سليمان: الثلث المعطّل خطأ والكتلة النيابيّة تجعلني أحكم
■ الرئيس غاضب لطريقة استقبال سوريا عون وقهوجي
■ المرّ على مرّ العهود... الابن والابنة والصهر والحفيد
■ في بعبدا اقتناع جدّي بدور بين سوريا وفرنسا والسعوديّة
نجح ميشال سليمان عن قصد، أو عن غير قصد، في التحول إلى حدث لبنان بحد ذاته، وهو يحاول حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة، أن يحجز له مكاناً في قلب هذه المعركة، في سبيل انتزاع قوة بجهود الآخرين بحثاً عن دور لم يرد في بيان تعيينه رئيساً للجمهورية
إبراهيم الأمين
صعبة أيام الرئيس ميشال سليمان. والحيرة التي يعيشها الآن لا تجعل أحداً يحسده على أيامه. جماعة 14 آذار يعطونه من طرف اللسان حلاوة. ويكتفون بقدر كبير من الكلام الطيب، فيما هم لا يعطونه فرصة ليبرز رئيساً قوياً. وفريق المعارضة لا ينوي منحه أي شيء بالمجان، وفي الخارج ثمة شيكات موقعة باسمه، وكلما أراد إبراز استقلالية وجد من يبرز في وجهه المستحقات الواجبة عليه، من سوريا إلى مصر إلى السعودية مروراً بالولايات المتحدة وفرنسا وعواصم أخرى. وعندما ينظر خلفه، لا يجد أن من تركه لا يزال في انتظاره أو يلحق به. لا الجيش بقي تحت سيطرته، ولا القوى الأمنية الأخرى تعمل بإمرته، أما الكنيسة ورجال الدين الذين أقيمت لهم المآدب والاحتفالات البروتوكولية، فهم على جاري عادتهم يأخذون باسم الله، وباسم الرب يردون بالدعاء والتوسل إلى الرحمن ليمنحه القدرة والقوة.
■ البحث عن دور مفقود
لم يكن ميشال سليمان مستعداً للدور الذي يطلب إليه الآن القيام به، وهو مثل كثيرين تدفعهم الصدفة إلى موقع بهذا الأهمية، وفجأة لا يجد سوى الكلام العام الذي يرضي الجميع: وحدة ووفاق وعيش مشترك. مؤسسات وقضاء وخدمة عامة. وعندما تحين اللحظة التي يحتاج فيها البلد إلى موقف، يغلق أصحاب الشأن الأبواب على أنفسهم، يضربون أخماساً بأسداس، ويدخل هذا مقترحاً الموقف الذي يناسب موقعه، يرمقه الرئيس بنظرة استهزاء، فيقفز رفيقه مقترحاً التقيّد بما ورد في الكتاب ـــــ الدستور. يُسرّ الرجل بأنه بات في جيبه حل اللحظة الأخيرة، أما إذا تطوّع من يقول بضرورة اتخاذ الموقف ولو رضي هذا وزعل ذاك، فإنه يزيد في إرباك الرجل، فينتهي به الأمر غاضباً لاعناً كل شيء، قبل أن يلجأ إلى موظف ممتاز يقرأ له موجبات هذه اللحظة.
اكتشف الرئيس خلال ما مر من عمر الحكومة الحالية أن الثلث المعطل ليس جيداً، بل إنه عائق أمام قيام الحكومة بدورها: «هل تعيين مدير عام في الدولة يحتاج إلى الثلثين، وهل كل قرار يحتاج إلى ثلثين، أشعر بأن الأمر يكبلني، لا أقدر على القيام بدوري الداخلي، وأنا أقوم بأدوار خارجية كثيرة، على الصعيدين الأوروبي والعربي، ولكن الوضع الداخلي لا يمكن أن يستمر على هذا النحو».
بالطبع، ينتبه المستمعون إلى الرئيس يتحدث بهذه اللغة، وينتظرون بقية الكلام أو تصوره للحل: «بهذا المعنى، إذا كان التوازن نفسه سيكون عند الانتخابات، فهناك حاجة إلى كتلة تقف في الوسط، تساعد على منع تعطيل الحكم أو منع الاستئثار به، وبهذا المعنى أجد أن الرئيس يحتاج إلى هذه الكتلة لكي يقدر على القيام بعمله».
