها، وبعض معالمها، مثل المنعطفات النهرية (River Meanders).
ص 101 ـ 102: عَود بمزيد من التفصيل إلى وصف منابع الأنهار وذوبان الثلوج على قمم الجبال، وتسرُّب المياه الجارية إلى باطن الأرض، وخزنها، وخروجها على هيئة عيون وينابيع .