Thread: Turkey
View Single Post
  (#101 (permalink)) Old
Picasso
Registered Member
 
Picasso's Avatar
 
Offline
Posts: 1,142
Thanks: 42
Thanked 65 Times in 49 Posts
Last Online: 5th October 2009
Join Date: Fri Apr 2006
View Picasso's Photo Album
Default 5th January 2007



تركيا في لبنان: التوازن بُعدٌ والإتزان بُعدٌ آخر

جهاد الزين


تواجه الحكومة الإيرانية حاليا ازمة في إمداد الغاز الطبيعي للسوق الداخلية، ليس واضحا ما اذا كانت ناتجة عن مشكلة تقنية او عن تصاعد الطلب على الغاز في موسم الشتاء بما لا تتمكن حتى الآن من تلبيته بالشكل الكافي، ام عن كلا الامرين معا. وهناك تكهنات عن ان خط الامداد قد ضرب في احدى نقاط عبوره في كردستان الايرانية.

المهم ان هذا الوضع – حسبما ابلغت الحكومة الايرانية للحكومة التركية – هو الذي يؤدي حاليا الى قطع امدادات الغاز الايرانية الى تركيا تبعا للاتفاقية المعقودة بين الحكومتين عام 1996 والتي بموجبها تمد ايران تركيا بثلاثة مليارات متر مكعب سنويا من المفترض ان تصل تدريجياً عام 2007 الى عشرة مليارات متر مكعب.

هذه الازمة "نموذج" للازمات "اليومية" بين البلدين الكبيرين في المنطقة، لكنها ايضا – وحتما – "نموذج" للحلول الدائمة بينهما على اكثر من مستوى... ازمات تجد لها حلا على الدوام في هذا التاريخ الطويل منذ نهاية العهد الصفوي وتحديدا منذ اتفاقية الحدود القاجارية – العثمانية في اواخر القرن الثامن عشر من العلاقات بين الدولتين اللتين ستصبحان في مفاهيم القرن العشرين، "الدولتين القوميتين" الاكثر تبلورا في الشرق الاوسط (مع مصر والمغرب نسبيا، الدولتين شبه القوميتين في العالم العربي).

من المعروف ان هذا المسار المضبوط من العلاقات بين تركيا وايران تواصل على الرغم من التوترات الايديولوجية الحادة التي حصلت بينهما بعد نجاح الثورة الايرانية عام 1979. فلقد حافظ "نظام العلاقات" بينهما على قاعدة عدم تجاوز الاختلافات – حتى الامنية – سقفا سياسيا معينا، كانت ابرز اختباراته واطولها المعاصرة هي الحرب العراقية – الايرانية في الثمانينات التي "حصدت" فيها تركيا فوائد اقتصادية هائلة على الجانبين ومن الجانبين معا على الرغم من نشوء ما سُمّي حينها بـ"اللوبي العراقي" النافذ في انقره خلال الحرب والذي استمر ذا تأثير مهم حتى بعد هزيمة صدام حسين في الكويت عام 1991، مثل "اللوبي" الذي عرفته فرنسا خلال تلك الحقبة وانتج شبكة هائلة من المصالح الفرنسية في العراق بلغ تأثيرها، اي الاحساس باحتمال خسارتها، حد نجاح فرنسا عام 2002 – 2003 في ضرب شرعية الغزو الاميركي للعراق داخل هيئة الامم المتحدة ومجلس الامن.

لا بل إن التوترات "الثقافية" الصغيرة لا تغيب مطلقا بين تركيا وايران، مثل ذلك الناتج حاليا عن "صورة" لاحد نواب الرئيس الايراني، المسؤول عن السياحة، في حفل في تركيا يظهر خلالها مصفّقاً لراقصة كانت تؤدي وصلة رقص شرقي، السبب الذي دفعه الى رفع دعوى ضد شخصيات تركية اعتبرها مسؤولة عن تلفيق الصورة و"التشهير" به.

... مع زيارة رجب طيب اردوغان، رئيس الوزراء التركي الى بيروت، هذه المرة لتفقد الوحدة المشاركة في قوات "اليونيفيل 2" من جيش بلاده، يتضح اكثر البعدان المتوازن والمتزن في الاهتمام التركي بالوضع اللبناني.

انه متوازن، بمعنى انه يقع في سياق اكيد من احداث توازن اقليمي حول لبنان مع ايران وسوريا. توازن تحمست له المملكة العربية السعودية في صياغاتها الجديدة لسياساتها في المنطقة، وطبعا هو دور تريده الولايات المتحدة وأوروبا. فتركيا كما سبق القول تكرارا قوة يحسب لها حساب في ايران، وهي حاليا مؤثرة لحد ما في سوريا بفعل العلاقة الجيدة التي باتت تربط نظام الرئيس بشار الاسد (خلافا لأيام والده) مع الدولة التركية، حكومة ومؤسسة عسكرية.

لكن الحضور التركي في لبنان متزن ايضا، وهو امر مختلف عن التوازن. انه الصلة بجميع الاطراف، وتحديدا بـ"الخطين" المتصارعين. لا صلة علاقات شخصية قد تشد رجب طيب اردوغان الى شخص فؤاد السنيورة، ولكنها صلة مصالح فعلية لا ترتبط – اذا جاز التعبير ويجب ان يجوز – بشخص رئيس الوزراء التركي نفسه ايا تكن دمغته على التوجهات التركية.