بهذا المعنى يبدو رئيس الجمهورية باحثاً عن توازن مختلف عن الذي أتى به إلى هذا الموقع، وهو يتصرف انطلاقاً من كونه يريد أن يكون حاكماً لا حكماً كما يريد له الآخرون، وبات يعرف أن الحكم يُنتزع ولا يُعطى، ما يعني أنه الأب الشرعي لفكرة الكتلة الوسطية، أما كلامه الكثير عن أنه لن يدعو إلى ترشيح فلان أو يعلن دعمه لترشيح آخر، فهذا يبقى من الكلام الذي يمكن العثور عليه في بيانات مكدسة وضعت كلها في صندوق واحد اسمه: الحيادية وعدم التدخل.
والرئيس سليمان في هذه الحالة يعرف أنه يقترب من لحظة الصدام مع الآخرين، لأن فكرة الكتلة الوسطية تعني، كما قال العماد ميشال عون، التعمية على عجز فريق 14 آذار عن الإتيان بكتلة مسيحية صافية وواضحة الاتجاه. كما يعرف الجميع أن 14 آذار تحتاج إلى من يمدّها بنائب من هنا ونائب من هناك، وهي ليست في موقع أن تمنح مقاعدها لأحد، حتى ولو كان الرئيس الذي يخطب ودها، فهل منا من يتصور أن يتخلى سعد الحريري أو وليد جنبلاط أو سمير جعجع (مسكين هذا الرجل الذي يريد مسيحيّو 14 آذار أن يقاتلوا بعضله ولكنهم يعتذرون منه لأنهم يخجلون الظهور علناً إلى جانبه) عن أي مقعد في الشوف أو بيروت أو الشمال لمصلحة سليمان؟ هذا من المستحيل، لكنهم مستعدون لتمويل ودعم أي معركة انتخابية يمكن أن تكون نتيجتها بروز 5 إلى 6 نواب جدد يُحسبون على الرئيس، ولكن شرط أن يُؤخذوا من حصة غريمهم الأكبر ميشال عون، ولذلك لم يكن هناك مجال أمام سعد الحريري إلا طلب النجدة من ميشال المر، الذي لم يحفظ درس التسونامي عام 2005 عندما هاج المسيحيون إلى جانب عون رفضاً للهيمنة الإسلامية على المجلس النيابي من خلال التحالف الرباعي، اللهم إلا إذا صدق المر ومن خلفه سليمان والآخرون، ما يأتي في نشرات «المستقبل» على أنواعها من أن الجماهير المسيحية تزحف بالسر والعلن إلى قريطم عارضة الولاء وطالبة الرضى.
■ الغريمان في الرابية واليرزة
لكن لميشال سليمان حجته الأخرى في ما يقوم به. مثلاً، هو مقتنع بأنه أدّى دوراً مركزياً ومحورياً في ترتيب العلاقات بين سوريا وفرنسا، وربما هو مقتنع بأنه هو من أقنع الرئيس نيكولا ساركوزي بالتوجه إلى دمشق ومحاورة الرئيس بشار الأسد. ثم هو يعتقد أنه يقوم بجهد مرئي ومسموع في ما خص العلاقات العربية ـــــ العربية، ويريد أن يقنع نفسه ثم بقية الناس بأنه في موقع ندي مع كل نظرائه العرب ويمكنه صياغة موقف وسطي أيضاً يسمح بتلاقي المتخاصمين من العرب على ملفات تتجاوز لبنان حجماً وقدرة ودوراً.
لكن هذا الكلام يخفي ما هو أهم بالنسبة لرئيس الجمهورية. ثمة من أقنعه بأن سوريا قبلت به رئيساً لأنه ليس لديها خيار، وبالتالي فهي ليست في موقع مطالبته بالمقابل، بل هو يتصرف على أساس أن لمصر والسعودية في ذمته أكثر من الآخرين، وعندما يتاح له التعبير عن رأيه كما يرغب، يعود محتجاً إلى طريقة استقبال سوريا للعماد عون، ربما كان سليمان ينتظر أن يخرج الشارع السوري بعفوية أو بقرار لاستقباله عند الحدود ولا يفعل ذلك لميشال عون، إذ إنه هو رئيس لبنان لا الآخرون، ثم ما يلبث أن يتذكر أن سوريا اهتمّت أيضاً باستقبال مميز لقائد الجيش العماد جان قهوجي. كيف يحصل ذلك مع موظف برتبة قائد للجيش، وكأنه نسي كيف عُيّن قائداً للجيش، وكيف تعامل معه السوريون خلال وجودهم في لبنان وبعد ذلك، ثم إنه يفسر كل انتقاد له بأنه رسالة سورية، وعندما يكثر من الكلام عن العلاقات العربية ـــــ العربية، يتحدث كأنه رئيس لدولة في أميركا اللاتينية، وهكذا فعل عند انطلاقة البحث في تداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة. تصوّر أن لبنان خارج ما يحصل، ونسي وهو قائد الجيش العارف، أن غزة موصولة بالرحم بالمقاومة في لبنان، ونسي أن سوريا هي المقر السياسي لقوى المقاومة ضد إسرائيل، اللبنانية منها والفلسطينية، واعتقد لوهلة أنه يمكنه التوفيق بين موقف عام يدين العدوان، وحياد إزاء ما يجب على العرب القيام به لمواجهة إسرائيل.
وربما أغمض عينه متجاهلاً أنه قبل عامين لا أكثر، كانت الطائرات الإسرائيلية نفسها وإيهود أولمرت نفسه يرتكبان الجريمة نفسها في لبنان، ولم يحرك العرب أنفسهم ساكناً، بل تورّط بعضهم في الحرب كما فعلوا في الحرب على غزة. ثم يعود سليمان ويتصرف وفق نظرية الحياد، تماماً كأنه عضو في فريق 14 آذار، وكأن أحد كتبة هذا الفريق هو من نص عليه خطابه العام، الذي لا يعكس شيئاً إلا الاستقالة من دور لبلد لديه الرصيد الكبير في مواجهة إسرائيل، إلى حدود أن أمير قطر حمد بن خليفة اضطر لتذكير الرئيس سليمان بأنه رئيس لبلد قاوم إسرائيل وهزمها. ومع ذلك فإن سليمان لا يزال مقتنعاً بأن فعله هو عين الصواب.
■ المرّ... الطبّاخ الذي نسي الوصفة
كعادته في مطلع كل عهد، يجيد النائب ميشال المر صياغة موقعه الجديد. يختفي عن الشاشات والسمع لبعض الوقت، يستعيد كل علاقاته السابقة والقديمة، ويفتح دفاتره ليستخرج منها كمبيالات مستحقة على فلان وعلان، وخلال وقت قصير، وبكفاءة يحسده عليها كثيرون، تجده بالقرب من المرشح الأقوى، أو في غرفة صاحب القرار. وعلى مدى مفتوح، تبدأ الاستشارات تهطل من عند الرجل الذي يجيد إقناع القادم الجديد بأنه جندي في جيشه. وهو مستعد لكل شيء، وهو يملك خبرة كبيرة في السياسيين على اختلافهم، وفي الإدارة على أنواعها، وفي الطباع المتنافرة من هنا وهناك، ويعرف ثمن هذا أو ذاك من السياسيين أو الإعلاميين أو رجال الأعمال أو الدين، ولديه القدرة على القيام بكل الأدوار، ليس مهماً شكلها أو كلفتها، لكنه الأفضل للقيام بها. وبسحر ساحر، يعود المر ومعه أفراد عائلته إلى موقف المتنفذ والقريب من دائرة القرار.
لكن الطموح لا يقف عند حد. فميشال المر الذي يتحدث الآن عن الكتلة الوسطية أو عن المستقلين، لا ينتبه إلى أنه يتحدث عن نفسه، وعن ابنه الياس وزير الدفاع، وعن شقيقه غبريال المطرود من جنة البرلمان، وعن ابن أخيه ميشال صاحب المحطة الإعلامية العائدة، وعن ابنته ميرنا رئيسة اتحاد بلديات المتن، وعن صهره إدمون غاريوس المرشح في قضاء بعبدا، وعن حفيدته نايلة تويني المرشحة في دائرة بيروت الأولى... ثم يقول إنها الكتلة الوسطية.