وهذه نقطة مهمة ربما تحول تقاليد السياسات اللبنانية والعربية ومعها الايرانية ايضا ان تجعلها مفهومة للعديد من المراقبين في هذه الدوائر.

تركيا بلد تجعله تجربة التحديث الجادة والصاعدة التي ينخرط فيها ان يكون حاملا لهموم واهتمامات غير موقعه الديموغرافي كوريث لآخر امبراطورية اسلامية كبيرة في التاريخ، وكبلد ذي غالبية سنية واقلية علوية تمتدان افقيا على الانقسام القومي الآخر داخلها وهو الغالبية التركية والاقلية الكردية. العلوية والسنية الموجودتان في الاتراك وفي الاكراد تتفاوت تقديراتهما العددية من 20 مقابل 80 في المئة الى 25 مقابل 75 في المئة من نسب السكان.

ما اريد ان اقوله هنا انه لدى تركيا – بفعل التراكم التصاعدي لتجربة الحداثة في اقنوميها المترابطين السياسي والاقتصادي – اهتمامات في وعي نفسها ليست محصورة فقط في "سنيتها" (وهي اول بلد مسلم ذي نظام علماني في التاريخ)... بل في اطر اخرى استراتيجية للدولة كما للمجتمع.

تركيا "النمر" الاقتصادي الجدي، المتحقق في عدد من القطاعات في عدد من الاقاليم: محيط البحر الاسود، القوقاز، آسيا الوسطى، البلقان، والشرق الاوسط... هذه "التركيا" لا يمكن ان تقوم بدورها في مرحلة الصراع الطائفي السافر في بعض المشرق والجزيرة، كما تتصورها او كما ترغب بها قوى هذا الصراع نفسه من العراق الى بيروت.

وتركيا "الذئب" الديموقراطي الجدي (رغم العقبات) الذي عثر بعد طول ارتباك وتوتر على صيغة "تسوية" بين قوة الدولة العلمانية وبين ثقافة المجتمع المسلمة، لا يمكن ان تمارس دورها كمجرد "قوة سنية" رئيسية في ديموغرافيا وجغرافيا المنطقة السياسية.

... العرب، وبصورة خاصة النخب التي رفضت طويلا الاصغاء الى النبض العميق لتجربة الحداثة التركية، وتتصرف الآن على انها "تكتشف" قيمة تركيا، ينبغي ايضا الا تقع في خطأ التصور الوحيد الجانب لتركيا التاريخية والديموغرافية. وهذه تركيا اكيدة لن تقبل طبعا بخلل خطر في بنية المنطقة السياسية. فالمراهنون من هذه الناحية مصيبون، ودخولها (رغم تحفظات المؤسسة العسكرية) الى لبنان عبر صيغة الـ1701 يؤكد صحة الرهان. ومن الجدير الاشارة اليه هنا، انه حتى موضوع خطر الانفصالية الكردية في العراق، على اهميته الاستراتيجية لأنقره، ليس وحده كافيا لفهم الاداء التركي البادئ والمنتظر في مرحلة الصراع المذهبي في المنطقة.

الخطأ يقع حين يجري النظر الى "طائفية" تركيا دون اخذ الابعاد التي باتت تكوينية في تجربة قيادة الدولة لمشروع التحديث التركي: المصالح مع اوروبا، ثقافة ونظاما سياسياً وتطويراً اقتصاديا، كما المصالح المرتكزة على بنية صناعية – تكنولوجية لا يمكن مثلا مقارنة بنية الاقتصاد الايراني بها. فالبنية الايرانية اقتصاديا هي بنية متخلفة بمعايير التقدم الحالي في العالم، وما يمنح ايران قوتها الاقتصادية ما زال هو النفط، اي انها بهذا المعنى دولة ريع نفطي أساساً، بينما الاقتصاد التركي، الذي لا نفط فيه، يعتمد على صادرات مصنعة وخدمات استثمارية باتت تتجاوز سنويا السبعين مليار دولار. (وهذه ارقام عام 2005!).

انها تركيا لا تختصر على الطريقة المتخلفة بالبعد الديموغرافي! وهذا يجعل دورها توازنيا واتزانيا في آن واحد.

لقد كان لسان حال رجب طيب اردوغان (مبعوث هذا التوازن والاتزان) امس الاول واضحا في رسالته المتعلقة بتوازن القوى ولو بتهذيب: نحن هنا بسبب انعكاس الازمة اللبنانية على المنطقة. ولكنه ايضا كان واضحا في رسالته الاتزانية: انه رئيس حكومة "اوروبية" عضو في الحلف الاطلسي، لديها الجيش الكبير الآخر في المنطقة الى جانب الجيش الاسرائيلي، كان يزور احدى وحداته "الرمزية".

تركيا المسلمة، المتعددة الأبعاد التاريخية، الديموغرافية، التـــحديثية هي فرصة... لا ورطة للمنطقة. انها الـــحداثة، في مقابل التخلف العربي والايراني.
• • •

تبقى اشارة. لتركيا مصالح ضخمة مع ايران والسعودية تجعل تأثيرهما عليها اكيدا... لكن لا يمكن لاي من طهران او الرياض ان "تشتري" وحدها "الموقف" التركي... ببساطة حجم الاقتصاد التركي يجعل المهمة مستحيلة على اي منهما بل على كليهما!

!هذا اذا تحدثنا فقط – وهي فقط كبيرة – بلغة البيع والشراء



الجمعة 5 كانون الثاني 2007
Reply With Quote
Sponsored Links