ولا بأس ما دام الحديث عن العائلة، أن تكون الكتلة الوسطية مع العائلة الأم، مع أمين الجميّل وابنه سامي أو صهره ميشال مكتّف، أو مع نديم في الأشرفية، ثم ما دمنا على علاقة مع آل لحود فما الضير في أن نعود إلى كتلة وسطية مع نسيب لحود أو ربما ابنه سليم إن هو رغب في الابتعاد عن الأضواء لبعض الوقت، حتى يتيح لنجله العودة إلى وسط غادره الأب منذ فجع باغتيال رفيق الحريري.
إنها ليست كتلة وسطية، إنها الكتلة المستقلة، لكنها مستقلة عمّن؟ وأيّ وسط تقف فيه: هل هو الوسط الذي كانت فيه في بيت الكتائب ومن حوله أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، أم هو الوسط الذي رافق وصول الياس سركيس وتلاه الوسط قرب بشير الجميّل، أم هو الوسط قرب إيلي حبيقة ومن ثم في الوسط الذي سكن عنجر طيلة أيام الوجود السوري في لبنان، أم هو الوسط قرب إميل لحود، أم هو الوسط الذي كان في عوكر إلى جانب الوصي القائم بدوره عن بعيد جيفري فيلتمان، أم هو اليوم في غرفة ميشال سليمان؟ إلا أن الأكيد أن مركز الوسط هو قصر بعبدا. أما فريق الوسط فهو من بلغ الرشد من أبناء عائلة حماها الله من شرور الطموح والجموح وأطال الله عمر جميع أفرادها.
الجنرال... والرئيس والعماد
منذ مدة غير قصيرة، والأدب السياسي والإعلامي في لبنان يستخدم لقب الجنرال، ومنذ توليه دوراً خاصاً في نهاية الثمانينيات، تحوّل قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون إلى «جنرال» قاد تحركاً وحزباً وجمهوراً وكان يطلق عليه اسم الجنرال.
جاء بعده ثلاثة قادة للجيش، بينهم اثنان صارا رئيسين للجمهورية، ومع ذلك فقد ظلت كلمة جنرال تعني أن الحديث يخص العماد عون، وعند التدقيق لعدم الالتباس، يقال العماد لحود، أو العماد سليمان أو العماد قهوجي، أو الجنرال قائد الجيش أو الجنرال رئيس الجمهورية، لكن عندما تستخدم كلمة جنرال من دون إضافات، فهذا يعني أن المقصود بالكلام هو شخص واحد اسمه: ميشال عون.
l.b.c وm.t.v... وحصة الرئيس من الإعلام
منذ استقرارها، حافظت «المؤسسة اللبنانية للإرسال» على مد اليد إلى كل عهد. وكانت تسعى بصورة دائمة لكي تكون الأقرب إلى رئاسة الجمهورية، بمعزل عن التباين السياسي. ومنذ انطلاق عهد اتفاق الطائف، لم تنتظر المؤسسة طويلاً حتى تصوغ علاقة مع الرئيس الياس الهراوي، كانت تخرقها بحسب المناخات السياسية القائمة، وعند وصول الرئيس إميل لحود إلى الرئاسة، كانت المحطة في موقع خلاف ومنافسة مع إعلام الرئيس الراحل رفيق الحريري، وتولى اللواء جميل السيد إدارة علاقة يومية تخللها الكثير من العقبات لكنها استقرت على حال جيدة حتى عام 2005، حين عادت «القوات اللبنانية» لتفرض مناخها على قسم كبير من أداء المحطة السياسي، ولكن المحطة حاولت المحافظة على حيادية نسبية، سرعان ما تعرّضت للانتكاسة في العامين الماضيين، إلى أن تفاقم الخلاف بين إدارتها وبين «القوات»، ما جعل التوازن فيها جزءاً من عدة الاشتباك. وكان وصول الرئيس ميشال سليمان إلى القصر الجمهوري مناسبة لتموضع لا يأخذ المحطة بعيداً في السياسة، ففي إدارتها من يرفض أن تكون ناطقاً باسم «القوات» أو حتى باسم 14 آذار، وفي الوقت نفسه، لا يمكن للمحطة تجاهل أن التيار الوطني الحر والعماد عون يمثلان غالبية في الشارع المسيحي، حيث يتمركز الجمهور الأساسي للمحطة. لكن ظهور محطة الـo.t.v ساعدها على التحرر من وطأة هذه العلاقة ووضعها في حدود تشبه إلى حد بعيد المزاج الموجود عند غالبية الكوادر النافذة في المحطة، من الذين يوالون «القوات» إلى الذين يعدّون أنفسهم في موقع محايد ولديهم ملاحظات على «القوات» وعلى التيار الوطني في الوقت نفسه.
وبعدما فشلت محاولة 14 آذار لتحويل مجموعة «المستقبل» محل احترام ومتابعة من الجمهور المسيحي، ومع فشل مساعي إقناع بيار الضاهر بتسوية تجعل «المؤسسة اللبنانية للإرسال» تقود الحملة الإعلامية الانتخابية لفريق 14 آذار المسيحي في الانتخابات المقبلة، واتخاذ قرار بإعادة فتح قناة الـm.t.v، فإن المشرفين على المحطة المستأنف بثها سيحاولون صياغة علاقة هادئة مع الرئيس، ولكن مهمتهم الأولى والمدفوعة الثمن مسبقاً، تركز على إدارة الحملة بمواجهة العماد ميشال عون وقوى المعارضة.
وبين ما هو متوقع من معركة بين الـm.t.v والـo.t.v تدور رحاها بواسطة حشد من السياسيين والإعلاميين والناخبين، فإن من سيظهر بمظهر المعتدل والمحايد هو «المؤسسة اللبنانية للإرسال»، وهو أمر يحتاج إلى إدخال تعديلات جدية لا شكلية على طريقة إدارة الأخبار والبرامج السياسية، وفي هذه الحالة فإن المهمة التي سوف تجد المؤسسة نفسها أمامها هي تولي إدارة الحملة عن الكتلة الوسطية، ولو من دون اقتناع، ما يعني أن أمام رئيس الجمهورية فرصة قد لا تتوافر في وقت لاحق، وهي أن ينتزع مساحة إعلامية شرط أن يترك أمر إدارتها إلى من بيده الأمر.
وفي هذه الأثناء، سوف تنشط الرسائل وتكثر الزيارات والدعوات إلى الغداء والعشاء واللقاءات، لكن الأهم من كل ذلك، أن في ذلك ما يفيد في إقرار الدولة بأن إعلامها الرسمي ليس هو عنوان الرسميين عندنا في لحظة الشدة.
رجال القصر ومنافقو البلاط!
وسطيون، مستقلون، قوة ثالثة، بيضة القبان، البديل المطلوب، أمل المترددين وراعي الأمة، وغيرها من الألقاب التي تهطل فجأة من معشر الطامحين إلى أدوار تفوق أحجامهم، وبعدما لفظتهم أحزابهم وطوائفهم ودوائر القرار والنفوذ، صاروا جميعاً الآن يرتبون ياقاتهم وهم ينتظرون عند مدخل القصر. يمضون ساعات طويلة في مكتب المساعد، أو في صالون الزوار، وينتظرون ساعات المساء، فإذا ألقى الرجل عليهم التحية، يعودون إلى منازلهم، يدخلون غرف نومهم وهم يمثلون المشهد الأخير: آخ لقد تعبنا اليوم ونحن نفعل كذا وكذا، لقد طلبني الرئيس وبقيت عنده ساعات، آه كم هي متعبة الخدمة العامة، ولكن ما العمل، الواجب ينادينا.
ترتّب له زوجته بقية الأمور، وهي تسمع منه المزيد، لكن هذه المرة عن الآخرين من زملائه في قاعة الانتظار: تعرفين فلاناً، متفلسف. لقد تجاهله الرئيس اليوم، ألقى عليه تحية باردة فيما ابتسم لي. أنا أعرف أنه يثق بي أنا. وإذا تورطت المرأة في سؤال وجيه مثل: كيف ستسير الأمور في البلاد، ينفر منها الرجل ليقول لها: كل النهار وأنا أناقش، أرجوك فأنا أحتاج إلى راحة. ثم يرمي نفسه حالماً بكل شيء، قبل أن يستفيق في اليوم التالي مستعجلاً سماع الأخبار، أو متصلاً ليعرف جدول مواعيد الرئيس.
ثم ينتبه هؤلاء فجأة إلى أن الرئيس على سفر: ما العمل؟ فجأة تعود العلاقات طبيعية مع المنافسين من المستشارين المزعومين، يجري التواصل بسرعة، ويعرف أكثر أن عليه المسارعة إلى حجز الفنادق وبطاقات السفر، ثم تدور الاتصالات لكي يكون الجميع حاضراً ساعة اللقاء. وخلال السفر، يتناوب هؤلاء على مقاعد البهو في الفندق طيلة النهار والليل، لا يتركون قهوة تغضب من شفاههم، ولا يتركون تحليلاً إلا يقدمونه، وفي نهاية النهار، يقصدون المرافق الذي يعتذر بلباقة: الرئيس دخل غرفته ليرتاح، والصباح رباح. وتظل الأمور على هذا النحو إلى أن تحين العودة إلى بيروت، يحملون صوراً من الاحتفالات الرسمية وحكايات عن كل شيء إلا عن رحلة الرئيس. لكن لا بأس فلا أحد يطالبهم بشيء. وهم ليسوا أمام اختبار حقيقي. لكن المشكلة هي أن الرئيس يضطر يوماً إلى الإعراب عن ضيقه ونفاد صبره فيصرخ كما فعل قبل أيام:
«لا أعرف ما الذي أفعله مع هؤلاء، عندما كنت قائداً للجيش، كان لديّ بعض الوقت، ولم أكن أرغب في تناول الغداء أو العشاء مع أحد، لا جلد لي على هذا النوع من اللقاءات، وأفضّل أن أرتاح مع عائلتي، وعندما وصلت إلى بعبدا، لم أعد أملك أصلاً الوقت الكافي للقاءات من هذا العيار، لا غداء ولا عشاء ولا أي شيء آخر، ثم أسمع من هذا وذاك، أنني كنت في لقاء خاص مع الرئيس، دعاني وحدي إلى قهوة الصباح، أو استضافني إلى مائدته، ومن ثم يبدأ هؤلاء بقول هذا الشيء وذاك الشيء ولا صحة في الأمر».
إلا أن فريق المساعدين الذين يتولون الأمور الأساسية في القصر اليوم، هم مجموعة من العسكريين والمدنيين، أبرزهم على الإطلاق السفير ناجي أبي عاصي، الذي له خبرة كبيرة في العمل الدبلوماسي وكان قد اشتهر بمواقفه التي لا تجعله في عداء مع أحد، وهو العازب المتفرغ لعمله الذي تولى أدواراً كثيرة، ويعمل اليوم على صياغة الكثير من مواقف الرئيس. كذلك النائب السابق ناظم الخوري الذي يعمل مستشاراً سياسياً ويقتصر عمله على نقل الرسائل وتبادل الأجواء مع بقية المراجع. ثم هناك الزميل أديب أبي عقل الذي يتولى التنسيق مع الإعلاميين، يساعده بعض الزملاء الذين أُقصوا من مواقع إعلامية رسمية وخاصة، لكن ثمة مشكلة في هذا الحقل يبدو الكلام فيها مؤذياً وفيه قطع للأرزاق، لكن الأكيد أنه «إعلام المنطقة الواحدة» الذي يذكّر بزمن سابق على توقف الحرب الأهلية، أما الضابط الذي رافق سليمان من قيادة الجيش إلى القصر، أي عبد المطلب حناوي، فهو من يحاول المحافظة على علاقات الرئيس مع جهات كثيرة، ويتولى تنسيق أمور عدة، بينها أيضاً ما يتصل بالإعلام، إضافة إلى فريق إداري وأمني.
عدد الاربعاء ٢٨ كانون الثاني ٢٠٠٩